ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، ربيع الأول 1437 هـ = ديسمبر 2015م – يناير 2016م ، العدد : 3 ، السنة : 40

 

محليات

 

من المخاوف الحتمية أنّ تعزيز العلاقة الهندية مع إسرائيل

سيُؤَدِّي إلى تضرّر العلاقة مع العرب

بقلم: رئيس التحرير

nooralamamini@gmail.com

 

 

     منذ وجودها عام 1948م حاولت إسرائيل جاهدةً إقامة علاقات عسكرية وطيدة مع بلادنا الهند؛ ولكنّها ظلّت تَفْشَل في ذلك مادامت الهند يقودها قادةٌ فارعو القامات مؤمنون وعاملون بعلمانيّة البلاد وديموقراطيّتها وملتزمون بالوقوف بجانب الفلسطينيين، تجاوبًا مع العدل والحق، ونبذًا للظلم والعدوان؛ ولكنها إسرائيل بدأت تخطو إلى النجاح في ذلك عندما عادت العلمانية والديموقراطية تضعف في البلاد وصارت روح الوقوف بجانب المظلومين الفلسطينيين تنهار بضغط من الدواعي العالميّة والعصبيّات الطائفية التي تنامت مع مرور الأيّام بشكل رهيب.

     وأوّل اتّصال عسكريّ إسرائيليّ جَرَىٰ مع الهند عام 1962م خلال الحرب التي شنتها الصين على الهند، حيث عرضت إسرائيل على الهند، أنّها مستعدّة لتقديم مساعدة عسكرية في حربها مع الصين، وفي عام 1965م كذلك قَدَّمَت إسرائيل للهند تأييدًا صارخًا خلال خوضها الحرب مع باكستان؛ ولكن الهند في هاتين الحربين لم تقبل الأسلحة الإسرائيلية وإنما اكتفت بالتمتع بتأييدها المعنوي.

     ونجحت إسرائيل في إقامة علاقات عسكرية معها الهند فعلاً عام 1971م عندما كانت الهند تخوض الحرب مع باكستان الشرقية لإنشاء دولة بنغلاديش، فقد صَرَّح السيد «سري ناث راغهون» - وهو خبير من خبراء العلم الدفاعي Defensive Science وباحث مُنْتَمٍ إلى مركز دراسة السياسة Center for Policy Research وقد صدر له منذ فترة كتاب باسم «1971م تاريخ عالمي لإنشاء بنغلاديش» 1971: A Global History of the Creation of Bangladesh بأنه خلال تأليفه للكتاب اطّلع على أوراق شخصية للسيد «راميشوار ناراين باكسار» هي مودعة مكتبة ومتحفًا تذكاريًّا بدهلي يخصّ حياة البندت نهرو Nehro Memorial Museum and Library Delhi أول رئيس وزراء هندي بعد الاستقلال كان «باكسار» المذكور دبلوماسيًّا معروفًا عمل سكرتيرًا في الفترة ما بين 1967-1973م لرئيسة وزراء الهند السيدة «إنديرا غاندي» (19/نوفمبر 1917-31/أكتوبر 1984م) التي كانت رئيسة الوزراء الهندية في فترتين: الفترة الأولى امتدت على 1966-1977م والفترة الثانية امتدت على 1980-1984م. وقد لعب «باكسار» دورًا هامًّا للغاية في سبيل تأسيس بنغلاديش.

     هذه الأوراق تكشف أن الحكومة الإسرائيلية أَجْرَتْ في يونيو 1971م الاتصال بالسفير الهندي في فرنسا الـ«دي إين جتاردي» وهمست في أذنه أن الهند إذا شاءت فلها أن تشتري الأسلحة الإسرائيلية لخوض الحرب المُنْتَظَرَة مع باكستان. وقد أحاط «جتاردي» بذلك علمًا السيدة «إنديرا غاندي» عن طريق رسالة سِرِّيَّة للغاية تَسَلَّمَتْها يوم 6/يوليو 1971م، فقبلت هذه المبادرةَ الإسرائيليةَ، واتصل إثر ذلك رئيسُ الوزراء الإسرائيلي «غولدا ميير» باليهودي الصناعي «شلومو زبلودوكيز» Shlomo Zabludowiez الذي كان يمتلك شركة أسلحة باسم «سولتام» Soltam في «لكزمبرغ» كانت تُزَوِّد القوات الإسرائيلية بالمُصَفَّحَات والمدافع والقاذفات ومدافع الهاون والمتفجرات، فتَقَرَّرَ أن الشركة ستشحن للهند بتعاون من كل من الاستخبارات الهندية الـ«را» والاستخبارات الصهيونية «الموساد» المدافع ومدافع الهاون والقذائف وتسلّمت الهند هذه الأسلحة الإسرائيلية في أغسطس 1971م.

     وقد أثبت الـ«سري ناث» في كتابه المشار إليه ملاحظةً لمسؤول الـ«را» السيد «آرإين كاؤ» تكشف أن مدافع الهاون والقذائف الإسرائيلية المتطورة اُمِدَّت بها عصاباتُ الـ«مكتي باهني» - التي كانت تناضل من أجل الاستقلال عن باكستان وإقامة دولة مستقلة في باكستان الشرقية باسم «بنغلاديش» - بينما أُمِدَّت القوات الهندية المُخَصَّصَة لخوض الحرب في باكستان الشرقية بالمدافع الإسرائيلية ومُسْتَلْزَمَاتها. وكان رئيس الورزاء الإسرائيلي انتهز هذه الفرصة الذهبية وَبَعَثَ عن طريق الصناعي اليهودي المذكور رسالة إلى السيدة «إنديرا غاندي» مفادها أنه يتوقع أنها ستسمح لإسرائيل مقابل شحنها للهند هذه الأسلحة الاستراتيجية بإقامة سفارتها في الهند؛ ولكنها إنديرا غاندي لم تَرْضَ بذلك؛ لأنها لم تكن عندها في موقف يجيز لها أن تُسْخِط العالمين العربي والإسلامي؛ ولكنها أرضت إسرائيل بطريقة أخرى تمثلت في سماحها لها إسرائيل بإجراء تجربتين ذَرِّيَّتَين تمّ في مايو 1974م مُزْمَنًا مع إجراء تجارب ذريّة هنديّة.

     تَعَزَّزَت العلاقات الإسرائيلية الهندية بشكل أكثر على عهد كل من رئيس الوزراء الهندي «تشودهري تشرن سينغ» (23/ديسمبر 1902- 29/مايو 1987م) الذي شغل منصب رئيس الوزراء الهندي في الفترة ما بين 28/يوليو 1979- 14/يناير 1980م ورئيس الوزراء الهندي «في في نارا سيمها راؤ» (28/يونيو 1921- 23/ديسمبر 2004م) الذي ظل رئيس الوزراء الهندي في الفترة ما بين 1991-1996م من قبل  حزب المؤتمر؛ ففي عهده قامت بالفعل بين إسرائيل والهند علاقة دبلوماسية عام 1992م؛ لأنه رغم كونه منتميًا سياسيًّا إلى حزب المؤتمر العلماني، كان متشربًا لنظريات منظمة «آر إيس إيس» التي تعمل منذ اليوم الأوّل على تحويل الهند بلدًا هندوسيًّا متشددًا ضدّ جميع أبناء الديانات غير الهندوسيّة ولاسيّما المسلمين الذين تعتبرهم عن غير أساس عدوًّا لدودًا للهندوس.

     وظلت العلاقات بين إسرائيل والهند تتطور مع الأيّام، وتَوَطَّدَت أكثر من ذي قبل خلال حرب «كارا جيل» التي جرت في الفترة ما بين مايو- يوليو 1999م، ثم أخذت العلاقات توسّعًا أكثر وبدأت الهند تشتري من إسرائيل دفعات متتابعة من الأسلحة حتى صَرَّحت تقارير أن الهند اشترت من إسرائيل في الفترة ما بين 1999-2009م فقط من الأسلحة ما بلغت قيمته الإجمالية ثلاثين بليون دولار.

     وذلك كله في الفترات التي حَكَمَ الهندَ في مُعْظَمها أحزاب معروفة بأنها علمانيّة لاتتعصّب لديانة ضدّ أخرى؛ ولكن الشواهد أكَّدت أن كثيرًا من الساسة وزعماء الأحزاب لم يكونوا علمانيين بالمعنى المضبوط، وإنما كانوا مدفوعين بتعصبات دينيّة أو طائفية أو حزبيّة؛ ففي الوقت الذي كانوا يتظاهرون فيه بالوقوف بجانب العرب ولاسيّما الفلسطينيين كانوا يتحالفون فيه بشكل أو بآخر مع إسرائيل التي إنمازُرِعَتْ في قلب الأراضي العربية على أساس العداء الصارخ للعرب والفلسطينيين بالذات؛ ولذلك ظلّت إسرائيل وستظل عدوًّا رقم واحد للعرب. وعداؤها معهم متمثل جليًّا في الاعتداءات المستمرة والأفاعيل الرهيبة التي ظلّت تتعامل بها معهم على مرأى ومسمع من العالم الذي لايصنع إذا صنع سوى إطلاق تنديد واستنكار لم ولن يردعها عن غيّها. وهي لا تكتفي بتقتيل الفلسطينيين وتشريدهم، وإنما هي عاكفة على تهويد أراضيهم وانتزاعها منهم بقوة الحديد والنار وإقامة مستوطنات لليهود النازحين من آفاق العالم إلى فلسطين، كما هي دائبة على تحويل بعض المناطق الفلسطينية مثل غزة إلى جحيم لا تُطَاق بمنع جميع الوسائل والتسهيلات التي لابد منها لحياة الإنسان عنها وصبّ الاعتداءات العسكرية عليها من وقت لآخر بالآلات الحربية الثقلية والأسلحة ذات الدمار الشامل إلى جانب قصفها العشوائي بالقنابل المدمرة والقذائف الناسفة.

     كان آخرها الاعتداء العسكري الذي شنّته إسرائيل على غزة في يوليو أغسطس 2014م الموافق رمضان شوال 1435هـ، الذي استمر 51 يومًا وذهب ضحيته 2000 فلسطيني وأصيب عشرة آلاف.

     وقُدِّمَ إلى مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة قرار تنديد صارخ ضدّ إسرائيل وجرائمها الحربية في غزة، صَوَّتت لصالحه معظم الدول في العالم باستثناء دول كان على رأسها أمريكا الصليبية المتصهينة وكان منها الهند التي يقودها اليوم حزب «ب ج ب» وهو الجناح السياسي لمنظمة «آر إيس إيس» ويشغل منصب رئاسة الوزراء من قبله السيد «نريندرا مودي» الذي هو من رجالات المُنَظَّمَة البارزين المتحمسين لتطبيق نظرياتها حرفيًّا وبتخطيط مدروس ودونما تأجيل.

     كما أنّ الهند بقيادة السيد «نريندرا مودي» امتنعت في الأمم المتحدة عن التصويت لصالح دولة فلسطينية مستقلة. وذلك يوم 4/يوليو 2015م (السبت: 16/رمضان 1436هـ).

     وكانت الخطوتان المذكورتان اللتان خَطَتْهما الهند مُؤَخَّرًا مُؤَشِّرًا واضحًا على أن السياسة الهندية الخارجيّة قد تغيّرت بنحو شرعي وشَذَّت عن مسارها الذي ظلّت تسلكه منذ الاستقلال.

     وقد أفادت الأنباء أن رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نيتنياهو» قد اتّصل مباشرًا بالسيّد «نريندرا مودي» وهاتفه أن يمتنع عن التصويت لصالح الفلسطينيين وضد إسرائيل تدعيمًا للعلاقة القائمة بين إسرائيل وبين الهند، فاستجاب له السيد «مودي» وأبعد حكومته عن التصويت ضدّ إسرائيل الصديقة. ولا غرو فقد ظلّ على علاقة متينة معها منذ أن كان كبير وزراء ولاية «غجرات» حيث وَقَّعَتْ معه اتفاقية تطوير الزراعة في الولاية. وزار «مودي» إسرائيل أيام كان كبير وزراء الولاية عام 2006م، فاستقبلته بترحاب حارّ غير معهود.

     على كل فإن العلاقة الإسرائيلية الهندية شهدت ازدهارًا سريعًا بالغًا على عهد السيد «مودي» وزار دهلي مستشار الأمن الوطني الإسرائيلي عدة مرات وحمل معه لـ«مودي» كل مرة رسالة خاصّة من رئيس الوزراء الإسرائيلي «نيتنياهو» كما أن وزراء الدولتين ظلّوا يبادلون الزيارات الودّيّة.

     وهناك أنباء تفيد أن مستشار الأمن الوطني في حكومة السيد «مودي» «أجيت دوبهال» قام بزيارة سِرِّيَّة لكل من إسرائيل وإيران، كشف عن زيارته هذه صحيفة الـ«دي تيلي غراف» الصادرة بـ«كولكاتا» يوم 7/سبتمبر 2015م (الاثنين: 22/ذوالقعدة 1436هـ). وقالت الصحيفة نقلاً عن المصادر أن «دوبهال» زار في إسرائيل أكبر مركز نووي في «دشت نجب» التي تقع على مسافة 35ك م من مدينة «دمونا» وعلى شاطئ البحر.

     ويقال عن إسرائيل: إنها نجحت في صنع أسلحة نووية عام 1950م بمساعدة من فرنسا، ولكن العالم لايعلم عن الأسلحة النووية في إسرائيل وأنشطتها النووية إلاّ قليلاً. ومن المعلوم أن مركز «دشت نجب» النووي الإسرائيلي ممنوع الطيران بتاتًا، ففي عام 1973م كانت إسرائيل قد أسقطت طائرة ركّاب ليبية حاولت التوغل في هذه المنطقة الإسرائيلية كانت تقلّ 108 راكب، كلهم قد لقوا مصرعهم في مكان الحادث.

     ورغم أن هدف زيارة «دوبهال» للمركز النووي الإسرائيلي الرئيس لم يتضح لحد الآن؛ ولكن الذي تؤكده الزيارة هو أن العلاقة العسكرية وحتى النووية بين الهند وإسرائيل توطّدت بنحو أكثر من ذي قبل.

     وقالت الأنباء: إن هناك 7500 يهودي هندي النِّجار يقتطنون في مدينة «دمونا» ومن المنتظر أن يزور السيد «مودي» عما قريب إسرائيل فيزور هذه المدينة ويجتمع بهؤلاء اليهود الهنود الأصل. وسبق أن صَرَّح وكيل وزارة الخارجية السيد «إيس جي شانكار» أن الهند عاكفة على إعداد رسم أزرق بشأن استراتيجيتها نحو الاستفادة من الثروة النفطية لدى العرب إلى جانب توسّعها في المساهمة الاستراتيجية مع إسرائيل، حتى لا تخسر أيًّا من الصداقة الإسرائيلية والصداقة العربية.

     ونشرت الصحف الهندية –– بعد ما كنتُ قد فرغتُ من كتابة هذه السطور يوم الاثنين 21/سبتمبر 2015م = 6/ذوالحجة 1436هـ –– يوم الاثنين: 5/ أكتوبر 2015م = 20/ذوالحجة 1436هـ أنباءً تفيد أن فخامة رئيس الجمهورية الهندية «برناب موكهارجي» سيزور إسرائيل خلال الأيام القليلة القادمة في الفترة ما بين 13-15/ أكتوبر 2015م وأن هذه الزيارة ستدعم بشكل أكثر من ذي قبل العلاقات الهندية الإسرائيلية، وسيوقع فخامة الرئيس ثلاث اتفاقيات بين الهند وإسرائيل في مجالات المياه والطاقة والتعليم وأن هذه الزيارة ستكون أول زيارة يقوم بها أي رئيس هندي للدولة اليهودية. وأشارت الصحف إلى تصريح السفير الإسرائيلي لدى الهند «دانيال كارمان» بأن العلاقات بين الدولتين تشهد تطورًا مزيدًا، وأن زيارة السيد «موكهارجي» لإسرائيل ستُشَكِّل حجرًا أساسيًّا في هذا الجانب.

     وأضاف «كارمان» أن علاقاتنا قائمة منذ سنوات؛ ولكنها كانت من وراء الستار، أما اليوم فقد صارت سافرة، حيث يراعي كل من الطرفين مصالح الآخر، ورغم أننا يختلف بعضنا عن بعض للغاية ورغم ذلك إننا مثل قوات مشتركة. إن الهند أكبر زبون اليوم للمُعَدَّات العسكريّة الإسرائيلية، وقد شحنت إسرائيل خلال سنوات عديدة ماضية للهند أسلحة متنوعة وطائرات مقاتلة بدون طيار؛ غير أن الصفقات مُعْظَمُها تمّ من وراء الستار. إن العلاقة الدبلوماسية الإسرائيلية الفاعلة مع الهند قامت في 1992م؛ لكن أيًّا من رؤساء الوزراء الهنود أو رؤساء الجمهورية الهندية لم يقم بزيارة لإسرائيل لحد اليوم. (صحيفة «انقلاب» الأردية اليومية دهلي الجديدة (ميروت) السنة 3، العدد 265، يوم الاثنين: 5/أكتوبر 2015م = 20/ذوالحجة 1436هـ).

     وغيرُ خاف أن هذه المبادرة المتسارعة من قبل «مودي» وحكومته إلى تمتين العلاقة مع إسرائيل يراها المسلمون الهنود الذين يُشَكِّلون رغم كونهم أقلية في الهند، نسبة سكانية كبيرة لا تُشَكِّلها أي أقلية في البلاد كما أنهم يُشَكِّلون نسبة كبيرة بين مسلمي العالم نابعة بشكل أو بآخر من التعصّب الطائفي الديني الذي تتبنّاه وتصدر عنه منظمة «آر إيس إيس» في جميع تحركاتها السياسيّة والاجتماعيّة. ومن المعلوم أن السيد «مودي» من رجالاتها البارزين وعامليها النشيطين وأن حزب «ب ج ب» جناح سياسي للمنظمة عن توجيهاتها يصدر في جميع ما يتخذه من قرارات ويتبنّاه من خطوات في إدارة الحكم منذ أن تولى مقاليده في البلاد بقيادة السيد «مودي».

     وتلك حقيقة يدركها الجميعُ أن توسعة العلاقات الهندية الإسرائيلية من شأنها أن تُؤَثِّر تأثيرًا سلبيًّا بالغًا على الانسجام الطائفي في البلاد المتزايد انهيارًا من ذي قبل. ويجب أن لا يغيبنّ عن بال الحكومة الهندية أن تمتين العلاقات مع إسرائيل لن يتمّ أبدًا إلاّ على حساب العلاقات الهندية القائمة منذ القديم مع البلاد العربية. وقد ظلّت الهند على رأس المؤيدين للقضايا العربية في المحافل الدوليّة، ولذلك كانت علاقتها الهند معها البلاد العربية طيبة مثاليّة يشهد بها العدد الهائل من الهنود الذين يعملون في دول الخليج العربية الذي يرتفع إلى أكثر من 7 مليون من العمال والموظفين والعاملين في مناصب وجيهة، الذين يرسلون إلى الهند مبلغًا باهظًا لايقل عن 140 بليون روبيّة تساهم بشكل فعّال في ترفيه البلاد وزيادة احتياطي العملات الصعبة.

     كما أن البلاد العربية هي التي تمدّ الهند بـ 60٪ من حاجاتها النفطيّة، كما أن حجم التبادل التجاري بين الهند والبلاد العربية بلغ عام 2012-2013م أكثر من بليونين إلاّ عشرين مليونًا. وقد أكّد المحللون السياسيّون والاقتصاديون أن التجارة الهندية الصينية، إنما يستفيد منها الصين دون الهند أمّا التجارة الهندية العربية فلا يستفيد منها إلاّ الهند. ولذلك صَرَّحت وزيرة الخارجية الهندية السيدة «سوشما سوراج» أن الهنود العاملين خارج الهند إذا كانت الهند مسقط رأس لهم فإن الدول الخليجية العربية موطن سعادة لهم.

     رغم ذلك كله إذا كانت الحكومة الهندية الحالية التي يقودها حزب «ب ج ب» بقيادة السيد «نريندرا مودي» عاكفة على توسعة وتدعيم العلاقات بنحو أشدّ من ذي قبل مع دولة غير شرعية زرعت بشكل غير شرعي في قلب الأراضي العربية عُرِفَتْ بشرّها المستطير وخبثها الشهير، فإن ذلك ليس مؤسفًا للغاية فقط، وإنما هو الأمر الخطير الذي سيترك على البلاد انعكاسات سلبيّة بعيدة المدى، سيدركها الجميعُ عندما ينكشف اللثام عن مكر هذه الدولة النجسة ودسيستها التي عُجِنَتْ بها طينتُها؛ لأنها لاتضع في الاعتبار إلاّ مصالحها الصهيونية ومطامعها التوسعية لدى إبرام أي صفقة مع أي دولة في العالم. أجل سيدركها كذلك عندها الطائفيون الذين لايهمهم اليوم إلاّ الشذوذ بهذه البلاد العظيمة عن مسارها الذي استقرّبها عليه بعد الاستقلال الزعماء الوطنيون العمالقة أمثال «المهاتما غاندي» (1869-1948م) و«مولانا أبي الكلام آزاد» (1305-1377هـ = 1888-1958م) و«البندت جواهر لال نهرو» (1889-1964م) وغيرهم الذين كانوا يرون الابتعاد عن إسرائيل خيرًا لهذه البلاد العملاقة وللإنسانية جمعاء. فقد صَرَّح «غاندي» في مجلته «هريجان» في نوفمبر 1938م: «إنه من الموقف غير الإنساني أن نُسَلِّط اليهود على العرب، وما يُفْعَل اليوم بالفلسطينيين ليس له مُبَرِّر شرعيّ. إن فلسطين للعرب وحدهم كما أن إنجلترا للإنجليز وفرنسا للفرنسيين».

     إن بلادنا الهند يُشَذُّ بها عن مسار العلمانية ويُحَطُّ بها إلى حضيض الطائفية وتجري المحاولة الحثيثة لحرمانها تسامحَها الطائفي وتناغمَها الاجتماعي الذي هو وحده يضمن لها الأمن والسلام والاستقرار السياسي والاجتماعي؛ ولذلك تُبْذَل المجهودات لتجريدها من معاني التوازن والاعتدال والتسامح والانسجام وكَهْربَتِها بالتشدد والطائفية والتطرف، وإنطلاقًا من ذلك يجري التحالف البالغ مع أمثال إسرائيل التي تأسست على الظلم واللاشرعيّة وممارسة العدوان والوحشيّة والبربريّة؛ بل تقنين الظلم واللّا شرعيّة.

     صَحَّ أن يقال: إنه وَلَّت الأيام التي كانت الهند ترى فيها التزلّفَ إلى هذه الدولة الشاذّة أسوأَ الذنوب وكان ضميرها يلومها عندما كانت تفكر مجرد تفكير في أي نوع من الاتصال بها؛ لأنها كانت عندها على طبيعتها السليمة ولم تُؤَثِّر عليها بنحو ما أيُّ محاولة سلبيّة من قبل العاملين على الانحراف بها عن فطرتها المستقيمة؛ ولكنه يبدو أنها انهارت اليوم لدى محاولتهم المشبوهة، ولم تعد تحتفظ بأصالتها وقدرتها على الصمود في وجه العاصفة الماكرة.

(تحريرًا في الساعة 12:30 من ظهيرة يوم الاثنين: 6/ذوالحجة 1436هـ  الموافق 21/سبتمبر 2015م)

*  *  *