ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، شعبان 1437 هـ = مايو – يونيو 2016م ، العدد : 8 ، السنة : 40

 

دراسات إسلامية

 

إكرام الشيوخ والمسنين

بقلم: الأستاذ أشرف عباس القاسمي (*)

 

 

 

من طبيعة الإنسان أنه يود أن يعيش عيشًا رغيدًا، موفورًا بالصحة والعافية، متمتعًا بالشباب والفتوة، قوي الجسم، سريعَ الفكر، ويتمنى أن يطول عمره ويدوم بقاؤه، لايعتريه شيب، ولا يعوقه هرم؛ ولكن سرعان مايزول شبابه ويطرؤه الكهولة، ثم يدركه الهرم الذي ينهك جسمه ويضني قواه، ويجعله في جليل وجلل مفتقرًا إلى من يساعده ويصبح عصاه في الكبر.

     هذا من فطرة الله التي فطر الناس عليها، ومن سنن الله التي لاتتغير ولاتتبدل. قال تعالى: ﴿واللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْد عِلْمٍ شَيْئًا [النحل:70].

     أي منكم من تعجل وفاته، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر.

     قال الآلوسي: «وأرذل العمر» أخسه وأحقره، وهو وقت الهرم الذي تنقص فيه القوى وتفسد الحواس ويكون حال الشخص فيه كحاله وقت الطفولة من ضعف العقل والقوة» [روح المعاني:7/575].

     وكل من تمتع بالشباب ولم يتعجل وفاته، يُنشب الشيب عليه أظفاره، وكلما يُسن يزداد ضعفه ويشتد هرمه، وهناك لاتنفع تمميمة ولايتيسر دواء يعيد إليه شبابه وحِدَّته، وعن أسامة بن شريك عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ياعبادالله، تداووا؛ فإن الله لم يضع دواءً إلاوضع له شفاءً إلا داءً واحدًا، فقالوا: يا رسول الله، وما هو؟ قال: «الهرم» [جامع الترمذي الحديث، رقم:2038].

     وقال الشعبي: «الشيب علة لايعاد منها ومصيبة لايعزى عليها» [المستطرف للأبشيهي 2/50 ط، بيروت]

     وقال أبو العتاهية:

عريت من الشباب وكنت غضًا

كما يعري مـن الورق  القضيبُ

ونُحت على الشباب بدمع عيني

فمــا نفـع البكاءُ ولا النحيـبُ

فيا ليت الشبابَ يعـــود يــومًا

فـأُخـــبره بمـا فعــل المشيبُ

     وقال الجاحظ:

أترجو أن  تكـون و أنت شيخ

كما قـد كنت في زمـن الشباب

لقد كذبتك نفسك ليس ثوب

دريس كالجــديـد مـن الثياب

[تاريخ بغداد للخطيب:12/219]

     دريس: الثوب الخلق «اللسان» (6/79)

     والشيب يؤدي إلى مفارقة الأحباب ومباعدة الأصحاب وقناعة الرقباء وطمانينة الأعداء، وقد عبر ابن النقيب عن هذا بأبدع تعبير حيث قال:

     وكم كان من عين علي وحافظ

                      وكم كان من واشٍ لها ورقيب

     فلما بدا شيبي اطمأنت قلوبهم

                      ولم يحفظوني و اكتفوا بمشيبي   

     فالذي بدا له الشيب ونضج ثمر حياته، يُحرم ما كان يُثريه الشباب بأنواع من الخيرات، ويفتقر إلى من يسعف بحاجاته، لا بحاجات مالية أو مادية فحسب؛ بل بحاجات نفسية ومعنوية كذلك.

     فالإسلام الذي هو دين شامل للحياة البشرية جمعاء، ويعطي كل ذي حق حقه؛ يأمرنا أن نبجل الكبار ونوقرهم، ونخفض أجنحتنا لهم ونصنع إليهم معروفا، فقد حذر النبي –صلى الله عليه وسلم- من عدم معرفة حق الكبير وترك توقيره، فقال: «ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير»(رواه أحمد: 27823).

     و في رواية: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا» (رواه الترمذي:1920)؛ بل أوصى النبي –صلى الله عليه وسلم- شبابَ وصغارَ المجتمع بإجلال و إكرام الكبار والمسنين وشباب اليوم هم شيوخ الغد واعتبر إجلالهم من إجلال الله تعالى؛ فعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «من إجلال الله تعالى إكرامَ ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرامَ ذي السلطان المقسط». (رَواه أبوداود: 4843) وحسّنه النووي في «رياض الصالحين» والذهبي في «ميزان الاعتدال» (4/565).

     وقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «ما أكرم شاب شيخًا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه» (رواه الترمذي: 2022).

     والعصر الذي نعيشه مليء بقضايا ومشكلات، منها: مشكلة حياة الشيوخ والمعمرين؛ فإنه أصبح من الظوهرالاجتماعية إهمال العناية بالمسنين وإساءة الأدب إليهم، وحُطوا عن منازلهم الرفيعة واعتُبروا كَلاًّ على أولادهم، و هم كبار السن الذين بلغوا مرحلة عمرية تحتاج إلى مزيد عناية وتوقير واحترام، ورحمة وشفقة، ورد الجميل والمجازاة بالإحسان؛ فإنهم الذين غذوا أولادهم، وربُّوهم، وربما لم تكتحل عيونهم بالنوم لأجل بكائهم طول الليل، وتحملوا متاعب ومشكلات لأجل راحتهم، ولكن إذا كبروا وأناخ عليهم الدهر، واحتاجوا إلى خدمتهم والعطف منهم. فهؤلاء الأولاد يشردونهم ويطردونهم إلى دُور العَجَزَة والمسنين التي كثرت في الدول الأجنبية؛ بل في الدول الإسلامية؛ حتى راجت وشاعت في بلادنا الهند كذلك. فإنه قد بلغ عدد دور المسنين إلى 728 دارًا. ويخطئ من يعتبرها حلاً عمليًا، إنما هي من العقوق والنكران بالجميل، سَل أحدًا من المسنين والعجَزة المعمرين؛ فإنه يفضل وجوده مع أبنائه وأسرته في بيت ضيق ألف مرة على مكثه في دار المسنين بأهنأعيش وأفسح مكان.

     دار العجزة - والله - إنها مأساة هذا العصر، ومكان يستنكره الجميع؛ فلماذا لانتفكر لحظة؟ أهذا من إجلال الشيوخ الذي أمرنا به أو من إهانتهم وإيذائهم النفسي، والحط من شأنهم والازدراء بهم، فلنعد إلى الإسلام من جديد، نعطي كبارنا حقهم من التوقير والتعجيل؛ ونقدم إلى العالم عطف الإسلام على المسنين والعجزة والمعذورين. ونعظمهم؛ لئلا نعض بنان الندم يوم نكون معمرين و يوم يقوم الناس لرب العالمين.

* * *



(*)          أستاذ بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند، الهند