ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، ربيع الثاني 1437 هـ = يناير – فبراير 2016م ، العدد : 4 ، السنة : 40

 

دراسات إسلامية

 

من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند

(الحلقة 35)

بقلم: الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي -رحمه اللّه-

(المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

 

 

دارالتفسير:

     أسلفنا أن «دارالعلوم» شهدت تدشين قسم التفسير عام 1350هـ ،كدأب دورة الحديث الشريف، وذلك في حين لم يكن فصلا دراسيا خاصا بقسم التفسير، فأنشي عام 1358هـ صالة فخمة باسم «دار التفسير» مساحتها 30X30 قدمًا مربعًا، فوق مبنى دار الحديث،كما بنيت قبة فخمة فوق دارالتفسير، تشكل تاجًا على رأس «دارالعلوم» بالنظر إلى فخامتها وسموها. ومبنى «دار الحديث» و«دارالتفسير» بمجموعهما بناءٌ فخمٌ يسترعي انتباه الناظر إليه ويبعث فيه الحيرة والاستعجاب.

عام 1359هـ، وبناء بوابة «ظاهر»:

     قرر المجلس الاستشاري في خصوص المساعدات الأفغانية بأنه وقد تم شق الطريق الخاص إلى «دارالعلوم»، كما تم بناء القبة على دارالتفسير، فلزم بناء بوابة رئيسية للسكن الطلابي قبالة مبنى دار الحديث، وأوصى القرار بإنفاق هذه المساعدات على بناء بوابة عظيمة رئيسية وتسميتها «باب ظاهر» نسبة إلى الملك الأفغاني ظاهر شاه؛ ليشكل تذكارًا خالدًا للعلاقات المخلصة الوطيدة بين «دار العلوم»، و«أفغانستان». واستضافوا لتأسيس البوابة نواب صدريارجنك الشيخ حبيب الرحمن خان الشرواني(1). ونزولا عند رغبة الشيخ المدني - رحمه الله- (1296-1377هـ /1879-1957م) توجه رئيس «دارالعلوم» بنفسه لتوجيه الدعوة للشيخ الشرواني إلى «حبيب كنج»، بـ«علي كره»، فاستجاب الشيخ دعوته، وحضر على الموعد المضروب، وأقيمت مراسم وضع حجر الأساس لـ«باب ظاهر» على يد الراحل الشيخ الشرواني المعروف بـ«صدر يارجنك»، في جمع حاشد من العلماء والطلبة وعامــة النــاس. ويشكل «باب ظاهــر» مبنى شامخًا ذا أدوار ثلاثة، ويضم غرفات واسعة عدة بجانب فصول دراسية واسعة، يتمرن فيها طلاب قسم تحسين الخط على أيدي أساتذهم البارعين.

وضع سياسة تعليمية مثمرة:

     وبدعوة ورغبة من حاكم ولاية «قلات» توجه رئيس «دارالعلوم» إليها. وتوخى حاكم ولاية «قلات» من وراء ذلك وضعَ منهج دراسي خاص بالجيل الجديد من طلاب ولاية «قلات»، يضمن - ضمانًا كليًا- تعليم العلوم الدينية والعلوم العصرية، وتلبية الحاجات الاجتماعية جنبًا إلى جنب، بالإضافة إلى تجسير الهوة التي أدت إلى خلق فئتين مختلفتين في الأمة من جراء الاختلاف بين العلوم الدينية والعلوم العصرية، الأمر الذي وسع الفجوة وزاد التنافر بينهما، وكذلك اتخاذ سبل القضاء على ذلك. وبالتالي وضع منهج دراسي شامل يعين على تجسير هذه الهوة من التعليم الثنائي بين نوعين من التعليم ما أمكن,وذلك لجمع ميول التعليم القديم والحديث على رصيف واحد، ومحاولة خلق الوحدة الفكرية والتعليمية في الأمة الإسلامية.

     ورغبةً في وضع سياسة تعليمية بهذا المنظور استصحب رئيس «دارالعلوم» معه الشيخ شمس الحق الأفغاني(2). و وصل إلى ولاية «قلات» واستشار خبراء التعليم القديم والجديد ليضع منهجًا دراسيًا مثمرًا شاملًا، وعرضه على حاكم الولاية. ونزولًا عند رغبة حاكم الولاية تم توجيه كلّ من الشيخ شمس الحق الأفغاني والشيخ حامد الأنصاري الغازي، وآخرين من «دارالعلوم». وكان من أضرار ذلك أن تم تولية المذكور أولا وزارة التعليم، بينما وُكل إلى الآخر رئاسة النشر فعادا من سكان الولاية و لزماها. ولم تقطع هذه السياسة إلا خطواتها الأولى حتى نشبت الحرب العالمية واستبدت الحكومة البريطانية بالحكم في الولاية لأهداف الدفاع عن نفسها. فلم تتحقق - وللأسف- الأسباب والسبل التي تم اقتراحها لتوحيد الميول القديمة والحديثة عن طريق هذه السياسة الناجعة للغاية.

صلة «دارالعلوم» بـ«جامعة علي كره»:

     تشكل «دارالعلوم/ ديوبند» و«جامعة علي كره» أعظم المؤسسات التعليمية لمسلمي الهند، أنشئتا في أعقاب ثورة عام 1857م واحدة تلو أخرى. فحافظت «دارالعلوم» على دين المسلمين عن طريق العلوم الإسلامية، كما حفظت «جامعة علي كره» المسلمين من الدمار الدنيوي عن طريق العلوم العصرية والاقتصادية. ورغم أن هاتين المؤسستين كلتيهما أقامهما المسلمون أنفسهم، و قد عملتا لصالح المسلمين كذلك، إلا أنه لم تكن إحداهما على صلة بالأخرى. وكان شيخ الهند محمود حسن (1268-1339هـ/1851-1920م)  توجه إلى «جامعة علي كره» إبان حركة الخلافة، ووضع حجر أساس الجامعة الملية، وألقى الشيخ بهذه المناسبة كلمته القيمة التي تعد الكلمة التأسيسة للجامعة الملية، ثم عادت المياه إلى مجاريها من التقاطع والنفور بينهما.

     وفي السنوات الأخيرة قام الشيخ حامد الأنصاري من قبل جمعية «تاريخ وحضارة الإسلام» التابعة لـ«جامعة علي كره» بتوجيه الدعوة إلى علماء ديوبند للمشاركة في مناسبات «الأسبوع الإسلامي»، وكان رئيس «دارالعلوم» فاتحة لهذه السلسلة. فألقى خطبة علمية قيمة فلسفية حول موضوع «الإسلام والعلم الحديث». لقيت إعجابًا وقبولًا واسعًا في أوساط أساتذة «جامعة علي كره» وطلابها كما قال السيد أمير حسن رئيس جمعية «جامعة علي كره»(3).

     ثم ألقى خطبة أخرى في السنة الجارية حول «المقومات الأساسية للحضارة الإسلامية»، ولقيت هذه الخطبة هي الأخرى إعجابًا وقبولًا واسعين، وقامت الجمعية بنشر الخطبة الأولى في كتاب.

     وكان من نفحات وآثار هذه الخطب أن زالت مظاهر الاستخفاف بأهل العلم وإساءة الظن بهم مما كان يسود جو «جامعة علي كره». وازدادت علاقة «دارالعلوم» مع «جامعة علي كره» منذ ذلك الحين تحسنًا، وكاد يتلاشى النفور بين المؤسستين والحمد لله على ذلك.

عام 1360هـ، واستكمال السكن الطلابي:

     كان عام 1360هـ(1941م) الفترة الزمنية التي كان يشهد فيها العالم الحرب العالمية المدمرة الهائلة. وكانت الأوضاع الاقتصادية العامة في البلاد تعاني توترًا وتأزمًا إلا أن الله تعالى كان توفيقه حليفا لدار العلوم في رقيها وازدهارها، وأسلفنا أن رئيس «دارالعلوم» توجه في شهر رمضان إلى مدينة «مدراس»، وسبق أن زار «دارالعلوم» قبله بأشهر وفد مكون من تجار «مدراس» يرأسهم الحاج إسماعيل مريت، واطلع اطلاعا واسعا- على أوضاع «دارالعلوم» عن كثب. وأقبل على مد يد العون إلى «دارالعلوم»  لما شاهد فيها من حسن التنظيم والتنسيق، والإخلاص في أساتذتها وموظفيها واحتسابهم في أعمالهم مما فعل في قلوبهم فعلا طيبا. وكانت زيارتهم للجامعة أهم ما دفع رئيس «دارالعلوم» إلى زيارة «مدراس»، وفعلا توجه إليها، واستصحب معه الشيخ/ مبارك علي - رحمه الله- وكيل الجامعة-. وفي هذه الرحلة قدَّم أهل «مدراس» إلى «دارالعلوم» مساعداتٍ مالية تقدر بسبعة و أربعين ألف روبية عشرون ألفا منها كان الحاج إسماعيل مريت تبرع بها بجانب توسع وامتداد نطاق أنصار «دارالعلوم» والمتعاونين معها بشكل ملحوظ.

     وعرج رئيس «دارالعلوم» في عودته إلى «ديوبند» على «كالكوته» ونزل بها أيامًا، وكانت هذه الرحلة مثمرة ونافعة جدًا، حيث تجمع لصالح «دارالعلوم» أربعة وعشرون ألف روبية، تبرع بعشرين ألفا منها الحاج محمددين بائع الجلود- وحده. فجزاهم الله جميعًا خيرا، ورفع من توفي منهم درجات في أعلى العليين. وبعناية منهم تسنى استكمال السكن الطلابي، الذي ظل في حاجة إلى من يمولها منذ سنوات عديدة، والذي لقي الطلاب من أجله الألاقي، وباستكمال السكن الطلابي أصبح الحرم الجامعي مصونا آمنا بعد ما كان يحف به الأخطار من كل جانب. فجزاهم الله عنه في الدنيا والآخرة.

مجلة «دارالعلوم»:

     سبق أن أصدرت «دارالعلوم» قبل اثنين وثلاثين عامًا (عام 1328هـ) مجلة شهرية اسمها «القاسم» تهدف إلى إصلاح المسلمين عقيدةً وعملًا، وتربيتهم تربيةً دينيةً، ونشطت المجلة في خدمة الإسلام والمسلمين بنجاح باهر، ولعبت مجلة «القاسم» دورا ملموسا في نشر كتابات وتحقيقات علماء «ديوبند» وبحوثهم العلمية. ولاتزال الجهود - التي بذلها المجلة في تقديم المواد الدينية الصحيحة وتزويد المسلمين بها في الأسلوب النقي الواضح- ماثلة أمام أعين الأوساط العلمية وحية في قلوبها. وتوقفت مجلة «القاسم» بعد ما استمرت مدة طويلة تقارب إحدى عشرة سنة. ثم تواترت على «دارالعلوم» أوضاع لم تسمح لها بإصدار مجلة منها. و رغم الإلحاح المتواصل من قبل أنصارها والمتعاونين معها مدة عشرين سنة، كما استشعر بالحاجة إليها مسؤولو «دارالعلوم»، لم يتسنى لها اتخاذ خطوة في هذا الاتجاه. و أخيرًا تم إصدار مجلة شهرية باسم «دارالعلوم» في شهر جمادى الأولى عام 1360هـ، وجعلت المجلة نصب عينيها تحقيق الأهداف التالية:

     (1) إطلاع أنصار دار العلوم والمتعاونين معها على أوضاع «دارالعلوم» وأحوالها.

     (2) عرض التوجيهات الإسلامية بأسلوب سهل وترسيخها في القلوب، وخلق العقلية الدينية الصحيحة في المسلمين.

     (3) نشر بحوث وتحقيقات  علماء «ديوبند» في القضايا العلمية، وشرح مواقفهم من الأوضاع التي تمر بها البلاد.

     (4) رد هجوم أعداء الإسلام بجدية ومتانة.

عام 1361هـ، اعتقال شيخ الإسلام حسين أحمد المدني:

     غادر شيخ الإسلام حسين أحمد المدني - رحمه الله- (1296-1377هـ/1879-1957م) رئيس هيئة التدريس بدارالعلوم/ ديوبند- ديوبند إلى منطقة «جهنك» بـ«بنجاب الغربية»- ليرأس مؤتمر وحدة المسلمين والهندوس، فلما بلغ محطة «تبري» من ضواحي مدينة «سهارن فور»- قابله ضابط الشرطة بأمر ضبطه وإحضاره، وبالتالي نزّلوا شيخ الإسلام المدني على محطة «سهارن فور» من القطار، وذهبوا به إلى السجن في المدينة. وتم تحويله منها في اليوم التالي إلى «مرادآباد». وكان السبب وراء هذا الاعتقال خطبةً سياسيةً ألقاها الشيخ في مؤتمر عقدته جمعية علماء الهند- فرع مدينة «مرادآباد»- في قرية «بجهراؤ»(4)، وبلغ نبأ اعتقال الشيخ المدني «دارالعلوم» في الساعة العاشرة صباحًا، فاضطرب الأساتذة والموظفون والمسؤولون في «دارالعلوم» اضطرابًا شديدًا، وسرى فيهم تيار الحزن والأسى والغضب، وشهدت المدينة إضرابًا عامًا عن العمل، وأغلقت أسواقها ومحلاتها التجارية، وعقدت حفلة احتجاج واستنكار رأسها رئيس دارالعلوم/ ديوبند، قال الشيخ في كلمته التي ألقاها في الحفلة: «إذا كانت الحكومة تريد أن تتحدى «دارالعلوم»، وجماعتها باعتقال الشيخ المدني، فأنا مستعد لقبول هذا التحدي نيابة عن الجماعة كلها».

     ومن العسف ألا نعترف بما التزم به الطلاب الشبان من الصبر والحلم. وشهدت المدينة مسيرات وتظاهرات و اجتماعات احتجاجية ضد اعتقال الشيخ المدني إبان إسره مرات ومرات. ورغم أن الطلاب الشبان كانوا هائجين هيجانًا شديدًا ومتحمسين للغاية ضد الحكومة إلا أنه لم يظهر منهم في المناسبات المختلفة إلا تحمس رزين وتظاهرات آمنة يعلوها الوقار العلمي وجلاله، على أن هذه المشاهد الاستفزازية كثيرًا ما تفقد هذه الخصائص والميزات. وأثتبت مواقف طلبة «دارالعلوم» مدى حذرهم وامتلاكهم أنفسهم عند الإعراب عن مشاعرهم وهم في مرحلة الشباب وسن التحصيل الدراسي. وأنهم لايدَعون الوقار والرصانة العلمية يفوتانهم في أشد المواقع والأحداث.

     ونطق القاضي في سجن «مرادآباد» بالحكم في قضية الشيخ المدني في 10/رجب عام1361هـ، وأمر بسجنه لمدة سنة ونصف، بالإضافة إلى غرامة مالية قدرها خمس مئة روبية أو السجن لمدة ستة أشهر إضافية إذا لم يتم تسديد الغرامة-، ووضعه في الدرجة الأولى من السجن.

تأجيل الاختبارات السنوية

وإجازة عامة في «دارالعلوم»:

     جاء اعتقال الشيخ المدني في أواخر عام 1942م، ثم لم يمض إلا قليل حتى جاء اعتقال القيادات العليا في «المؤتمر الوطني»، وبالتالي تم الحظر عليه في طول الهند وعرضها، فسرى تيار الاضطراب والقلق في الهند كلها، حين تم اعتقال القيادات العليا في الحزب، وكادت لاتخلو منطقة من المناطق الهندية من سلوك الأوساط الشعبية مسلك العنف، حيث بدأوا الهجوم على المصالح الحكومية وخطط السكة الحديدية، وذلك في شهر شعبان، الذي يجري فيه الاختبارات السنوية في «دارالعلوم»، ويعقبها الإجازة السنوية، والناس يتوجسون خيفة من الأوضاع الباعثة على القلق أن تعوق دون عودة الطلاب إلى بلادهم. وإدارة الجامعة كانت تدرس اقتراح تأجيل الاختبارات السنوية إذ تقدم الطلبة وهم مجمعون على ذلك- قائلين بأنهم لو استمروا في «دارالعلوم» ولم يرحلوا إلى أوطانهم؛ فإنهم لايأمنون الوصول إليها، فإن خطط السكة الحديدية قد تعرضت للتخريب، وذلك مما قد يجر عليهم متاعب لايعلم مداها إلا الله تعالى إذا ما أرادوا الرحلة إلى أوطانهم، وثانيا: من الواجب عليهم أن يستجيبوا نداء العصر ويلبوا حاجته، ويكون لهم نصيب فيما يجري في البلاد، وعليه يجب ترخيص الطلاب بأعجل ما يمكن. كل ذلك حمل المسؤولين على استجابة طلب الطلاب على أن يقدّموا الاختبارات في مدة أقصاها 25/ذي الحجة، وتم تأجيل الامتحانات السنوية وترخيص الطلاب بالرحلة إلى بلادهم.

*  *  *

الهوامش:

(1)      مولانا حبيب الرحمن خان الشرواني المعروف بنواب صدر يار جنك (1283-1370هـ): ولد بقرية «بهكين فور» من أعمال «علي كره»، ونشأ بها، كان تلوح عليه علائم الرشد والسعادة في صغر سنه، فاشتغل بالعلم أيامًا وقرأ العلوم المتعارفة، وتعلم اللغة الإنكليزية في مدرسة العلوم بـ«علي كره»، وأقبل إلى الإنشاء والشعر، ثم إلى العلوم الشرعية، وجمع الكتب النفيسة من كل علم وفن وأكثرها خطية نادرة الوجود، وصنف الكتب، وله مكارم وفضائل، وحسن خلق، واشتغال بالعلوم والعبادات، والقيام بوظائف الطاعات، وقضاء حوائج المحتاجين، والسعي في إصلاح المسلمين، قلما يقر على القيام به غيره. ثم اختار الله سبحانه له الصدارة في بلاد الدكن الإسلامية، فترك الأهل والوطن ابتغاء لوجه الله سبحانه في خدمة المملكة الإسلامية، تقبل الله منه وأيده فيما أراد من الخيرات، وعين وزيرًا للأمور الدينية، والأوقاف الإسلامية، وأحيل إلى المعاش حوالي 1348هـ. للاستزادة من ترجمته راجع: نزهة الخواطر8/1208-1209.

(2)      الشيخ شمس الحق الأفغاني (1318-...هـ/1901-...م): ولد في عائلة علمية، وبدأ دراسته على والده واستكمل العلوم في مختلف المدارس في منطقة سرحد وبيشاور، ليلتحق بدار العلوم/ ديوبند فتخرج فيها عام 1339هـ، عرف بشغفه بالعلم وانصرافه إليه منذ زمن التحصيل الدراسي، وبزَّ أقرانه وقام بالتدريس في عدة مدارس واستدعته «دارالعلوم» للتدريس عام 1354هـ فدرس بها التفسير وترجمة القرآن الكريم، وعاد إلى «باكستان» عام 1366هـ = 1947م حين تقسيم البلاد إلى باكستان والهند، له عدة آثار نافعة منها: «علوم القرآن، وأحكام القرآن، ومفردات القرآن، ومشكلات القرآن، وشرح على تفسير البيضاوي، الإسلام دين الفطرة، ومعين القضاة والمفتين، ولقيت هذه الآثار قبولًا واسعًا بين الأوساط العلمية. للاستزادة من ترجمته راجع: تاريخ دارالعلوم/ديوبند 2/123-124. [المترجم]

(3)      تضمنت هذه الكلمة القيمة التي ألقاها رئيس«دارالعلوم» تعليقا شافيا وافيا على العلم الحديث وحقيقة الإسلام، والعلاقة بين الإسلام والعلم الحديث، ومتطلباته في أسلوب علمي جذاب. فشرح موضوع العلم الحديث، وحدد نطاق بحثه، كما شرح العناصر الأربعة وخصائصها المتضادة، و دَرَسَ ما بين مختلف ميزاتها وآثارها من الفروق وأسبابها دراسة استقرائية، ولم يفته- رئيس «دارالعلوم»- أن يحدد منشأ القوة وتفاوت درجاتها بالإضافة إلى مناقشة القوة الإنسانية واستعدادها واستيلائها على القوة المادية مناقشةً خلبت الأفئدة واسترعت الأنظار وذلك في ضوء أثر صحيح. كما شرح أن القوى الإنسانية مصدرها الروح، واستدل – بأسلوب لطيف رائع- على الروحانية والإلهيات والذات الإلهية، وصفات البارئ تعالى. كما شرح – شرحًا فلسفيًا- معيار كمال القوى الروحية، وأصول فضائل النفس الإنسانية، ومظاهر الأخلاق والخصال الروحية، وما يمتاز به الأخلاق الروحية عن المادية والنسبة بين الحكمة الإسلامية والمادية، وأضرار المادية المحضة، و الحقيقة التي يدعو إليها الإسلام، وكيف يهوى الإنسان في مكان بعيد عن الحقائق الإنسانية والإلهية حين يتخذ المادية المحضة هدفه الوحيد؟ ولاتسأل عن مدى استساغة هذه المباحث الدقيقة وخلابتها بما تضمنت خطبته من الأسلوب الخلاب والتمثيلات الرائعة.(رضوي)

(4)      ومن النكات التي يجدر الإشارة إليها هنا أن هذا المؤتمر رأسه الشيخ المقرئ محمد طيب دون شيخ الإسلام حسين أحمد المدني، وزارالشيخ طيب الشيخَ المدني في سجن «مرادآباد» فقال الشيخ المدني للسجان - وهو يشير إلى الشيخ طيب-: «ها هو ذا الذي رأس المؤتمر المحظور الذي اعتقلتموني لأجله، وهو يمسح الأرض غيرهياب ولا وجل، وزججتم بي – أنا الشيب – في السجن. فقال الشيخ محمد طيب: «ها أنا معك في السجن ياشيخ».

*  *  *



(*)      أستاذ التفسير واللغة العربية وآدابها بالجامعة.