ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، رجب 1437 هـ = أبريل – مايو 2016م ، العدد : 7 ، السنة : 40

 

دراسات إسلامية

 

من مذكرات طالب أحسائي في الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند

بقلم: الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الملا رحمه الله

 

 

الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الملا من مواليد عام 1335هـ وأحد رواد العلم والثقافة بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية سافر إلى الهند حيث تلقى تعليمه الأولي والثانوي، ثم التحق بجامعة دارالعلوم بمدينة (ديوبند) لدراسة علم النحو والصرف والفقه والحديث والتفسير وعلوم البلاغة، ويعتبر من أوائل من حصل على شهادة جامعية في المملكة، وأوائل المدرسين الوطنيين في مدرسة الهفوف الأولى التي تأسست عام 1358هـ. ويعد الشيخ عبد الله أول من أسس مكتبة في «الأحساء» عام 1367هـ هي مكتبة التعاون والثقافة. نقتبس من مذكراته شيئًا من قصة دراسته في دارالعلوم/ديوبند ، لينتفع به عاشقو العلم والمعرفة ويكون نبراسًا لهم وهاديًا ودليلًا على إرادة الرواد الأوائل وسعيهم الدؤوب للتزود بالعلم.    [مساعد التحرير]

 

     «بدأت أول دراستي في طلب العلم على بعض الفضلاء من علماء «الأحساء»، منهم الشيخ عبدالعزيز بن عمر بن العكاس وهو أكثرهم في ملازمتي له واستفادتي منه، والشيخ أحمد بن الشيخ عبداللطيف الملا، والشيخ عبدالعزيز بن صالح العلجي، والشيخ أحمد العلي العرفج، والشيخ عبدالعزيز العبيدالله - غفر الله لهم وأجزل ثوابهم-.

بداية الرحلة

     ثم سافرت إلى الهند وعمري سبع عشرة سنة في أول شهر شوال عام 1353هـ لإكمال دراستي هناك، وكان السبب لاختيار الهند هو أنه قدم إلى «الأحساء» عالم فاضل من علماء الهند قاصدًا «الحجاز» لأداء فريضة الحج وسكن فترة من الزمن في رباط الشيخ أبي بكر الملا، وكنت أنا قد اتخذت حجرة في الرباط للمذاكرة وكنت على اتصال بهذا العالم، ويدعى الشيخ محمد حسين الدهلوي، وكنت أناقشه وأستفيد منه في بعض المسائل التي واجهتني أثناء دراستي والتي استعصى علي فهمها فهمًا عقليًا، لا سيما المسائل التي لها علاقة بعلم المنطق، فنصحني هذا العالم الجليل - جزاه الله عني أفضل الجزاء - بالسفر إلى الهند لتلقي العلوم هناك في جامعاتها، وخص جامعة «دار العلوم» في مدينة «ديوبند» بعد أن أعطاني فكرةً واضحةً عن الدراسة هناك ثم اقترح علي أن أبعث رسالةً إلى مدير الجامعة تتضمن جميع الأسئلة التي تهمني معرفتها والإجابة عنها، وأكد لي أن مديرها سيرسل الجواب وأعطاني عنوان الجامعة، كما أعطاني عنوانه في مدينة «دلهي»، وطلب مني زيارته في حالة سفري إلى هناك، وكنت قبل قدوم هذا الشيخ الهندي أفكر في السفر إلى الحجاز لتلقي العلم هناك، ولكن هذا الشيخ شجعني على السفر إلى الهند وجعلني أتقبل نصيحته.

     وقد كتبت الرسالة وضمنتها كل ما يهمني معرفته وأعطيتها الشيخ أبا بكر الملا - رحمه الله - ليرسلها إلى محلات العجاجي بالبحرين لترسل بالبريد من هناك إلى الهند، وليرسل الجواب عن طريق بريد «البحرين» بواسطة هذا المكتب وبعد مضي عشرين يومًا تقريبًا وصلتني الرسالة الجوابية من مدير الجامعة، وهي تتضمن الإجابة عن جميع الأسئلة، كما تتضمن ترحيبًا حارًا بقبولي في الجامعة، مما شجعني لتوطيد العزم على الرحلة إلى الهند.

     وقبل سفري إلى «البحرين» بعثت رسالة إلى صديق لي في «مومباي» هو الأخ عبدالله بن محمد الشعوان، وكان زميلًا لي في الدراسة عند الشيخ عبدالعزيز العلجي، وقد سافر إلى «مومباي» قبل سفري، وكان قد بعث لي رسالةً من هناك وأخبرني عن عنوانه ومقره، وقد أخبرته في رسالتي عن عزمي على التوجه إلى الهند للدراسة هناك.

باخرة

     ثم توجهت إلى البحرين في آخر شهر رمضان المبارك عام 1353هـ ولم يوجد في «البحرين» حينذاك رحلات جوية إلى «الهند»، فتقرر السفر في الباخرة في أوائل شهر شوال ولم أتذكر بالضبط اليوم الذي سافرت فيه الباخرة من البحرين؛ ولكن في الأغلب في أوائل شهر شوال 1353هـ وقد طلب مني وأشار علي بعض الإخوان في «البحرين» أن أؤجل السفر حتى أجد لي رفيقًا في السفر، ولكني صممت على أن أسافر في أول باخرة تغادر «البحرين» بعد رمضان مهما كانت الصعوبات؛ لأن فتح الجامعة وبدء الدراسة في أول شهر ذي القعدة، وكنت كما يقول الشاعر العربي:

     ومن تكن العلياء همة نفسه

                      فكل الذي يلقاه فيها محبب

     وقد استعنت في البحرين عند سفري برجل من أهل المبرز بـ«الأحساء»، كان مقيمًا في «البحرين» عند السيد أحمد بن عبدالرحمن الهاشم إمام مسجد سوق الطواويش نائبًا عن والده السيد عبدالرحمن، وكان ذلك الشخص له خبرة طويلة في السفر بالبواخر، وطلبت منه أن يساعدني ويحضر لي ما يحتاج له المسافر، وأن يرافقني في طريقي إلى الباخرة، ويختار لي المكان المناسب فيها وقد قام بالواجب حتى ودعني، وبعدما فارقني ورجع بنصف ساعة تقريبًا انطلق من الباخرة صوت قوي إيذانًا بالإبحار، وتحركت الباخرة فوقفت في مؤخرتها أنظر إلى ميناء «البحرين» ومبانيها، ولما تذكرت فراق الأهل والأصحاب شعرت بالكآبة والحزن ومرارة الفراق، فجلست أمام أمتعتي وأخرجت كتابًا من صندوق عندي لأتسلى بالقراءة فيه، وبينما كنت أطالع في الكتاب إذ أقبل رجل عربي من ركاب الباخرة ووقف أمامي وسلم علي وصافحني وقال لي: «الشيخ منصور بن حرز يدعوك إلى مكانه»، فذهبت معه إلى مكان الشيخ منصور، وهو ليس بعيدًا عن المكان الذي أنا فيه، ولما وصلت إلى محله قام ورحب بي ترحيبًا حارًا وأجلسني قريبًا منه، وبدأ يسالني عن بلدي «الأحساء»، ثم تبادلنا أطراف الحديث في الشعر والأدب، وكانت لديه مجموعة من الكتب مما يدل على أنه طالب علم وأديب، والشيخ منصور متصف بكثير من الأخلاق الفاضلة، وهو يمارس تجارة اللؤلؤ ويشتريه من الغواصين في البحرين ويسوقه في الهند، ويرافقه في السفر كمساعد له شخص اسمه عبدالوهاب الجمعان من سكان «المحرق»، وقد طلب مني أن أنتقل إلى محله، ولكني اعتذرت منه وشكرته وقلت له: «إن المحل الذي أنا فيه قريب منكم وسأقضي سائر أوقاتي معكم ما عدا وقت النوم»، وكان جل أوقاتي في هذه الرحلة أقضيه معهم في قراءة الكتب ومناقشة بعض الموضوعات. والحقيقة أنني أنست وشعرت بالراحة التامة مع هؤلاء الرفقة الطيبين مما جعل هذه الرحلة الطويلة التي كانت ثلاثة عشر يومًا تمر وكأنها يوم وليلة، وهذا من فضل الله سبحانه- وتوفيقه. وكانت هذه الباخرة ترسو وتمكث بضع ساعات في كل ميناء من موانئ الخليج العربي لتفرغ بعض البضائع التجارية من حمولتها، وكان في فترة إقامتها في الميناء يقام في وسط الباخرة من الداخل سوق تعرض فيه الفواكه والخضراوات وبعض المأكولات الشهية من إنتاج ذلك البلد، وكنا نتجول في كل سوق ونشتري ما نحتاج إليه. ولما وصلنا إلى ميناء مدينة «كراتشي» وهي أول مدينة من مدن الهند قبل استقلال باكستان عنها، وليس بعد هذا الميناء إلا ميناء مدينة «مومباي» وكان الوقت صباحًا وكانت الباخرة تمكث في هذا الميناء عادة يومًا كاملًا، والباخرة رست في هذا الميناء ملاصقة للرصيف بحيث ينزل المسافرون في الميناء مباشرة دون واسطة الزوارق التي تنقل المسافرين عادة من الباخرة إلى الميناء وكان بعض المسافرين ينزلون في «كراجي» للفسحة والتجول في المدينة إلى وقت العصر، وكان الشيخ منصور قد أراد أن ينزل مع رفيقه وطلب مني أن أرافقهم لقضاء بعض الوقت فوافقت، ولكني أخبرته أني أرغب في الاتصال من «كراجي» إلى «مومباي» لأخبر أحد أصدقائي هناك بقدومي وهو الأخ عبدالله الشعوان - وهو الذي أشرت إليه في أول هذه الرحلة - كي يستقبلني في ميناء مومباي، وليس لدي سوى عنوانه في الرسالة التي بعثها إلي في «الأحساء»، ويمكن أن أبعث له برقية من «كراجي» على هذا العنوان. فقال الشيخ منصور: «إذا كان الغرض من الاتصال هو ما ذكرت فهذا شيء لا أوافق عليه، ولا يمكن؛ لأنه عندنا مكان خاص في «مومباي»، وستكون معنا حتى تسافر إلى الجامعة، وبالنسبة لجماعتك أهل الأحساء، فأنا أعرف الحارة التي يسكنون فيها، وسأذهب معك لزيارتهم»، فقلت له: «أنا أشكرك ولكني أعرف إخواننا أهالي الأحساء.. سوف لايقبلون إلا أن أسكن عندهم، ولكني أوافق أن يكون أول نزولي في مومباي عندك»، فقال: أنا أسمح بذلك، والآن ننزل في «كراجي»، فنزلت معهم وتجولنا في بعض المحلات وذهبنا إلى حديقة هناك وتناولنا الغداء في أحد المطاعم ثم رجعنا إلى الباخرة.

عروس الهند

     وقد غادرت الباخرة ميناء «كراجي» ليلا، وفي عصر اليوم الثاني رست الباخرة في ميناء «مومباي»، وكانت في هذا الميناء بعيدة عن الرصيف، وكان الركاب ينزلون في الزوارق البخارية الصغيرة لقد كان شهر شوال من كل عام يعتبر موسمًا لتسويق اللؤلؤ في مدينة «مومباي» الهندية، وكان بعض أثرياء «أوروبا» يفدون إلى «مومباي» لهذا الغرض وقد كانت «مومباي» في ذلك العهد - أي عهد الاستعمار البريطاني - تسمى عروس الهند، فكانت المباني الفخمة ونظافة الشوارع وتنظيم السير والمرور؛ لأنها تعتبر أكبر مركز تجارة في الهند، وكانت غاصة بالسكان وكان تجار اللؤلؤ في البحرين يتجهون إلى مومباي في هذا الموسم لتسويقه، وكان بعض العرب المقيمين في «مومباي» وغيرهم ممن يجيد اللغة الإنكليزية والهندية يمارسون السمسرة ليكونوا وسطاء بين الباعة من أهل البحرين والأجانب من الغربيين وكانوا يراقبون أي باخرة تقدم من «البحرين» إلى «مومباي» في هذا الموسم.

     وكان ممن يمارس هذه المهنة من أهالي «الأحساء» علي الماجد وكانت المفاجأة والصدفة بالنسبة لي هي أن أول زورق يأتي من ميناء «مومباي» إلى الباخرة ليحمل المسافرين، فيه جماعة من هؤلاء السماسرة وكان من بينهم الأخ علي الماجد وهو لا يعرفني إلا من زميله عبدالله الشعوان، وما أن أبصراني في الباخرة حتى وثبا إلي وعانقاني وسألا عن عفشي فتصدى لهم الشيخ منصور وقال: هذا سيكون ضيفي ولا أسمح لكم بأخذه! فقالوا له: لا تجادل ولا يعقل هذا، وأخبرنا عن عنوانك في «مومباي» وسيزورك إن شاء الله، وأخذاني إلى الزورق، وبعد أن نزلنا على رصيف الميناء أخذا عربة وركبنا فيها - وكان في ذلك العهد الركوب في العربات أشرف من السيارات - إلى سكن الأخ علي الماجد، ولما علم إخواننا من أهل «الأحساء» وأهل «الكويت» بوصولي قدموا للسلام علي، وفي مقدمتهم الشيخ أحمد بن محمد الجغيمان - إمام أحد المساجد هناك- والسيد عبدالله بن هاشم الهاشم، وقد طلب الشيخ أحمد الجغيمان من الأخ علي الماجد أن تكون إقامتي عنده وألح في ذلك، ولكن الأخ علي رفض، وقد أنست بالجماعة كلهم، ورأيت منهم كل حفاوة وتكريم، وقد مكثت في «مومباي» أسبوعًا تقريبا. وكأني أعيش في وطني بين أهلي وعشيرتي. أما الأخ علي الماجد فهو شاب مثقف وطني مخلص، تلقى علومه في إحدى المدارس العصرية التي أنشأتها الحكومة البريطانية في «مومباي»، وأتقن اللغة الإنكليزية، وكان - جزاه الله عني أفضل الجزاء - مشجعًا لي مهتمًا بموضوع سفري من «مومباي» إلى الجامعة اهتمامًا كبيرًا، فقد ذهب إلى محطة القطار واشترى كتيبًا صغيرًا يسمى دليل القطارات يوضح فيه أسماء المدن، وأسماء المحلات التي يقف فيها ومدة الوقوف، والمدن التي يبدل فيها القطار، والمسافات والأجور، والدليل مكتوب باللغتين الهندية والإنكليزية. وقد لاحظ الأخ علي أن مدينة «ديوبند» التي فيها الجامعة بعيدة، وفي قلب الهند وأنه يوجد قطار من «مومباي» إلى «ديوبند»، وأن بعض القطارات تبدل في المحطات الكبيرة مثل مدينة «دلهي» وغيرها، والانتقال من قطار إلى قطار بالنسبة لي - وأنا لا أفهم اللغة- صعب جدا، إلا إذا وجد رفيق معي مسافر إلى ذلك البلد، ولكن الأخ علي الماجد له معارف من الهنود، فكان يسأل عن جامعة «دارالعلوم» وعما إذا كان يجد رفيقًا لي في السفر إلى هناك؟

     فأخبروه بأنه يوجد فرع لدارالعلوم لا يبعد عن «مومباي» أكثر من 150ميلًا يسمى الجامعة الاسلامية، ولهذا الفرع مكتب في «مومباي»، ويوجد فيه مندوب أو وكيل لهذه الجامعة، وأخبروه عن عنوانه، فذهب إلى هذا المكتب وشرح له الموضوع فوصف له المندوب موقع الجامعة الإسلامية وأخبره أن فيها نخبة من كبار علماء ديوبند، ومن أساتذة دارالعلوم، وقال المندوب: إنه سيتوجه بعد أربعة أيام إلى بلده وهي مجاورة للجامعة ومستعد لأن يصحبني برفقته ويوصلني إلى الجامعة فاتفق الأخ علي معه على الموعد المحدد للحضور في محطة القطار وكنت - نظرًا لهذه الظروف الصعبة في الذهاب إلى دار العلوم - قررت أن أقضي هذه السنة دراستي من الجامعة الإسلامية ثم بعدها أتوجه إلى دار العلوم، وفي الموعد المقرر للسفر من «مومباي» ذهبت مع الأخ علي وبعض الأصحاب إلى محطة القطار، والتقينا بالمندوب وسافرت برفقته، واستمرت الرحلة في حدود ثلاث ساعات، وبعد وصول القطار المحطة نزلنا، وأخذ المندوب سيارة أجرة، وبعد أن وصلنا إلى باب الجامعة وقفت السيارة، واستدعى المندوب أحد الموظفين وتوجه إلى بلدته وهي لا تبعد عن الجامعة في السيارة أكثر من عشر دقائق.

     وقد ذهبت مع الشخص الذي استدعاه المندوب إلى المسؤول عن شؤون الطلاب الجدد، وقد رحب بي بكل تقدير واحترام فسجل اسمي وأعطى المرافق معي إشعارًا إلى المسؤول عن السكن وغيره، وقد ذهب معنا هذا المسؤول إلى الحجرة التي أسكن فيها مع زميل هندي، وكانت الجامعة تقوم بجميع المصاريف من السكن والطعام والكتب المقرر تدريسها وغيرها. وفي اليوم التالي ذهبت مع أحد الطلاب إلى المسؤول عن اختبارات الطلاب الجدد لتقرير الكتب والعلوم المناسبة على ضوء مؤهلاتهم. وقد رحب بي وسألني عن بلادي والكتب التي درستها في بلادي، ولم يناقشني في شيء منها، وكان يكلمني بكل لطف وأدب وتقدير.

     ثم أعطاني إشعارًا إلى دارالكتب لاستلام الكتب التي أحتاج اليها، كما أعطاني جدولًا بمواعيد الحضور وأسماء الأساتذة الذين يقومون بتدريس هذه الكتب. والعلوم التي حصل لي مشاركة فيها من هذه العلوم: من علوم العربية: علم النحو والصرف وعلوم البلاغة. ومن العلوم الدينية: الفقه وأصول الفقه وعلم المنطق.

     وكان من أبرز العلماء الذين تعرفت عليهم في هذه الجامعة وكان لي بهم اتصال وصداقة خارج الدوام، ودراسة خارج الدوام، لما رأيته منهما من عطف ورعاية: هما العلامة الشيخ محمد بدر عالم، والشيخ محمد يوسف البنوري غفر الله لهما وجزاهما عني أفضل الجزاء.

     وهناك في الجامعة التقيت بأحد الطلاب وكان ينوي السفر إلى دار العلوم فكان لي رفيقًا في السفر وتوجهنا بالقطار إلى ديوبند، وقد استغرقت الرحلة من الجامعة الإسلامية إلى دار العلوم حوالي يوم وليلة؛ لأن القطار يقف في عدة مدن وكانت أكبر مدينة من هذه المدن: مدينة «دهلي» فقد نزلنا من القطار إلى قطار آخر يتجه إلى مدينة «ديوبند» التي فيها دار العلوم. و«دهلي» ملتقى السكك الحديدية حيث تستبدل فيها القطارات وتزود بالوقود.

     وبعد ركوبنا في القطار الآخر توجهنا إلى «ديوبند» والمسافة لاتزيد على ثلاث ساعات تقريبًا، وبعد وصولنا المحطة أخذنا عربة إلى دارالعلوم، وموقع الجامعة في وسط البلد، والجامعة كبيرة، وهي تعج بالطلاب؛ لأنها تعتبر أكبر جامعة في الهند، وفيها من جميع الأجناس: من الهند والسند وأفغانستان وإندونيسيا وغيرها ولم أجد فيها إلا عربيًا واحدًا من العراق.

ترحيب

     وبعد وصولي إلى الجامعة راجعت المكتب الخاص بشؤون الطلبة المستجدين للحصول على السكن وبعض الإجراءات اللازمة، وقد لاحظت أنهم يولون الطالب العربي اهتمامًا وتقديرًا خاصًا وبعد حصولي على السكن توجهت إلى مكتب المدير للسلام عليه، فرحب بي ترحيبًا حارًا ثم أطلعته على رسالتهم التي وصلتني في بلادي من الجامعة، وهي الرسالة الجوابية لرسالتي التي بعثتها للجامعة للاستفسار عن منهج الدراسة وعن أمور أخرى، فسر بذلك وتحدث كثيرًا وشجعني على مواصلة الدراسة، وأظهر استعداده لأي طلب، وأراد أن أخبره عن أي مضايقات أحس بها، فشكرته وودعته ومدير الجامعة هذا اسمه الشيخ محمد طيب، وهو عالم فاضل متصف بالتواضع وكثير من الأخلاق الفاضلة. ثم إني وجدت مضايقة، فقد كان السكن غير مريح فهو عبارة عن حجرة كبيرة يسكنها ثلاثة من الطلاب، وكل واحد من منطقة وتختلف لغاتهم، فنصحني طالب من أهل ديوبند بأن أقدم رسالة للمدير لاستبدال هذا السكن وكانت العادة في هذه الجامعة أن اتصال الطلاب بمدير الجامعة يتم عن طريق الكتابة، فالطلبات والشكاوى وغيرها توضع في رسائل وتوضع في صناديق تشبه صناديق البريد ويجلس أصحابها في صالة كبيرة أمام مكتب المدير في انتظار دعوة المدير بين الآونة والأخرى وهناك موظف خاص ينقلها من الصناديق إلى مكتب المدير. فكتبت رسالة إلى مدير الجامعة، فقال لي المدير: أنا مستعد أن أخذ لك سكنًا بالإيجار؛ ولكني أخشى ألا ترتاح خارج الجامعة، ولكن لو تصبر أبحث لك عن محل مريح، وكان السكن في الجامعة الإسلامية التي كنت فيها سابقًا نظيفًا، وكل الحجرات التي فيها في طابق واحد، ولا يسكن فيها أكثر من اثنين؛ لأن الجامعة جديدة وحديثة العهد.

     أما دارالعلوم فإنها بالنظر إلى قدمها ليست بمستوى تلك الجامعة ولذلك فقد ضايقني السكن فالحجرات ليست على هيئة واحدة بل فيها الصغير وفيها الكبير.

قاعات التدريس

     وبعد يومين تقريبًا استدعاني المدير وقال لي: لقد حصلنا لك على حجرة داخل الجامعة لا يسكنها إلا طالب واحد من أهل «دهلي» من أسرة كريمة، وهو شخص مهذب الأخلاق وسيتخرج من الجامعة في آخر هذا العام، وينوي بعد تخرجه السفر إلى مصر للتخصص في اللغة العربية في الأزهر الشريف، وسيكون مرتاحًا بوجودك معه في السكن، وسيساعدك في الدراسة وستكون مسرورًا منه، فشكرت مدير الجامعة على ما شملني من عطفه ورعايته الكريمة فجزاه الله عني أفضل الجزاء، ثم نقلت عفشي من السكن السابق إلى السكن الجديد. وفي الواقع إن هذا السكن مريح جدًا ومفروش بأثاث ممتاز من قبل الشخص الدهلوي، وهذا الشخص كما ذكر لي المدير رجل مثالي في الأخلاق وكرم النفس. والحقيقة أنه بعد انتقالي شعرت بالراحة التامة، ويسمى هذا الزميل مولوي محمد إدريس الدهلوي، وقد ساعدني في تحضير الكتب المقررة والتعرف على بعض الأساتذة مما جعلني أحظى ببعض الدروس الخاصة من بعض الأساتذة خارج الدوام، وكان له صديق حميم ممن يسكن في هذا البلد وهو طالب في هذه الجامعة، وكان دائمًا معنا، ويزورنا في كل يوم، وكان يرافقنا عندما نرغب في التجول خارج الدوام في أطراف البلد وأسواقها وقد دعاني إلى منزله مع صديقنا الدهلوي عدة مرات، وهو أيضًا شخص مهذب ومتصف بكثير من الأخلاق الفاضلة. وبعد أن حصلت على الكتب المقررة بدأت في الدراسة، وكان من أبرز هذه الكتب المقررة: «تفسير الجلالين» و«مشكاة المصابيح» في الحديث و«شرح العقائد النسفية» في التوحيد، و«شرح الهداية» في الفقه الحنفي، و«شرح كافية ابن الحاجب» في علم النحو، و«مختصر المعاني شرح التلخيص» في علم البلاغة، و«شرح تهذيب المنطق».. والكتب كلها باللغة العربية، مطبوعة في الهند ومجلدة وكانت العادة المتبعة في الجامعات العربية في الهند أن توضع في قاعة التدريس طاولات مستطيلة مرتفعة قليلًا عن الأرض، وتوضع عليها كتب الطلاب وهم جلوس على الأرض، إذ ليس في قاعات التدريس كراسٍ بل تكون مفروشة بالسجاد، والكتب المقررة توزع مجانًا على الطلاب، وبعد الاستغناء عنها تسحب منهم، والجامعة تقوم بتكاليف المعيشة من السكن والطعام حيث تقدم للطالب وجبتين في اليوم: الغداء والعشاء. أما الفواكه والخضار وأنواع الأطعمة والخبز والحليب وغيرها فهي متوافرة وتباع بقيم زهيدة هناك.

     وكان علماء ديوبند ينتهجون منهج السلف الصالح في التواضع والتقوى والتقشف ومكارم الأخلاق، وقد دعاني مدير الجامعة الفاضل الشيخ محمد طيب في أول وصولي إلى منزله - أكرم الله مثواه وجزاه عني أفضل الجزاء - ثم إني واصلت الدراسة حتى شهر رجب عام 1356هـ ثم توجهت إلى «الأحساء» وباشرت العمل في التدريس عام 1357هـ ما ينيف على الثلاث سنين أي حتى عام 1360هـ ومن أبرز الطلبة الذين تخرجوا في ذلك العهد سمو الأمير محمد بن فهد الجلوي وحسن المشاري وفارس الحامد وعبدالمحسن المنقور وعبدالله بن عبدالرحمن الشعيبي والسيد إبراهيم بن السيد عبدالله الهاشم. وقد فضلت العمل الحر على أن يكون هذا العمل له صلة بالعلم والمعرفة(1).

* * *



(1)          جريدة الوطن الخميس الموافق 1/مايو 2003م العدد 10912، مقاله بعنوان «الشيخ عبد الله الملا أول من حصل على شهادة عليا من أبناء الأحساء» بقلم: الأمير محمد بن فهد بن جلوى (رحمه الله) http://www.alyaum.com/