ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، رمضان – شوال 1437 هـ = يونيو – أغسطس 2016م ، العدد : 9-10 ، السنة : 40

 

الفكر الإسلامي

 

إشراقــــة آيـــــة

بقلم : الشيخ الكبير المربي الجليل العلامة أشرف علي التهانوي

المعروف بـ "حكيم الأمة" المتوفى 1362هـ / 1943م

تعريب : أبو عائض القاسمي المباركفوري

 

 

 

        ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودٰتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة/183-184)

التفسير:

     ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأمم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي رجاء أن تكونوا أتقياء مع مرور الأيام بسبب الصيام(1). فإن الصيام يعوِّد المرءَ اجتناب كثيرٍ من متطلباتها، والرسوخ في هذه العبادة التي يقوم عليها بناء التقوى، فصوموا ﴿أَيَّامًا مَعْدُودٰتٍ المراد بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان كما سيأتي في الآية التالية ﴿فَمَنْ كَانَ أي ثم إنه تعالى خفف في ذلك حيث إن من كان ﴿مِنْكُمْ مَرِيضًا يصعب عليه الصيام أو يضره لو صام ﴿أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ شرعي؛ فإنه يرخص له الإفطار ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي فعليه أن يصوم مثل ما فاته من الصيام في رمضان بدلًا من رمضان (وَ) والرخصة الثانية التي نُسِخَت فيما بعد هي أن ﴿عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ أي يطيقون الصيام إلا أنهم لم يرغبوا في الصيام ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ أي فما عليهم إلا أن يؤدوا فدية الصوم وبدله وهي إطعام مسكين أو دفعه إليه ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا أي بأن زاد على القدر المذكور في الفدية برضًا وطواعية ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وأفضل(2) ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي وإن كنا رخصنا لكم في الإفطار في هاتين الحالتين إلا أن صيامكم أفضل ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما للصوم من فضل.

     فائدة: وأما فرض الصيام على النصارى من الأمم السابقة فقد ورد ذلك في حديث أخرجه ابن حنظلة، والنحاس، والطبراني عن مغفل بن حنظلة مرفوعًا «كان على النصارى صوم شهر رمضان فمرض ملكهم فقالوا: لئن شفاه الله تعالى لنزيدن عشرًا، ثم كان آخر فوجِعَ فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن سبعة، ثم كان عليهم ملك آخر فقال: ما ندع من هذه الثلاثة أيام شيئًا أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع ففعل فصارت خمسين يومًا». ذكره في روح المعاني.

     وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ) يشير إلى حكمة تم شرحها، ولكن لاتنحصر هذه الحكمة في ذلك، فلا يعلم ما فيه من آلاف الحكم إلا الله تعالى. فلا يسع أحدًا أن يقول: إننا في غنىً عن الصيام أو شهر رمضان إذا عُلِمتِ الحكمة وتم تحقيقها بطريق آخر؟ لأننا نقول: ربما تكون في الصيام حكمٌ وثمرات لا تتحقق بدون هذه القيود التي وضعها الشارع. فافهمه جيدًا.

وثمة مسائل في هذا المقام:

     مسألة: يجوز الإفطار لمرض يشق معه الصيام كثيرًا أو يضر ه المرض.

     مسألة: والسفر الشرعي عند الأحناف أن يخرج من منزله قاصدًا لمسافة ثلاث مراحل، فهو مسافر في الطريق، فإذا بلغ منزله ونوى الإقامة لمدة خمسة عشريومًا أو أكثر؛ لم يَعُدْ مسافرًا، ولو نوى الإقامة لمدة أقل من خمسة عشر يومًا؛ فإنه لايزال مسافرًا. فالمسافر - سفرًا شرعيًا - يرخص له الإفطار وإن أطاق الصيام، إلا أن الصوم في مثل هذه الحالة أفضل.

     مسألة: المريض والمسافر المذكوران إذا لم ينويا صيام ذلك اليوم، فإنه يباح لهما الإفطار، وأما إذا نوياه، فلا يجوز الإفطار من غير مشقة شديدة.

     مسألة: المريض والمسافر المذكوران يحصيان ما أفطرا فيه من الأيام، فإذا شفي المريض وعاد المسافر؛ فإنهما يصومان مثل ذلك بعد مضي شهر رمضان بنية القضاء. ولهما الخيار في مواصلة قضاء رمضان وتفريقه. فلو انتهى السفر وزال المرض والشهر شهر رمضان؛ فإنهما يصومان رمضان؛ فإذا انقضى رمضان يقضيان ما فَاتَهُما منه.

     مسألة: في أول الإسلام حين كان الغرض تعويد الناس الصيامَ كان الأمر بإباحة الإفطار ودفع الفدية لمن أطاق الصيام، إلا أن هذا الحكم تم نسخه. وأما الكبير الفاني والمريض الذي لايرجى برؤه، فإن هذا الحكم باقٍ في حقهما، فيطعمان ويشبعان مسكينًا واحدًا يومًا مكان كل يوم من الصيام، ويجوز إعطاء الحبوب. فيدفع نصف صاع من بر إلى مسكين واحد، فلو دفع إلى مسكينين منصفًا لم يجز، أو دفع إلى مسكين واحد يومًا واحدًا  فدية يومين لم يجز. فإن أطاق الصيام أو زال مرضه بعد أداء الفدية، قضى الصيام الذي دفع الفدية عنه، ويؤجر على هذه الفدية، وإن لم يَجُزْ عن الصيام الذي فاته. ومن لم يجد الفدية، فإنه يستغفر الله وينوي أداءها إذا استطاع.

مسائل السلوك:

     قوله: (إن ترك خيرًا) قال العبد الضعيف: في هذا التعبير أن ملك المال لاينافي التقوى الكامل مع أداء حقوقه. انتهى القول.

     قولـه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) إلى قوله: (لَعَلَّكُم تَتَّقُوْنَ) قال العبـــد الضعيف: فيه بيان ثمرة المجاهدة: ففيه مسألتان: إحداهما كون المجاهدة نافعـة، وثانيتهما: كون بيان ثمراتها مشروعًا كما يتفق للشيوخ إذا رأوا فيه مصلحة. انتهى القول.

اللغات:

     الجنف: مطلق الميل والمراد به: من غير قصد والقرينة مقابلة الإثم. والخوف بمعنى التوقع والعلم، وتحقيقه أن الخوف حالة تعتري عند الانقباض من شر متوقع، وهو قد يكون مظنونا لوقوعه وقد يكون معلوما فاستعمل فيهما. (روح المعاني)

     الصيام: كالصوم مصدر صام .(روح المعاني)

النحو:

     لما كان الوصية مصدرًا بالتاء جاز تذكير الضمائر الراجعة إليه وبالأَولى تذكير الفعل المنسوب إليه  قوله: (حَقّا) قال البيضاوي: مصدر مؤكد أي حق ذلك حقًا.

     قوله: (أَيَّامًا مَعْدُودٰتٍ) في روح المعاني: انتصاب (أياما) ليس بالصيام لوقوع الفصل بينهما بأجنبي؛ بل بمضمر دل هو عليه أعني «صوموا».

     قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرُ) أي فعليه صوم عدة أيام المرض والسفر من أيام أخر إن أفطر، وحذف الشرط والمضافان للعلم بها. (روح المعاني)

البلاغة:

     في روح المعاني: (خيرا) أي مالًا. ولعل اختياره إيذانًا بأنه ينبغي أن يكون الموصى به حلالًا طيبًا لا خبيثًا، يجب رده إلى أربابه ويأثم بالوصية فيه.

     قوله: (كَمَا كُتِبَ) فيه تأكيد للحكم وترغيب فيه وتطييب لأنفس المخاطبين؛ فإن الأمور الشاقة إذا عمت هانت.

     قوله: (أَيَّامًا مَعْدُودٰتٍ) قليلات؛ لأن القليل يسهل عده فيُعَدُّ، والكثير يؤخذ جزافًا.

     قوله: (عَلىٰ سَفَرٍ) راكب سفر مستعلٍ عليه متمكن منه بأن اشتغل به قبل الفجر ففيه إيماء إلى أن من سافر في أثناء اليوم لم يفطر، ولهذا المعنى أوثر على «مسافرًا». (روح المعاني)

اختلاف القراءة:

     قرأ نافع وابن عامر بإضافة «فدية» إلى «طعام»، وجمع المسكين، والإضافة حينئذ من إضافة الشيء إلى جنسه، كخاتم فضة؛ لأن طعام المسكين يكون فدية وغيرها وجمع المسكين؛ لأنه جمع في الذين يطيقونه، مقابلة الجمع بالجمع، ولم يجمع فدية؛ لأنها مصدر. (روح المعاني)

الروايات:

     وأخرج البخاري ومسلم و أبواداود والترمذي والنسائي والطبراني وآخرون عن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه- قال: لما نزلت هذه الآية (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) كان من شاء منا صام، ومن شاء أفطر ويفتدي، فعل ذلك حتى نزلت الآية التي بعدها فنسخها: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)

*  *  *

الهوامش:

(1)   أخذًا من روح المعاني أن يكون الفعل منزلًا منزلة اللازم أي لكي تصلوا بذلك إلى رتبة التقوى.

(2)   أخذًا للجزء الأول مصدرًا والثاني اسم تفضيل فيفيد الحمل بلامرية. كذا في روح المعاني .

*  *  *