ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، جمادى الأولى 1437 هـ = فبراير – مارس 2016م ، العدد : 5 ، السنة : 40

 

كلمة العدد

 

حقوق الإنسان بين الدعايات الغربية الجوفاء

والمشهد العملي للإسلام

 

 

 

 

        لم ولن يُعْنَىٰ أيُّ ديانة على وجه الأرض العنايةَ التي عناها الإسلام بالإنسان؛ حيث اهتم به قبل أن يوجد وبعد أن يوجد، وكان اهتمامه به شاملًا متكاملًا على قدر تكريمه له وانطلاقًا من رسالته التي تُقَرِّرُ أنّ الإنسان لم يُخْلَقْ عبثًا، وإنما خُلِقَ ليُؤَدِّيَ الدور الذي ناطه الله به دون غيره من خَلقِه، وهو خلافة الله في الأرض، قال تَعَالَىٰ: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً» (البقرة/30).

     وخلافتُه عن الله تَعَالَىٰ تُؤَكِّد قيمتَه وأهميتَه، ومكانتَه التي لا تُدْرَك من قبل سائر الكائنات، وتفضيلَه عليها جميعًا. قال تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بِنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنٰهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنٰهُمْ مِنَ الطَّيِّبٰتِ وَفَضَّلْنٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» (الإسراء/70).

     ولكي يُؤَدِّيَ الإنسان الدورَ المنوطَ به في الخلافة وعمارة الأرض، لابدّ له من أن يعمل ويتحرك في الحياة وفق ما رَسَمَه له من القوانين وما أراده له من الاستقامة، ولا يزيغَ عن ذلك قِيدَ شعرة، حتى يتأهّل لأداء المسؤولية التي أُسْنِدَتْ إليه.

     وبذلك فإن البشرية لم تعرف في مسيرتها الطويلة ديانةً أو حضارةً رفعت قدرَ الإنسان لهذا المستوى سوى ديانة الإسلام، رغم أن الكوكب الأرضي ماج بكثرة النظم والمعتقدات والحضارات والرسالات؛ حيث وَضَعَتْ له شريعةُ الإسلام سلوكيّات وقيمًا تُسْعِده حيًّا وميتا، وتُسَاعِدُه على عمارة الكون وأداء خلافته عن الله على الأرض.

     ومن تكريم الله للإنسان أنه تعالى خلق الأشياء كلها لأجله، وخلقه لعبادته وحده، فلا بدّ أن يظلّ معترفًا بنعمته، ومؤمنًا بربوبيته، وشاكرًا لعطائه. قال تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمٰوٰتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيْعًا مِّنْهُ» (الجاثية/13).

        وقال عَزَّ وجَلَّ: «اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ    وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ  وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهٰرَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَءَاتَـٰكُمْ مِّنْ كُلِّ مَا سَألْتُمُوُهُ ج وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَآ  إِنَّ الإِنْسٰنَ لَظَلُوْمٌ كَفَّارٌ» (إبراهيم/ 32-34)

     ومن المعلوم أنّ الحقوق التي كَفَلَها الإسلامُ للإنسان، حقوقٌ شاملة متكاملة، لو نَفَّذَها العالم البشري بحذافيرها، لم يكن هناك أيّ مجال لما يُشَاهَدُ من امتهان لكرامة الإنسان ودوس لقيمه ومثله. إنّ البشرية إنّما تاهت وضاعت، وهامت على وجهها، وحُرِمَتْ كثيرًا من حقائق الكرامة التي كانت قد حَظِيَتْ بها من عند الله عندما انحرفت عن الصراط المستقيم، وابتعدت عن تعاليم الإسلام السمحة، فصارت تذوق الذل والهوان، والظلم والاعتداء، وغمط الحقوق، وفقدان الأمن والسلام، والخوف بأنواعه غير المعدودة.

     عندما يرى الإنسان اليوم في الدنيا كلها من فتن كقِطَع الليل المُظْلِمَة، وحروب طاحنة، ودمار شامل، وقتل فردي وجماعي، وظلم لاحدود له، واغتيال وتدمير في كل مكان، وتشريد وتجويع لانهاية لهما، يتذكر عفويًّا ما قاله النبي – صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه النعمان بن بشير عنه –صلى الله عليه وسلم-: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم اسْتَهَموا على سفينة، فأصاب بعضُهم أعلاها، وبعضُهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا اسْتَقَوْا من الماء، مَرُّوا على مَنْ فوقَهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نُؤْذِ مَنْ فوقَنا، فإنّ يتركوا هم وما أرادوا، هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا ونَجُوا جميعًا» (صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب: هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، رقم الحديث: 2493).

     أجل، صار العالم البشري اليوم مثل سفينة محدقة بالعواصف الهوجاء، تتقاذفها الأمواج العاتية والرياح الشديدة القاسية، وينتظرها الهلاك المحتم والغرق الأكيد بين ساعات معدودات، ولا يعصمها من ذلك إلّا رحمةُ الله إذا عاد ركابها إلى أوامر ربّهم وأقلعوا عن عصيانه، وتمسكوا من جديد بأحكامه التي سنّها لنجاة الإنسانية من شقاء الدنيا والآخرة.

     وكأن لسان الحال يدعو الإنسانَ اليومَ إلى التسارع إلى الاعتصام بسفينة النجاة التي هي شريعة الإسلام السمحة العادلة التي أَقَرَّتْ بقيمة الإنسان، ودَلَّتْه على سبيل النجاة والخلاص من خسران الدنيا والآخرة. قال تعالى:

     «وَأَنَّ هٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيْلِهِ ج ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (الأنعام/153).

     إن النبيّ الخاتم سيدنا محمدًا –صلى الله عليه وسلم- وضع منذ ما يقرب من 15 قرنًا الميثاق المتكامل لحقوق الإنسان، بينما لم يعرفها العالم منذ ما قبل الثورة الفرنسيّة التي كانت نقطة بداية انطلقت منها كل ديانة ومنظمة تُرَكِّز على حقوق الإنسان، وتنادي بالحفاظ عليها، رغم أن أتباعها ظَلُّوا يتصرفون بكل ما يتنافى مع أدنى المبادئ التي تحافظ على حقوق الإنسان.

     إن رسول الإسلام –صلى الله عليه وسلم- وَضَعَ ميثاق حقوق الإنسان ببنوده المتكاملة الشاملة عندما لم يعرف عباقرة القانون أبجدياته، وسيظل ذلك قائمًا إلى يوم القيامة تَحَدِّيًا صارحًا لجميع جهابذة الفلاسفة وأرباب النظريات المبتكرة. إن هذا الميثاق الجامع المانع تَجَلَّتْ فيه عدالةُ الله خالق السماوات والأرضين وبارئ النسمة والإنسان، ويتضح الفرق بينه وبين الميثاق الحقوقي الذي وَضَعَه من هُمْ عبيد الأهواء والشهوات والغرائز الإنسانية، والمصالح الشخصية، والأغراض المادية، والنظرات القاصرة.

     في حجة الوداع على أرض عرفات أصدر الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم- وأعلن ميثاقه نحو حقوق الإنسان، ووعاه الزمان والمكان ليوم يرث الله الأرض ومن عليها، وكان دستورَ الحياة السامي النبيل الذي حفظ للأبد للبشرية كرامتها. خاطب به الرسول –صلى الله عليه وسلم- كل من معه من الصحابة ومَنْ بعدهم من الأجيال البشرية المتلاحقة ليوم القيامة، فقال:

     «أيّها الناسُ: اِسمعوا منّي أُبَيِّنْ لكم، لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.

     «أيّهاالناسُ: إنّ دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم، إلى أن تَلْقَوْا ربَّكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا. ألا! هل بَلَّغْتُ. اللّهم فاشهد.

     «أيّها الناسُ: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ألا! لا فضلَ لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلّا بالتقوى» (السيرة النبوية لابن هشام، ج2، ص603، ط: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي و أولاده بمصر).

     إنّ هذه الحقوق التي أعلن النبي –صلى الله عليه وسلم- ميثاقها في هذا اليوم المشهود وأكده طَوَالَ حياته بسلوكه وتعليماته تضمنت وباستيعاب كامل جميعَ الحقوق التي يُنَادِي بها الناسُ وأكثر منها بكثير، وبصدق وفي إطار التنفيذ العملي الذي عمل به النبي –صلى الله عليه وسلم- وصحبُه على أرض الواقع، وشهدت عيونُ السماء والأرض خيرات ذلك وبركاته. أما أبناء الدنيا هؤلاء المنادون بحقوق الإنسان في إطار الدعاوي العريضة والأقاويل الفارغة، فإن العالم لم يَجْنِ من قِبَلهم إلّا الشقاء والحرمان والخيبة والخسران؛ لأنهم في ذلك صدروا عن أهوائهم وأغراضهم الرخيصة الخسيسة؛ ولأن الإنسان مهما كان ذكيًّا لن يتوصّل إلى ما يتوصّل ربّ السماوات والأرض الذي هو أعلم بأحوال العباد وحاجاتهم وما يُسْعِدُهم وما يُشْقِيهم.

     إن دين الله الإسلام يمتاز عن غيره من الأديان والأنظمة؛ حيث تعهد حقوق الإنسان بالرعاية قبل أن يوجد، وفي جميع مراحل حياته، وبعد وفاته كذلك. إن الإسلام رعاه جنينًا قبل أن يولد، فأوجب الحفاظ على حقه في الحياة، وحَرَّم الاعتداء عليه، وأوجب في قتله الديةَ إن نزل حيًّا ثم مات، كما أوجب عقوبة ماليّةً إن نزل ميتًا بسبب الاعتداء عليه. وأجمع الفقها على حرمة إجهاضه بعد نفخ الروح فيه. وربما يحدث أن حياة الجنين قد تضرّ بحياة الأم، فأمر الإسلام بالاهتمام بأمر الأم الحامل، وضمن لها الرعاية الصحية والعناية الطبية. والدليلُ الجليُّ على ذلك أنه أذن لها أن تفطر في شهر رمضان إذا كانت تخاف على نفسها أو على وليدها، ورخص لها أن تقضي صيامَ رمضانَ في غيره.

     كما أنّ الإسلام فرض النفقة للزوجة على الزوج، ولا سيّما للحامل، حتى ولو انفصلت عن الزوج بطلاق. قال الله عز وجل «وَإِنْ كُنَّ أُوْلٰتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ج فَإِنْ أَرْضِعْنَ لَكُمْ فَأَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأتمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُٓ أُخْرَىٰ» (الطلاق/6).

     ورعاية الإسلام للطفل شملت ولد الزنا كذلك، حيث نظر إليه نظرة تقدير سامية؛ لأنه لم يكن له ذنب فيما فعلت أمه، فضمن له حق الحياة. وفي قصة الغامدية ما يُغْنِي عن كل شرح وبيان. روى جرير:

     «أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال للمرأة الغامدية التي أتت ليُطَهِّرها من الزنا وهي حامل: ارجعي حتى تضعي ما في بطنك. فلما وضعت أتت إليه –صلى الله عليه وسلم- ليقيم عليها الحدّ، فقال: إذًا لا نرجمها، وندع ولدها ليس له من ترضعه. فتكفل رجل من الأنصار بإرضاعه. فرجمها –صلى الله عليه وسلم- (صحيح مسلم، رقم الحديث:1695).

     وبعد الولادة اهتم الإسلام بانتسابه إلى أبيه. وفي قوله تعالى: «وَعَلَى الْـمَوْلُودِ لَهُ رَزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْـمَعْرُوفِ ج» (البقرة/233) إشارة جلية إلى حق الطفل في الانتساب إلى أبيه، ودليل واضح مؤكد على أنه مختص بالانتساب إليه دون غيره من الناس. وأكّد هذا الحقَّ قوله –صلى الله عليه وسلم-: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»(صحيح البخاري، باب «الولد للفراش حرة كانت أو أمة» رقم الحديث:6749).

     وتاكيدًا على هذا الحق أي حق انتساب المولود إلى أبيه دون غيره، حَذَّر الرسول –صلى الله عليه وسلم- الآباءَ من إنكارهم لنسب أولادهم، فقال: «أَيُّما امرأة أدخلتْ على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جَنَّتَه؛ وأيما رجل جحد ولَده وهو ينظر إليه، احتجب الله منه، وفَضَحَه على رؤوس الخلائق في الأولين والآخرين» (المستدرك على الصحيحين للحاكم برقم 2814).

     وكان من تكريم الإسلام للطفل وإقراره لحقه استحبابه حلقَ رأسه والتصدق بوزن شعره فضة، وأمره بختانه وتسميته في اليوم السابع من الولادة، ففي الحديث فيما رواه البغوي أن النبي –صلى الله عليه وسلم- أمر السيدة فاطمة – رضي الله عنها – يوم سابعة حين يُحْلَقَ شعره أن يُتَصَدَّق بزنة شعره»(شرح السنة برقم 2819). وقد أمر النبي –صلى الله عليه وسلم- بانتقاء أسماء الأولاد، وإحسانها، قائلًا: «إنك تُدْعَوْنَ يومَ القيامة بأسمائكم وبأسماء آبائكم فأَحْسِنُوا أسماءَكم» (رواه أحمد 21693، وأبوداود 4948، وابن حبان 5818، وأبونعيم في الحلية 5/152، والبيهقي في السنن الكبرى 19308 عن أبي الدرداء).

     ومن الحقوق المؤكدة للطفل حقُّ الرضاعة العائد على الأبوين، فقال تعالى: «وَالْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلٰدَهُنَّ حَولَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ج وَعَلَى الْـمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْـمَعْرُوفِ ج لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ج لَا تُضَآرَّ وٰلِدَةٌ م بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ج» البقرة/233).

     ورغم الضجّة الإعلامية التي تَتَّخِذ اليوم حقوقَ الإنسان مادة دسمة لها، لم ينل الإنسان في ظل غير الإسلام إلّا البؤس والشقاء والضياع، والإسلام هو الذي ضمن له كلّ الحقوق التي حفظت عليه كرامته، بما فيها حق الحرّية والمساواة، وحق الصلاح والسعادة، وحق النظافة والتجميل، وحق العبادة والاتصال بالله تعالى، وحق الأخوة والتضامن والتآخي والتكافل والتعاون.

     أكّد الإسلام بكل قوانينه وشرائعه أن الله خالق الإنسان منحه الحريةَ، فهو حرٌّ في التعبير عن رؤاه وأفكاره، وفي احتضان ما يراه صالحًا لنفسه وللمجتمع حوله، ولا يجوز لأحد أن يصادر حريته هذه. وللإنسان حقٌّ طبيعي أن يحصل على حقه في الحرية بشرط أن لايضرّ بها غيره، وله حقٌّ أن يتمتع بما سخره الله للمجموعة البشرية، فلا يجوز لأمة من الأمم على وجه الأرض أن تسيطر وحدها على الموارد الطبيعية ويحرمها غيرَها، ولا يجوز لها أن تستحوذ على ما ترفع به مستوى معيشتها في الوقت الذي تحتاج غيرها من الأمم والشعوب أن تسدّ رمقها.

     إن الحرية والمساواة من حقوق الإنسان الأصيلة اللازمة التي أكّد عليها الإسلام كثيرًا وبأساليب شتى؛ لأنهما هما اللذان يقفان سدًّا منيعًا دون مظاهر الظلم والاستغلال، وبالتالي يؤديان إلى الأمن والسلام والاستقرار.

     ورفع الإسلام مكانة الإنسان وكرامته حين ضمن له حقَّ الصلاح والسعادة، وكفل له جميع العناصر المادية والمعنوية التي تجعله يتكامل شكلًا ومعنى؛ فلم يفرض عليه من العبادات ما يُرْبِي فقط روحه ومعنويته، ويُهْمِل بدنه وجسمه، كماصنعت بعض الأديان التي ضلت عن هداية الله وصراطه المستقيم، ولم يترك حبله على غاربه فيما يتعلق بإشباع الغرائز، بل اعترف بكل من روحه وجسده، وفرض عليه من العبادات ما يُصَفِّي روحه من الشوائب الماديّة، ويبعدها عن مواطن المهلكات؛ ولكن الإسلام لم يوجب على الإنسان أن يحرم على نفسه متطلبات جسمه وغرائز بدنه، مادام متقيدًا في ذلك بالإطار العامّ الذي وَضَعَه للحياة الفردية والجماعية. فقال تعالى:

     «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيٓ أَخْرَجَ لِعَبَادِهِ والطَّيِّبَـٰتِ مِنَ الرِّزْقِ ج قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيٰمَةِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (الأعراف/32).

     وقال: يٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبٰتِ مَآ أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوْآ ج إِنَّ اللهَ لاَيُحِبُّ الْـمُعْتَدِيْنَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلٰلًا طَيِّبًا ج وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُوْنَ» (المائدة/87-88).

     وقال تعالى:

     «وَمِنْ ءَايٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوٰجًا لِتَسْكُنُوآ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ج إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَأَيٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُوْنَ» (الروم/21).

     إن الإسلام فرض عليه ما من شأنه أن يُصْلِحه جسميًّا وروحيًّا، فلم يحرمه ما يكمله بالنسبة إلى البدن، ولم يثقله من العبادات ما يُعَذِّبه. قال الله تعالى: «مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجٍ وَلٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوْنَ» (المائدة/6).

     وقد فَصَّلَ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ذلك، فقال: «إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًّا، فأَعْطِ كلَّ ذي حق حقَّه» (صحيح البخاري برقم 1968).

     اهتم الإسلام بالجانب المادي في الإنسان، فأمره بابتغاء الطيبات من الرزق، ونهاه عن كل شيء يضرّه جسميًّا، فحَرَّمَ عليه جميع أنواع المُسْكِرات والمُخَدِّرَات، حتى لا يعود عاجزًا عن القيام بمتطلبات الحياة.

     واهتم بالجانب الروحي فيه، ففرض عليه أنواعًا من العبادات، منها الصلاة والصيام، والزكاة والحج، ودعاه إلى التقيد بما يقوي صلته بربّه، فرغّبه كثيرًا في الذكر والتضرع، والخشية والإنابة، والبر والإحسان، والدعاء والتوكل، والخوف والرجاء، وما إلى ذلك من الأعمال والأحوال التي تبنيه إنسانًا يحبه الله وخلقه، ويسعد بها في الدنيا والآخرة.

     ولكي يُكمل الإسلام شخصيته عقليًّا وفكريًّا، وبالتالي يستخدمها في الاهتمام بجانب الآخرة الذي هو الأوجب له وهو المقتضى الأساسي من وراء خلقه، أمره بالنظر في ملكوت السماوات والأرض، كما حَرَّضَه على الاعتبار من ما آل إليه أمر الأمم الخاليه التي طغت على أومر الله، ودعاه إلى التزود بالعلم والمعرفة وكسب الخبرات والتجارب الحياتية، حتى يتأهل لممارسة الحياة بشكل يفي بجميع مقتضيات عناصر وجوده.

     قال تعالى: «أَفَلَمْ يَنْظُرُوٓا إِلَى السَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنٰهَا وزَيَّنَّـٰهَا وَمَالَهَا مِنْ فُرُوجٍ» (ق/6).

     وقال: «أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ» (الغاشية/17-20).

     وقال: «وَهُوَ الَّذِيٓ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّـٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ  انْظُرُوآ إِلَىٰ ثَمَرِهِٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِٓ ج إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيٰتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (الأنعام/٩٩).

     وذلك كله يؤكد أن الإسلام ينظر إلى كيان الإنسان نظرة شامله، ولا يهمل جانبًا على حساب جانب آخر؛ لأنه يصدر في الاهتمام بالإنسان عن تقديره الكامل للمهمة التي من أجلها خُلِقَ.

     إن دعوة الإسلام إلى الاهتمام بحقوق الإنسان، لم تكن دعاية مجردة، وأنباء تنشر، وشعار يُتَّخَذ للسيطرة على عقول الشعوب، كماهو الحال اليوم في الشرق والغرب وعلى الساحة الدوليّة؛ بل إنها كانت شرعًا إلهيًّا يجب على كل مسلم الالتزام به وتنفيذه على الحياة والمجتمع، وكان مبدءًا سماويًّا يجب الإذعان له والتلبس به على المستوى الفردي والجماعي.

     ولذلك تَكَوَّن لدى المسلمين الصادقين الشعورُ بالأخوّة والتعاون، والتعاطف والتراحم، والتكافل والتضامن، واحترام الجانب الإنساني في الإنسان أيًّا كان، وعمّ وتجذّر في مجتمعهم الابتعاد عن كل ما يمتهن كرامة الإنسان. فقال تعالى:

     «إِنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (الحجرات/10).

     وكثرت بينهم واطّردت المشاركة المتبادلة في الأفراح والأحزان، والإيثار والتضحية، والمواساة وتفريج الكرب، والتحاشي عن الظلم بكل أشكاله.

     قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-:

     «مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تَدَاعَىٰ له سائر الجسد بالسهر والحمى» (صحيح مسلم برقم 2586).

     وقال:

     «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولايسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فَرَّجَ عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (صحيح البخاري برقم 2442).

     إنّ ما صنعه الإسلام عمليًّا تجاه حقوق الإنسان ورعايته لم ولن يصل إليه العالم أبد الدهر، لأنه يستند فقط إلى الدعايات الكاذبة والشعارات الجوفاء.

 

(تحريرًا في الساعة 11:30 من ضحى يوم الاثنين: 16/ربيع الأول 1437هـ  = 28/ديسمبر 2015م)

نور عالم خليل الأميني

nooralamamini@gmail.com