ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، جمادى الأولى 1437 هـ = فبراير – مارس 2016م ، العدد : 5 ، السنة : 40

 

دراسات إسلامية

 

من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند

(الحلقة 36)

بقلم: الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي -رحمه اللّه-

(المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

 

 

السيد عثمان ووف- مندوب صيني- يزرو «دارالعلوم»

     قرر الاتحاد الإسلامي الصيني الوطني للإنقاذ (Islamic national salvation federation of china) التعرف على المؤسسات الإسلامية الهندية، فأرسل مندوبه السيد عثمان ووف. فقام السيد ووف خلال جولته هذه بزيارة «دارالعلوم» في 25/شعبان. ودرس أوضاعها الإدارية والتعليمية وما تتصف به من تنسيق جيد بين مختلف أقسامها وشعبها ونحو ذلك دراسةً متأنيةً وسُرَّ سرورًا عظيمًا مما رآى فيها وشاهد، وأعرب عن انطباعاته قائلا: «مما يشرفني أن تتاح لي هذه الفرصة لزيارة «دارالعلوم»، قد تجول بي الشيخ محمد طيب في مختلف مرافقها، فأشكر له شكرًا جزيلًا على  ذلك. وهذه المؤسسة مؤسسة دينية بحتة، من الممكن أن نطلق عليها «أزهر الشرق»، و من واجب المسلم في هذه البلاد وفي غيرها أن يحافظ على «أزهر الشرق» هذا، لتستديم الثقافة الإسلامية في الشرق على أحسن ما يرام».

عام 1362هـ، وتداعيات أوضاع البلاد على «دارالعلوم»:

     تناقص عدد الطلاب كثيرًا في عام1362هـ عما كان عليه في السنوات السابقة. فإن حركة أغسطس عام1942م عم تأثيرها مناطق البلاد كلها في قليل أوكثيرٍ، وعاد التنقل والسفر محفوفا بالأخطار من جراء تعرض خطط السكة الحديدية للتخريب، وشهدت منطقة «بنغال» و«بيهار» فوضى عارمة على وجه خاص، وغلا السعرغلاءً فاحشًا، وعم القلق السياسي والفوضى البلاد، و كادت منطقة «بنغال» تلفظ نفسها الأخير من جراء الجدب والفقر، فصعب على طلاب «بنغال» وغيرها من المناطق الشاسعة الخروج من بيوتهم، فتناقص عدد طلبة «بنغال»- التي كان طلابها يتوجه إلى «دارالعلوم» كل عام بشكل هائل- في هذه السنة.

     وكانت البلاد تشهد فتنةً عارمةً في جانب، وفي جانب آخر ظهر توتر شديد وخلاف حاد بين أهل الحل والعقد في «دارالعلوم» من جراء اختلاف وجهات أنظارهم السياسية التي أدت إلى استقالة الرئيس العام وخمسة من أساتذتها. كما ستأتي تفاصيله لاحقًا. كما اعتزل ستون من طلاب «دارالعلوم» المناصرين لهم. وتم ملأُ وظائف الأساتذة الشاغرة على الفور مما وقى «دارالعلوم» تغيرا غير عادي في نظامها.

اعتزال العلامة العثماني:

     ولي العلامة العثماني (ت1369هـ 1989م)  عام 1354هـ الرئاسة العامة لـ«دارالعلوم»، فنُقلت إليه اختصاصات رئيس «دارالعلوم» فيما يخص الحفاظ على مذهب «دارالعلوم»، إلا أن الشؤون الإدارية كان يقوم بها في واقع الأمر رئيسُ «دارالعلوم»، إذ كان الرئيس العام يمكث في ديوبند قليلًا، فإنه كان يتولى رئاسة هيئة التدريس بمدرسة «دابيل» فكان يقضي معظم أيام السنة بها، وكانت الأمور والمسؤوليات كلها تقع على عاتق رئيس «دارالعلوم». وأثبت التجارب الطويلة الأمد السابقة أن رئيس «دارالعلوم» هو الذي يدير دفة الشؤون الإدارية في الواقع، فهلا يتمتع هو بكافة الاختصاصات والصلاحيات المتاحة. وكان هذا التساءل محل نظر وبحث إذ كان الرئيس يعاني الصعوبات في القيام بالواجبات والمسؤوليات الملقاة على عاتقه؛ فقد كان مسؤولًا أمام المجلس الاستشاري عن استكمال شؤون كافة الأقسام والمكاتب الإدارية. وكان الدستور الأساسي يقضي بإناطة المسؤوليات الإدارية بالرئيس. فقام المجلس الاستشاري في ذي الحجة عام1361هـ - مراعيًا للمطلبات الطبعية للأوضاع الطارئة- بنقل كافة الاختصاصات و الصلاحيات إلى الرئيس. وبناءً على هذا القرار أصبح الرئيس العام مشرفًا دستوريًا على الجامعة، وانقطعت صلته عن الشؤون الإدارية. وذلك حين كان يرى الغالبية الساحقة من الطلبة والأساتذة والموظفين بـ«دارالعلوم» نظرًا إلى الأوضاع التي كان يمر بها البلاد- المساهمة في سياسة البلاد والإدلاء بدلوهم فيها من الواجبات ومتطلبات العصر. وكان العلامة العثماني يرى مساهمة «دارالعلوم» وموظفيها العملية في السياسة الهندية ضارة لها؛ لأنها- «دارالعلوم»- مؤسسة تعليمية ولأسباب أخرى دفعته إلى اتخاذ هذا الموقف. فكان يذهب إلى وجوب اعتزال «دارالعلوم»- ككل- عن السياسة العملية. وتصاعدت حدة هذا التوتر حتى أصبح الفريقان يحول بينهما عدم التعاون والتناصر.

     والسنة المتبعة في المؤسسات الدرستورية أن الرئيس العام حين يجد نفسه في مثل هذه الظروف والأوضاع- عاجزةً عن إدارة سياسة من السياسات؛ فإنه يُؤْثِر الاستقالة منها والاعتزال، وذلك خشية أن يجر اللاتعاون إلى مغبات وخيمة من الازدواجية في الموقف. وانطلاقًا من التدبر والموقف المنطقي قدم العلامة العثماني استقالته واعتزل «دارالعلوم»، وتبعه من الأساتذة كل من الشيخ محمد إبراهيم البلياوي(1) والمفتي محمد شفيع(1314-1396هـ/1896-1976م)، والشيخ ظهورأحمد واثنان آخران من الأساتذة بجانب ستين من الطلبة في فكرته هذه وموقف ذاك. إلا أن مساعي رئيس «دارالعلوم» أثمرت في إقناع كل من الشيخ إبراهيم البلياوي والشيخ ظهور أحمد فرجعا إلى «دارالعلوم».

عام 1363هـ ، وإطلاق سراح شيخ الإسلام حسين أحمد المدني:

     يعتبر عام1361هـ/1942م في السياسة الهندية عامًا هائجًا بالاضطرابات والفتن العارمة، فقد زج بقيادات البلاد صغيرها و كبيرها في السجون، وسبق أن قلنا: إن شيخ الإسلام حسين أحمد المدني- (1296- 1377هـ/1879-1957م)   تم اعتقاله في العشر الأول من شهر جمادى الأولى من عام 1361هـ، بين «ديوبند» و «سهارن فور» وهو على جناح السفر. وأطلق سراحه في 14/رمضان من عام1363هـ من غير كفالة. فقدم الشيخ ديوبند في 14/رمضان المبارك، حيث تجمعت آلاف من أصحابه وأتباعه في المحطة، وشهدت المدينة يومئذ حشودا لم تشهدها في تاريخها. وعقدت حفلة ترحيب به بعد صلاة العشاء في الجامع عقب صلاة التراويح، وقدمت له قصائد التهنئة والتبريك من بينها قصيدة فارسية من نسج قريحة رئيس «دارالعلوم»، وتطرقت القصيدة إلى الاضطهاد الذي يمارسه الإنجليز في البلاد وقالت: «لن يريحنا إلا استقلال الهند والعالم الإسلامي، ولن نتخلى عن هذه المسؤولية، وستستمر حرب الاستقلال ما لم يتحقق هدفنا هذا».

عام 1364هـ، وتدشين قسم تحسين الخط والإملاء:

     وفي غنًى عن البيان ما للخط والإملاء من عظيم الصلة بالقراءة. فإن صلته بالعلم عميقة وطيدة، وعليه قالوا: الخط نصف العلم. وكانت المدارس العربية تعوزها العنايةُ اللائقة بالخط والإملاء. وأما «دارالعلوم» فقد بلغت عنايتها بالخط والإملاء أن خصصت أرقامًا إضافية لأوراق الإجابة في الاختبارات فيما إذا كانت حسنة الخط جميلة الإملاء. ولم يكن ثمة قسم برأسه يعتني بتحسين خط الطلاب وإملائهم. وإنما كان يرجع ذلك إلى مذاق الطالب وجهوده. وكان معظم الطلاب خطهم سيئا للغاية. وتفاديًا من هذا النقص قاموا بتدشين قسم تحسين الخط والإملاء في «دارالعلوم» في هذا العام. وألزموا الطلاب تحسين خطهم. ونشط هذا القسم في تحسين خط الطلاب وتدريبهم على خط النسخ والخط الفارسي. وبجانب تمرينهم على تحسين الخط كان القسم يهتم بتعليم الطلاب الراغبين في البراعة في الخط والإملاء بصفته فنًا من الفنون فيخرجون خطاطين بارعين. وبذلك كان القسم معوانًا للطلاب على كسب عيشهم ويوفر لهم مصدرًا من الرزق الحسن الكريم.

عام 1365هـ، ونشأة دارالصنائع-قسم الحرف والمهن-:

     مما لايخفى على أحدٍ أن التعليم والتدريس والدعوة والإرشاد والقيادة الدينية وإن كانت أبوابها مفتوحة على خريجي «دارالعلوم» إلا أن كسب العيش قد ضاق عليهم مصادرها في الأيام الراهنة، وأدركت «دارالعلوم» ذلك ورأت من الواجب عليها توفير مصادر العيش والرزق عليهم في مستقبل حياتهم. وذلك ليعيشوا- بعد التخرج منها- حياة فيها الطمانينة والراحة و الغنى عما في أيدي الناس. وجاء تدشين قسم تحسين الخط هادفًا إلى تحقيق هذا الغرض بجانب تحسين الخط. وجزى الله تعالىٰ الشيخ عبدالغفور البخاري- إمام مسجد «دارالعلوم» يومئذ، والمهاجر فيما بعد إلى المدينة المنورة وبها توفي- فلقد لعبت مساعيه المخلصة وعونه في إنشاء هذا القسم. وبدأ القسم نشاطاته بالتدريب على تجليد الكتب. والشيخ عبد الغفور من سكان «بخارى»، وله أعمال واسعة من التجليد في مدينة «مومبائي». وله تمكن كبير من هذا العمل. رغب في طلب العلوم الشرعية زمن إقامته في «مومبائي» واختار «دارالعلوم» لتحقيق أهدافه النبيلة. و وقف ما كان يملكه من آلات الطبع وماكيناته وما إلى ذلك على «دارالعلوم». واستخدمت آلاته الموقوفة هذه في بداية نشاطات قسم الحرف والصنائع اليدوية بنشاطات التجليد، ولم يكتف الشيخ بذلك وإنما عرض خدمته لهذا القسم من غير مقابل يتقاضاه منه، ووفر بذلك كوادر تقوم على تمرين الطلاب على أعمال التجليد.

     وتبع ذلك تعليم المهن والحرف الأخرى في دارالصنائع في فترات مختلفة.

عام1366هـ، ومساعدات المتضررين

في ولاية «بيهار»،ومنطقة «كره مكتيشر»:

     لم يكد تطلع شمس الحرية والاستقلال في سماء الهند حتى اندلعت نار الاضطرابات الطائفية في ولاية «بيهار»، ومنطقة «كره مكتيشر»- بمديرية «ميروت»- وقامت القيامة على الأقليات بأيدي الأكثرية الساحقة من الهندوس. وملئ الذين نجوا بنفوسهم من الاضطرابات خوفًا ورعبًا جعلهم غير راضين بالبقاء والسكنى في بيوتهم في المستقبل. ولاشك أن مساعي «غاندي» في ذلك  ستظل محفورة في جبين التاريخ للأبد؛ فإن جولاته لولاية «بيهار» عملت عمل الترياق في اللديغ. ولازالت الحاجة قائمة إلى أن يقوم المسلمون أنفسهم بطمأنة إخوانهم المتضررين وإقناعهم بلزوم جانب الثقة بالنفس، وتعليمهم الصبر والاستقلال في مثل هذه الظروف بجانب بذل المساعي التي تضمن عدم تكرر مثل هذه المأساة وسد الثغرات بصفة أخلاقية. فقامت «دارالعلوم» بإرسال البعثات والوفود إلى هذه المناطق التي أثمرت ثمراتها المرجوة. ورضي كثير من المسلمين الذين عزموا على الهجرة من ديارهم- بالبقاء والاستمرار فيها كما عاد من هجروها إلى بيوتهم بعد ما استتب الأمن وعادت المياه إلى مجاريها.

     وشهدت «كره مكتيشر» مأساة مماثلة، فزارها وفد بعثه «دارالعلوم»، وعمل على صيانة وإعادة بناء وتنظيف المساجد والبيوت التي تعرضت للتخريب والنهب بمساعدات من الحكومة، كما سعى الوفد الجامعي في دفن الشهداء واستتباب الأمن في المنطقة؛ كل ذلك بهمة عالية وجهود مضنية وتحرق على الدين وأهله، وبالتالي زال خوف المسلمين ورضوا بالعودة إلى بيوتهم والنزول فيها.

إنشاء «صندوق الادخار»( Provident Fund)

     إن رواتب أساتذة «دارالعلوم» وموظفيها ظلت ضئيلة جدًا بالنظرإلى الخدمات التي يقومون بها، وبالتالي لم تكن تغطي هذه الرواتب حاجاتهم وحاجات عوائلهم إلا بشق النفس. كما يستحيل عليهم أن يدخروا شيئا منها. غير أن الحاجات الإنسانية لاتقوم على الإيثار والتضحية. فكانوا يلاقون الألاقي حين يتعرضون لأوضاع طارئة، وكان من أصابه الكبر منهم فتقاعد لأجله أو لأسباب أخرى لايجد أدنى مسكة مالية يتمسك بها في حياته المستقبلية، ولقد مرت أمام ناظري أحداث مولمة أمثالها فوجدت بعضهم ظل يعمل في «دارالعلوم» حتى أتاه اليقين ثم لم يجد من خلفه مكنة مالية يستطيع بها إعداد كفنه ونفقات إيوائه إلى مثواه الأخير. وربما يصاب الموظف بمرض مزمن فلايجد حيلة إلى العلاج والمداواة. وحملت التجارب المتواصلة وطلبات من موظفي «دارالعلوم» على إنشاء صندوق الادخار (Provident Fund) بالنظر إلى الأوضاع والمتطلبات الإنسانية اللازمة. ليكون لهم عونا على ما يواجهونه من الحاجات اللازمة أو عند التقاعد عنها دون معاناة يلقونها. وأثبت المجلس الاستشاري بـ(Provident Fund) بهذه المناسبة نصحها ومواساتها لموظفيها باللفتة الحانية إلى طلبهم. وقرر خصم جزء من راتب كل موظف ثابت بمعدل 6% وأن تقوم «دارالعلوم» بزيادة مثلها فيها. وتُدفَعُ هذه المبالغ المدخرة في صندوق الادخار إلى الموظف حين تقاعده كما كان يحق له أن يستقرض ثلثي مبالغ صندوق الادخار خلال فترة عمله إذا ما واجه حاجة تدفعه إلى الاستقراض. ويتم خصمه من راتبه بمعدل 5% كل شهر.

*  *  *

الهوامش:

(1)      محمد إبراهيم البلياوي (1304-1387هـ/1887-1968م): ولد في «بليا» من ولاية «أترابراديش»، الهند في عائلة علمية تلقى مبادئ العلم في «جون فور» وتخرج في دارالعلوم/ديوبند عام1327هـ، وتنقل في عدة مدارس مدرسًا وأستاذًا للمواد الدينية وتعين مدرسًا في دارا لعلوم/ديوبند عام 1344هـ، وتخرج عليه مالا يحصى من كبار العلماء والدعاة.له «رسالة المصافحة» ورسالة التراويح، ورسالة أنوار الحكمة- بالفارسية-، و «ضياء الفهوم حاشية على سلم العلوم»، وبدأ يعمل حاشية على سنن الترمذي إلا أن المنية أعجلته فلم يستكملها. للاستزادة من ترجمته راجع: تاريخ دارالعلوم/ديوبند 2/103-105[المترجم]

*  *  *

 



(*)      أستاذ التفسير واللغة العربية وآدابها بالجامعة.