ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، رمضان – شوال 1437 هـ = يونيو – أغسطس 2016م ، العدد : 9-10 ، السنة : 40

 

دراسات إسلامية

 

 

·       الاهتمام بالمتن ليس بأقل من العناية بالإسناد لدى الجهابذة (بقلم: الأستاذ محبوب فروغ أحمد القاسمي)

·       خطورَةُ التكبّر وعلاماتُه وأضرارُه ومعالجتُه  (بقلم: الأستاذ عبد الرؤوف خان الغزنوي الأفغاني)

·       إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ (بقلم:  الدكتور/ عبد الكريم بكّار)

 

 

الاهتمام بالمتن ليس بأقل من العناية بالإسناد لدى الجهابذة

بقلم: الأستاذ محبوب فروغ أحمد القاسمي (*)

 

 

 

     بعث الله سبحانه وتعالى محمدًا – صلى الله عليه وسلم-، بكتاب هُدىً للمتقين، وقال فيه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت/42).

     وظلّ النبي –صلى الله عليه وسلم- يُبَيِّن مشكلاته، ويُفصِّل مجملاته، ويُخصِّص عموماته؛ ويُقَيِّد إطلاقاته بإذن ربّه، وإيحائه وتعليمه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل/44). وقال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوٰى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحٰى﴾ (النجم/3) فصارت إطاعته واجبة، ومخالفته محذورة بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتٰكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَمَا نَهٰكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر/7)، وبقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور/٦٣)، فما صدر عنه –صلى الله عليه وسلم- أو ما أُضيفَ إليه، أُطْلِقَ عليه الحديث.

نُبْذة حول الإسناد

     فالحديث يُعتَبر مَصدرًا ثانيًا بَعد القرآن، والوحي غير المتلوّ مَنبعًا للأحكام، وأساسًا قويًّا لفهم القرآن لا، كما زعم الزاعمون، وضلّ المبطلون فخاضوا في غمرة التشكيك، والردّ، فقد قال الرسول –صلى الله عليه وسلم-: «ألا إني أُوتيتُ الكتاب ومثلَه مَعَه»(1) فلا يُمكن اكتمال فهم الإسلام بدون الحديث، كما لا يتصوّر أن يختلف، ويتناقض، ويتضادّ في نفس الأمر مع القرآن وإن كان بعض ذلك في بادئ النظر فَذَا مِن قصور فهمنا لاغير!.

     هذا هو السبب الرئيسي الذي دفع الصّحابة، ومَن بعدَهم مِن التابعين؛ ومَن تلاهم مِن أتباعهم إلى التّشمير عن ساق الجدّ، والعناية البالغة المنقطعة النظير بحفظ الأحاديث بكاملها، جيلًا بعد جِيل، حتى ظهرت الفتنة في خلافة عثمان رضي الله عنه التي سَبَّبت التمزّق، والانشقاق في كيان المُجتمَع الإسلامي؛ وظهورَ الأهواء السّياسِيّة ممّا أدّى إلى ظهور الكذب في الحديث المحذّر في حديث يرى العلماء تواتره:

     «مَن كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النّار»(2).

     نظرًا إلى خطورة ذلك بذل العلماء جُهودًا جَبّارة في تمحيص الحديث ونقده، وتمييز الطيّب من الخبيث، والصحيح من السقيم، وقد نجحوا في مهمتهم هذه إلى حدّ كبير.

     وفي مقدّمة هذه الجهود إقامة السلاسل الإسنادية، والسّؤال عن الرجال الذين وَصَل الحديث بواسطتهم: دينًا، وعدالة، ضبطًا وإتقانًا؛ اتصالًا وانقطاعًا، إلى غير ذلك من الأمور المهمّة التي يتطلبها نفس الهدف ممّا جَعل النّاس غيرَ مُبالين إلى كل قول يُنْسَب إلى قائله بدون تلك الوسائط كما جَعَلَهم مُعتَبِرين كلّ نصّ منقول بغير إسناد، غيرَ ذي قيمة في نسبة القول إلى قائله، ثمّ تتابع هذا العمل الجليل حتّى دُوِّنت الأحاديث في الكتب، وجُمِعت في الدواوين على نطاق واسع، وصارت مصونة بكل معانيها من إبطال المنتحلين، وتحريف الغالين، فقال ابن الصلاح: وصار معظم المقصود بما يتداول من الأسانيد فيما بعد خارجًا عن ذلك إبقاء سلسلة الإسناد، التي خُصّت بها هذه الأمة(3).

الحديث مجموع من الإسناد والمتن

     قد سبق آنفًا أن الجهود أكثرها تمثلت في العناية بالأسانيد، لذا لا يُتَصوّر في اصطلاح المحدّثين حديث إلّا هو جامع للإسناد، والمتن كليهما، وأمّا ما نرى بعض المصنفات التي بأيدينا محذوفة الإسناد، فقد أراد مصنفوها الاختصار، والتسهيل على الطلّاب، مَع أنّهم عَزَوا كل حديث إلى مَن خرّجَه مِن مُلْتزمي الأسانيد، فمن أرادها فعليه الرجوع إليها.

الاهتمام بالسند إنّما هو للاهتمام بالمتن

     بما أن الاهتمام بالسند لم يكن إلا للحفاظ على المتن، فالاهتمام بالسند مثل الاهتمام بالمتن، وإلّا فلا قيمة للإسناد مجرّدًا عن متنه، ولا ينفعنا «فلان عن فلان عن فلان» إذا لم يقرن به نصّ الكلام المنسوب إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-.

المتن يحتاج إلى أمور أخرى غير الإسناد

     بالإضافة إلى أن تصحيح الحديث وتضعيفه، وإن كان جلّ اعتمادهما على الأسانيد، ولكن لم ينحصر فيها، صرّح بذلك معظم العلماء، نذكر فيما يلي بعض النصوص التي تعكس هذا بوضوح:

     قال ابن الصّلاح في «علوم الحديث»: «ومتى قالوا: هذا حديث صحيح، فمعناه أنّه اتصل سنده مَع سائر الأوصاف المذكورة (في تعريف الصحيح)، وكذلك إذا قالوا في حديث: إنّه غير صحيح، فليس ذلك قطعًا بأنّه كذب في نفس الأمر، إذ قد يكون صدقًا في نفس الأمر، وإنّما المراد به، إنّه لم يصحّ إسناده على الشرط المذكور»(4).

     وقال العراقي (725-806هـ) في الألفية وشرحه: «حيث قال أهل الحديث: هذا حديث صحيح، فمرادهم فيما ظهر لنا عملًا بظاهر الإسناد، لا أنّه مقطوع بصحته في نفس الأمور لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، هذا هو الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم... وكذا قولهم: هذا حديث ضعيف، فمرادهم، لم تظهر لنا فيه شروط الصحة، لا أنّه كذب في نفس الأمر لجواز صدق الكاذب وإصابة مَن هو كثير الخطإ(5).

     وقال القاري (المتوفى 1014هـ) في مقدّمة كتابه «المصنوع في معرفة الحديث الموضوع» - بعد أن قال: إنّ الحديث قد يكون موضوعًا من طريق، صحيحًا من آخر-: لأنّ هذا كلّه بحسب ما ظهر للمحدثين من حيث النظر إلى الإسناد، وإلّا فلا مطمع للقطع في الاستناد لتجويز العقل أن يكون الصحيح في نفس الأمر موضوعًا، والموضوع صحيحًا(6).

     أفادت نصوص العلماء هذه بأن الإسناد المحض لم يصلُح أن تُدار عليه المسألة من دون التفات إلى جانب آخر؛ بل الصحّة كما تدور حول السند كذلك تدور حول أمور أخرى، فقال ابن القيّم (المتوفى سنة 751هـ): «وقد عُلم أن صحّة الإسناد شرط من شروط صحّة الحديث، وليست موجبة لصحّة الحديث؛ فإنّ الحديث الصحيح إنّما يصحّ بمجموع أمور منها: صحّة سنده، وانتفاء علّته، وعدم شذوذه، ونكارته؛ وأن لايكون راويه قد خالف الثقات، أو شذّ عنهم(7).

     وبما أنّنا بصدد نقد المتن فلنقدّم ما يشهد ثبوته، وإعمال العلماء إيّاه في أقوالهم؛ وترجيحاتهم.

الاهتمام بنقد المتن في عهد الصحابة

     نرى الصّحابة في هذا الباب ناشطين في هذا المجال، فقد انتقدت السيّدة عائشة رضي الله عنها (توفيت سنة 58هـ) أحاديث رواها أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- منها: الحديث الذي رواه أبوهريرة الدّوسي (ت 57 أو 59هـ) أنّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: مَن غسل الميت فليغتسل؛ ومَن حمله فليتوضأ(8).

     فبلغ ذلك، السيّدةَ فقالت: أوَ نجس موتى المسلمين؟ وما على رجل لو حمَل عودًا؟!(9) وقال عبد الله بن عبّاس (تُوُفِّي بالطائف سنة 68هـ) -رضي الله عنهما-: ولا يلزمنا الوضوء في حمل عيدان يابسة.

     كذا انتقد ابن عباس رضي الله عنهما (ت68هـ) لمّا سمع مِن أبي هريرة رضي الله عنه- (ت:57 أو 59هـ) حديث الوضوء مِمّا مست النار: «الوضوء ممّا مسّت النّار، ولَو مِن ثور أقط» فقال ابن عبّاس رضي الله عنهما-: أنتوضّأ من الدهن، أنتوضأ من الحميم(10).

     بالإضافة إلى أمثلة كثيرة، سنذكر منها في باب خاصّ إن شاء الله.

الاهتمام بنقد المتن في جيل التابعين ومَن بعدهم من المحدثين

     قد أصبح هذا الاتجاه قويًّا في جيل التابعين حتى احترزوا كلّ الاحتراز من قبول المتن إلّا بعد التوثيق مع اعتقادهم أنّ السند نظيف صحيح، فأخرج الدارمي (ت255هـ) بسنده قال أيوب السَّخْتِيَاني (ت131هـ): «إذا أردت أن تعرف خطأ معلمك فجالس غيره»(11).

     وروى الترمذي (ت279هـ) في سننه بسنده من طريق عبد الرحمان بن جُبَير بن نُفَير عن أبيه عن أبي الدرداء قال: «كنّا مَعَ النبي –صلى الله عليه وسلم- فَشَخَص ببصره إلى السماء، ثمّ قال: هذا أوان يُختلس العلم... الحديث، وفيه قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبوالدرداء؟ قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لَأُحَدِّثَنّك بأوّل علم يُرفع مِن الناس الخشوع. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»(12).

     وروى مسلم (204-261هـ) في صحيحه بإسناده من طريق سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لعلي: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبي بعدي». قال سعيد: فأحببتُ أن أشافه بها سعدًا، فلقيتُ سعدًا، فحدثته بما حدثني به عامر، فقال: أنا سمعته. قلتُ: أنت سمعتَه؟! قال: فوضع إصبعه على أذنيه، قال: نعم وإلّا فاستكمّا»(13).

     فهؤلاء التابعون: أيوب السختياني، وجبير، وسعيد؛ وأمثالهم قد توقفوا عن قبول الحديث قبل أن يتأكدوا من صحته بسؤال غيره عنه، حينما احتاجوا إلى ذلك، فهذا يشفّ عن العناية بالنقد الذي يتوجه إلى نفس الحديث، ومتنه دون الإسناد؛ لأن الإسناد لم يكن إلا مكوّنًا عن واحد أو اثنين بالإضافة إلى أنهم إمّا أن يكونوا من الصحابة، أو العُدول الأثبات من التابعين.

     لذلك نرى علماء المصطلح الذين وضعوا اصطلاحات هذا الفنّ، والأصوليين من المحدثين والذين اعتمدت الأمّة عليهم فيما بعدُ في جميع ما يرجع إلى الفن جرحًا وتعديلًا، تصحيحًا وتضعيفًا؛ قد جعلوا نصب أعينهم نقد المتون وإن لم يصرّحوا به؛ لأن وظيفتهم ليست الاهتمام بالمتون وإلا فقد كتب محمد بن لطفي الصبّاغ في مقدّمة «الموضوعات الكبرى» للقاري: «والذي يلاحظ أن نصيب المتن في مناقشته للأحاديث أوفر من نصيب السند، فهو يستدل على بطلان حديث ما بمعارضته لآية في القرآن كما فعل في الحديث ذي الرقم 309 «الغرباء ورثة الأنبياء ولم يبعث الله نبيًّا إلا وهو غريب في قومه» فقد حكم عليه بأنّه باطل؛ لأنّه معارض لما ورد في القرآن من أمثال قوله سبحانه «إنا أرسلنا نوحًا إلى قومه» وهذه مزية حسنة، وإنها لأبلغ ردّ على أولئك الذين يدّعون أن علماء الحديث لم يعرفوا نقد المتن أبدًا».

     فما من مصنف منهم إلّا وهو يرى أن الحديث الصحيح هو الذي يشتمل على خمسة شروط: الثلاثة منها إيجابية، والإثنان منها سلبيان، والسلبيان كلاهما وهما انتفاء الشذوذ والعلة يمسّان المتن مثلما يمسّان الإسناد، كذلك جميع أنواع الضعيف التي يتعرض لبيانها المحدثون في كتب مصطلح الحديث مِن القلب، والإدراج، والاضطراب والتصحيف إلى غيرها؛ تؤيد الاهتمام بنقد المتن؛ لأنها توجد في المتن مثلما توجد في الإسناد وإن كان البحث عن جميعها في كتب المحدثين يدور حول إطار الإسناد، ولكن يتضمن ذلك نقد المتن أيضًا، وإن كان لا ينحصر في ذلك.

غضّ البصر عن نقد المتن وسببه

     وعلى الرغم من خطورة الأمر قد غضّ المحدثون أبصارهم عن مقاييس نقدية خاصّة بالمتن، وركزوا جُلّ عناياتهم على الإسناد، والذي دفعهم إلى ذلك إمّا كونهم محدثين وظيفتهم العناية الإسناد لشعورهم بالخطورة التي أثارها المفسدون للأصل الثاني للدّين القويم، ولمّا كانت جميعها تتعلق بالأسانيد جعلوا أكبرهمّهم الإسناد؛ أو يكون هذا البحث العلمي الدقيق يتطلب فوق ما يتطلب البحث العلمي في الإسناد؛ لأنّ نقد المتن يقتضي - مَع كل ذلك الذي يُشترط في السند ذكاءً بالغًا، وذهنًا ثاقبًا، وملكة قوية للاستنباط والاستخراج، وفهمًا صحيحًا قائمًا على أصول الدين، ولا يحظى به إلا مَن اصطفاه الله وخصّه بفضله، ومنّ عليه بقوة الاجتهاد، وهم الذين يسمّون «المجتهدين الفقهاء» الذين هم مدار الدراية الحديثية والقرآنية.

الأئمة هم القدوة في هذا المجال

     والذين يتصفون بهذه الصفة العَليّة والحظوظ الربّانيّة كثيرون، ولكن الذين لهم القدح المعلّى في هذا المجال هم أربعة: الإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام مالك، والإمام أحمد -رحمهم الله رحمة واسعة-.

     فقد انعقد الإجماع على حصر الاتباع في الفروع لهم، مع الاتفاق على أنّ اتباعهم ليس اتباعًا محضًا لهم؛ بل في الحقيقة اتباع الرسول –صلى الله عليه وسلم- وما جاء به.

     ففي «أوجز المسالك»: «ثم قال القَرافي (ت684هـ): ورأيت للشيخ تقي الدين بن الصلاح ما معناه: إن التقليد يتعين لهؤلاء الأئمّة الأربعة دون غيرهم؛ لأنّ مذاهبهم انتشرت، وانبسطت حتى ظهر منها تقييد مطلقها، وتخصيص عامّها، وشروطها، وفروعها، فإذا أطلقوا الحكم في موضع وجد مكملًا في موضع آخر، وأمّا غيرهم فنقل عنه الفتاوى مجوّدًا، فلعلّ هذا مكملًا ومقيّدًا، أو مخصصًا إلى آخر ما بسطه وكذا صرّح غير واحد من المشايخ بانحصار التقليد في الأئمة»(14).

     وقال مسند الهند ولي الله الدهلوي (ت1176هـ) في «حجّة الله البالغة»: «وممّا يناسب هذا المقام، التنبيه على مسائل ضلّت في بواديها الأفهام، وزلّت الأقدام، وطغت الأقلام، منها أنّ هذه المذاهب الأربعة المدونة المحررة قد اجتمعت الأمّة أو مَن يعتدّ به منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى لاسيّما في هذه الأيّام التي قصرت فيها الهمم جدًّا، وأشربت النفوس الهوى... فإن اقتدينا بواحد منهم، فذلك لعلمنا بأنّه عالم بكتاب الله وسنّة رسوله، فلا يخلو قوله إمّا أن يكون من صريح الكتاب والسنّة أو مستنبطًا منهما بنحو من الاستنباط، أو عرف بالقرائن أن الحكم في صورة ما منوطة بعلة كذا، واطمأن قلبه كلّما وجدت هذه العلة فالحكم ثمّة هكذا والمقيس مندرج في هذا العموم، فهذا أيضًا معزي إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- ولكن في طريقه ظنون، ولولا ذلك لما قلد مؤمن بمجتهد»(15).

     مع كل ذلك اختلفت مناهجهم في إعمال الأصول بعد ما اتفقوا على الأصول من القرآن، والسنّة، والإجماع، والقياس المستنبط من القرآن والسنّة، وهذا لم يصدر منهم إلّا تيسرًا من الله تعالى على الأمّة.

الترجيح لاينحصر سببه في الإسناد

     وقبل أن نذكر مناهج هؤلاء الأئمة التي انتهجوها، وسُبلًا شقّوها، وموازين أقاموها لنقد الحديث؛ نريد أن نلخّص بهذه المناسبة القرائن الترجيحية والتطبيقية التي تعين على حَلّ أكثر المشكلات، وتساعد على التوفيق بين المختلفات، فقد قرّر علماء الأصول أن تلك القرائن لم تنحصر في الإسناد، ولا في واحد دون واحد؛ بل قد بلغ عددها مئة بل أكثر منها، ولا يَتوَصّل إليها إلّا مَن آتاه الله حظا عظيمًا من علم الحديث والفقه، وملكة هوية صائبة، وقال النَّوَوي (ت776هـ) في «التقريب»: «وإنّما يكمل له الأئمّة الجامعون بين الحديث، والفقه؛ والأصوليّون الغوّاصون على المعاني»، وقال السيوطي (ت911هـ) تعليقًا على قول النَّوَوي (ت776هـ) «كالترجيح بصفات الرواة وكثرتهم في خمسين وجهًا»: ذكرها الحازِمي (ت584هـ) في كتابه «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ»، و وصلها غيره إلى أكثر من مئة كما استوفى ذلك العراقي في «نكته»، وقد رأيتها منقسمة إلى سبعة أقسام، ثمّ ذكرها مفصّلة في أكثر من صفحتين، ملخصه: الأوّل: الترجيح بحال الراوي، والثاني: الترجيح بكيفية التحمّل، والثالث: الترجيح بكيفية الرواية، الرابع: الترجيح بوقت الورود، والخامس: الترجيح بلفظ الخبر، والسادس: الترجيح بالحكم، والسابع: الترجيح بأمر خارجي كتقديم ما وافقه ظاهر القرآن أو سنّة أخرى، أو ما قبل الشرع، أو القياس، أو عمل الأمّة، أو الخلفاء الراشدين، أو معه مرسل آخر، أو منقطع، أو لم يشعر بنوع قدح في الصحابة، أوله نظير متفق على حكمه، أو اتفق على إخراجه الشيخان، فهذه أكثر من مئة مرجع، وثَمّ ترجيحات أخرى لا تنحصر ومثارها غلبة الظنّ(16).

*  *  *

الهوامش:

(1)       أبوداود، كتاب السنّة، باب لزوم السنّة:2/632.

(2)       الترمذي، العلم، ماجاء في تعظيم الكذب على الرسول –صلى الله عليه وسلم-: 2/94.

(3)       كتاب علوم الحديث للحافظ أبي عمر وعثمان بن الصّلاح: 7 النوع الأوّل.

(4)       علوم الحديث لابن الصلاح:6، ونقله النووي وعبد الرحمان السيوطي في التدريب 1/34.

(5)       فتح المغيث للعراقي:9.

(6)       المصنوع: 44.

(7)       الفروسيّة:44، انظر مقاييس فقد متون السنّة:52.

(8)       أبوداود، كتاب الجنائز، باب في غسل من غسل الميت: 2/450، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل من غسل الميت: 1/193، وقال: حديث حسن.

(9)       الإجابة: 121-122.

(10)   الترمذي، كتاب الطهارة، باب الوضوء ممّا غيّرت النار: 1/34.

(11)  سنن الدارمي، باب الرجل يفتي بشيء ثمّ يبلغه عن النبي –صلى الله عليه وسلم- فيرجع إلى قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: 1/102، ط: دارالكتب العلمية، بيروت سنة 1417هـ=1996م.

(12)   الترمذي، العلم، باب ما جاء في ذهاب العلم: 2/94.

(13)   مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب:2/278.

(14)   أوجز المسالك: 1/167 مقدمة.

(15)   حجّة الله البالغة: 1/154-156.

انظر تدريب الراوي: 2/116-118،النوع السادس والثلاثون، معرفة مختلف الحديث.

*  *  *

خطورَةُ التكبّر وعلاماتُه وأضرارُه ومعالجتُه

بقلم: الأستاذ عبد الرؤوف خان الغزنوي الأفغاني (*)

 

 

 

     إن التكبّر من المعاصي الخَطِرة التي تُبَعّد العبدَ عن ربّه، وقلّما يُوَفَّق مرتكبُه للتوبة والإنابة إلى الله، وهو أوّلُ الذنوب وبدءُ المعاصي؛ حيث ارتكبه لأوّل مرّة إبليسُ -زعيمُ العصاة والفسّاق- بإبائه عن السجود لِآدم بعد ما أمره الله به، ولما نبّهه الله وهدَّده على ارتكاب معصيته لم يتب ولم يندم بل أصرّ على معصيته وتكبُّرِه، فأُمِر بالخروج من الجنة ومن ساحة الكرامة التي كان يعيش فيها قبل ارتكاب المعصية، واستحقَّ اللعنةَ إلى يوم الدين. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلٰٓئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكٰفِرِينَ﴾ (البقرة:34)، ويقول في موضع آخر من كتابه: ﴿قَالَ يٰٓاِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السّٰجِدِيْنَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَاٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الحجر:32-35).

     لقد ذمّ الله سبحانه وتعالىٰ هذه المعصيةَ ومرتكبَها في مواضع عديدة من كتابه الكريم، فقال تعالىٰ: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة:87)، ويقول: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ الله وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ (النساء: 173)، ويقول عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِاٰيٰتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْـمُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف:40)، ويقول: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ اٰيٰتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (الأعراف:146)، ويقول عزَّ برهانُه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (المؤمن:35)، ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (المؤمن:60)، والآيات كثيرة في ذمّ التكبّر والمتكبّرين وقد اكتفينا بذكر بعضها.

     وأمّا الأحاديث النبويّة التي تذمّ التكبُّرَ والمتكبّرين فكثيرة جدًّا نكتفي بذكر بعضها، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «لايدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقالُ ذرّة من كبر» (رواه مسلم)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: قال الله -عزّ وجلّ-: «العزُّ إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني في واحد منهما فقد عذّبتُه» (رواه مسلم)، وعنه رضي الله عنه- «بينما رجل يمشي في حُلَّة تعجبُه نفسُه، مُرَجِّلٌ رأسَه، يختال في مِشيَته؛ إذ خَسَف الله به فهو يَتَجَلْجَلُ في الأرض إلى يوم القيامة» (متفق عليه).

عددٌ من علامات التكبّر

     التكبّر له علامات كثيرة أهمّها ما يلي:

     أوّلًا: المتكبّر كثيرًا مّا يُصَعِّر خدَّه للناس ويُعرِض عنهم بوجهه إذا كلّموه؛ استكبارًا عليهم واستحقارًا لهم، ناسيًا قولَ الله -عزّ وجلّ-: ﴿ولاتصعِّر خدَّك للناس﴾ (لقمان:18)، وغافلًا عما رُوي في شأن النبي صلى الله عليه وسلم- وعادته الكريمة «وإذا التفتَ التفتَ جميعًا» (رواه الترمذي في الشمائل).

     ثانيًا: المتكبّر يتميّز بمِشيَته؛ فهو يمشي مُتَبَخْتِرًا متمايِلًا متكبِّرًا، ويحبّ أن يمشي خلفه مجموعةٌ من الناس موقِّرين له، ويجتهد في أن يصطحب معه الحَرَس والخَدَم؛ لِمجرَّد إثارة الرعب في قلوب الناس وإراءتهم أنه ذومكانة فائقة؛ غافلًا عن قول الله -عزّ وجلّ-: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُوْلا﴾ (الإسراء:37)، وعن قول الله تعالىٰ: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لقمان:18).

     ثالثًا: يحبّ المتكبر إذا مرّ بمجلس أن يتنبَّه الناس لِمجيئه، ويقوموا احترامًا له؛ فإن لم يقوموا أو لم يقم له بعضٌ منهم يغضب في نفسه وتَظهر آثارُ الغضب في وجهه وتتبيّن من سلوكه، ولايفكّر هذا المتكبر فيما روى أبو داود بسنده عن معاوية رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «من سرّه أن يتمثَّل له الرجالُ قيامًا فليتبوّأ مقعدَه من النار»، ومارواه بسنده عن أبي أمامة رضي الله عنه- قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم- متَّكئًا على عصًا فقمنا له فقال: لاتقوموا كما يقوم الأعاجم يعظّم بعضُها بعضًا»، ولـمّا تبيّن للصحابة رضي الله عنهم- أن النبي صلى الله عليه وسلم- يكره أن يقوم الناس احترامًا له تركوا القيامَ له، فعن أنس رضي الله عنه- قال: «لم يكن شخص أحبَّ إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم- وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لِما يعلمون من كراهيته لذٰلك» (رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح).

     ولِأجل هذا! كان سلفنا الصالح يكرهون أن يقوم الناس لهم؛ حتى أن بعضهم أمثال شيخ الإسلام السيد/حسين أحمد المدني - رئيس هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية «دارالعلوم ديوبند» سابقًا (المتوفّٰى عام 1377هـ) رحمه الله- كان إذا رأى الناسَ يقومون له لم يدخل عليهم، وكان يشترط عليهم أنه لايدخل عليهم إلاّ وهم جلوس.

     وأمّا ما ورد في الحديث المتفق عليه برواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه- أنه قال: «لما نزلت بنو قريظة على حُكم سعد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم- إليه، وكان قريبًا منه فجاء على حمار فلما دنا من المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- للأنصار: قوموا إلى سيّدكم» فقد حَمَله المحققون على أن الأمر بالقيام لم يكن تعظيمًا له؛ بل لإعانته في النزول عن الحمار؛ إذ كان به مرض وأثر جرح أكحله يوم الأحزاب، ولذا قال صلى الله عليه وسلم-: «قوموا إلى سيّدكم» ولم يقل: «قوموا لِسيّدكم»، نعم! يقول بعض أهل العلم في ضوء عددٍ من الروايات المرفوعة والموقوفة: إن القيام لِأهل العلم والفضل والشرف على وجه البرّ والإكرام إذا أقبلوا مستحبٌ غير مكروه إذا لم يرغبوا في ذلك، وأما إذا كانت هيئتُهم تدلّ على أنهم يرغبون في ذلك ويريدونه من الذين أقبلوا عليهم، وإن لم يفعلوا حقدوا عليهم أو عاتبوهم؛ فهذا لايجوز عند أحد، والمتكبّر كثيرًا ما تدلّ أطوارُه على أنه يودّ أن يقوم الناس له ويعظّموه والعياذ بالله-، ولاشك في أن هذا أمر غير مشروع.

     رابعًا: المتكبر يقتضي دائمًا أن يستخدم غيرَه للقيام بحاجاته وأشغاله، فيسوّي له حذاءَه إذا أراد الانتعال، ويفتح له البابَ إذا أراد الخروجَ أو الدخولَ، وينظِّف له سيّارتَه إذا أراد الركوبَ، ويشتري له متاعَه من السوق إذا أراد الاشتراءَ، وينظِّف له مِنضدتَه ومجلسَه إذا أراد الجلوسَ، وهو يستنكف أن يعمل عملًا بسيطًا أو يحمل متاعًا قليلًا بيده! حتى إذا أراد شُربَ الماء وإناءُ الماء والكأسُ بجنبه؛ فإنه لايستحسن أن يصبّ الماءَ من الإناء في الكأس بيده ويشرب، بل يُفضِّل أن يدقّ زِرَّ الجرسِ الموجودَ عند مجلسه فيطلب الخادمَ من الخارج حتى يصبَّ له الماء فيشرب. وقد أخبرني ذات مرّة بعضُ من أثق به أن أحد المستكبرين خرج من المِرحاض وترك فيه القذارةَ التي كان يحملها في بطنه قبل قليل ولم يصبّ عليها الماء، وقال لِلخادم: ادخل ونظّفها، ولم يكن مريضًا أو معوّقًا أو عاجزًا عن العمل، وقد شُقَّ على الخادم هذا السلوك إلاّ أنه كان مضطرًّا لايستطيع الرفضَ ففعل ما أُمِرَ به.

     نعم! إذا قدّر الله -سبحانه وتعالى- لِعبد صالح من عباده القبولَ والوُدَّ في قلوب الناس، فَبَدأُوا يقومون بخدمته ويعدّونها سعادةً لهم دون أن يطلبها منهم بلسانه أو بسلوكه؛ فهذه نعمة أنعم الله بها عليه، ولاتُعَدُّ من علامات التكبّر، يقول الله سبحانه وتعالىٰ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمٰنُ وُدًّا﴾ (مريم:96).

     ولِأجل هذا الودّ والحبّ في الله كانت الصحابة رضي الله عنهم- يتسابقون إلى خدمة النبي صلى الله عليه وسلم- ويتترّسون بأجسادهم لِصيانته صلى الله عليه وسلم- من هَجَمات الأعداء أو لحوق أيّ ضَرَرٍ به. ولنضرب لِذٰلك مثلًا ماقام به أبوبكر الصديق رضي الله عنه- من خدمة النبي صلى الله عليه وسلم- في سفر الهجرة؛ فقد كان أبوبكر خلالَ هذا السفر يمشي ساعةً بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم- وساعةً خلفه، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال: إذا كنتُ خلفك خشيتُ أن تُؤتىٰ من أمامك، وإذا كنتُ أمامك خشيتُ أن تُؤتىٰ من خلفك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم- «يا أبابكر لو كان شيء لأحببتَ أن يكون بِكَ دوني؟» قال: نعم! والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من مُلِمَّة إلاّ أحببتُ أن تكون بي دونك، ولما انتهيا إلى غار ثور دخل أبوبكر قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم- لينظِّفه ويسُدَّ الجحورَ الموجودة فيه خوفًا من أن تخرج منها دابّة تؤذي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم-، فسدّ الجحورَ كلَّها إلاّ واحدًا لم يجد له ما يسدّه به فألقَمَه رجلَه، ثم دعا النبيَّ صلى الله عليه وسلم- فدخل واستراح على فخذ أبي بكر الصديق، فخرجت حيّة من ذاك الجحر الذي سدَّه الصِدّيقُ برجله فلَدَغَته على رجله، ولكنه لم يتحرّك؛ لِكي لايُخِلَّ باستراحة النبي صلى الله عليه وسلم- ولما انتبه النبي صلى الله عليه وسلم- واطّلع على ما حَدَث لِرِجل صاحبه فبصق فيها، فبَرِئ الصديق بإذن الله.

     ولما ظفر مشركو قريش بخُبيب بن عدي رضي الله عنه- فأسَروه وبَدَأُوا يقطِّعون جَسَدَه حيًّا ويقولون: أتُحبّ أن يكون محمد مكانك؟ فيردّ عليهم قائلًا: والله ما أحبّ أن أكون آمنًا في أهلي وولدي وأن محمدًا تشوكه شوكةٌ. وهٰكذا كان أمرُ طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه- يومَ أُحُد حيث كان يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم- ويتترسّ بجسده لِصيانته صلى الله عليه وسلم- عن هجمات المشركين فإذا بجسده بضع وسبعون ضربةً بسيفٍ أو طعنةً برُمح أورميةً بسهم.

     فهذه نماذج من الخدمة الخالصة الصافية يقوم بها المخلصون ابتغاءً لِوجه الله دون أن يكلِّفهم المخدومُ أو يقتضيها منهم، وسيأتي أن النبي صلى الله عليه وسلم- كان يُفضِّل أن يقوم بحاجاته بنفسه. وأما المتكبّرون فهم ليسوا في الحقيقة مخدومين بل هم المستخدِمون، وشتّان بين المخدومين وبين المستخدِمين.

أضرارُ التكبُّرِ الدينيّةُ والدنيويّةُ

     إن التكبر له أضرارٌ دينية لاتنحصر، وخسائرُ دنيويّة لاتنتهي، ونذكر فيما يلي بعضًا منها:

     أوّلًا: إن التكبر معصية تصدُّ مرتكبَها عن رجوعه إلى الله، فيستمرّ في معصيته حتى يهلك؛ فهذا إبليسُ قد أصرّ على تكبّره حتى قال الله له: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لاَمْلَئَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأعراف:18)، وذاك فرعون تكبَّر قائلًا: ﴿أَنَا رَبّكُمُ الْأَعْلىٰ﴾ مستمرًّا في ذلك حتى أدركه الغَرَقُ فهلك ونُجِّيَ ببدنه ليكون لِمن خلفه آية. وهٰكذا استمرّ قارونُ في تكبّره وخُيَلائه، ولما نصحه قومُه بقولهم: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا اٰتٰكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ استنكر قولَهم قائلًا: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ وظلّ مستكبرًا فخورًا حتى خسف الله به وبداره الأرضَ، وقد شاهد العالمُ كلُّه في الماضي القريب عاقبةَ قوّة «الاتحاد السوفياتي» العالميّة التي وصلت إلى ذروتها واعتقدتْ أنه لايوجد على وجه المعمورة من يقاومها أويبارزها، فاستمرّتْ في استكبارها وزَهْوِها حتى مَزَّقَها الله كلَّ ممزَّق. وسيُشاهِد العالمُ بإذن الله العليّ القدير- عاقبةَ «القوّة الأميركيّة» التي تعتقد أنها القوّة العالَمَيّة الوحيدة التي لاتُتَحَدّٰى، فتَفرض ما تشاء على من تشاء، لاتُسأَل عما تفعل وغيرُها هو المسؤول. وهي غافلةٌ عن عادة الله سبحانه وتعالىٰ أنه يُمْهِلُ ولايُهْمِلُ، ولاهيةٌ عن أنها ستواجه بمشيئة الله- تمزُّقًا مفاجِئًا وفَشَلًا أبشعَ، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.

     ثانيًا: إن الله -سبحانه وتعالىٰ- يجزي المتكبِّرَ بتذليله وإسقاطه من أعين الناس، فيكرهونه وينفرون منه، فعن عمر الخطاب رضي الله عنه- أنه قال وهو على المنبر: «يا أيها الناس تواضعوا؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول: من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه صغير وفي أعين الناس عظيم، ومن تكبّر وضعه الله فهو في أعين الناس صغير، وفي نفسه كبير حتى لَهو أهون عليهم من كلب أو خنزير» (رواه البيهقي في شعب الإيمان).

     ثالثًا: ربّما يذيق اللهُ المتكبِّرَ من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر، فيُعرِّضه لِلأمراض والمصائب الجَسَديَّة؛ لِكي يفكّر في نفسه ويرجع من معصيته، فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه- «أن رجلًا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم- بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لاأستطيع، قال: لااستطعتَ، مامنعه إلاّ الكبر، قال: فما رفعه إلىٰ فيه» (رواه مسلم).

     رابعًا: إن التكبّر يسبِّب هبوط الأتقياء والأصفياء إلى درجة الفسّاق والفجّار، وحرمانهم من الدين ومن مكانتهم العالية ومستواهم الرفيع، وفيما يلي ننقل قصّةً مدهِشةً لِشيخ مشايخ بغداد/أبي عبد الله الأندلسي من كتاب «المستطرَف في كل فنّ مستظرَف» للشيخ/شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي المحلّي (المتوفّٰى عام850هـ) -رحمه الله- ففي هذه القصة عِبرة وعِظَة لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقد روى سماحة الشيخ المحدّث/محمد زكريّا الكاندهلوي (المتوفّٰى عام 1402هـ) -رحمه الله- أيضًا هذه القصةَ في كتابه الشهير «ذكريات الحياة» باللغة الأردية وتأثّربها:

قصّة أبي عبد الله الأندلسي

     «حُكي أنه كان بمدينة بغداد رجل يعرف بأبي عبد الله الأندلسي وكان شيخًا لكل من بالعراق، وكان يحفظ ثلاثين ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم-، وكان يقرأ القرآن بجميع الروايات فخرج في بعض السنين إلى السياحة ومعه جماعة من أصحابه مثل الجنيد والشبلي وغيرهما من مشايخ العراق.

     قال الشبلي: فلم نزل في خدمته ونحن مكرمون بعناية الله تعالىٰ إلى أن وصلنا إلى قرية من قرى الكفار فطلبنا ماء نتوضأ به فلم نجد، فجعلنا ندور بتلك القرية وإذا نحن بكنائس وبها شمامسة وقساوسة ورهبان وهم يعبدون الأصنام والصلبان فتعجبنا منهم ومن قلة عقلهم.

     ثم انصرفنا إلى بئر في آخر القرية وإذا نحن بجوارٍ يستقين الماء على البئر وبينهن جارية حسنة الوجه ما فيهن أحسن ولا أجمل منها وفي عنقها قلائد الذهب، فلما رآها الشيخ تغير وجهه وقال: هذه ابنة من؟ فقيل له: هذه ابنة ملك هذه القرية.

     فقال الشيخ: فلم لايدللها أبوها ويكرمها ولايدعها تستقي الماء فقيل له: أبوها يفعل ذلك بها حتى إذا تزوجها رجل أكرمته وخدمته ولاتعجبها نفسها، فجلس الشيخ ونكس رأسه ثم أقام ثلاثة أيام لايأكل ولايشرب ولايكلم أحدًا غير أنه يؤدي الفريضة والمشايخ واقفون بين يديه ولايدرون ما يصنعون.

     قال الشبلي: فتقدمت إليه وقلت له: يا سيدي! إن أصحابك ومريديك يتعجبون من سكوتك ثلاثة أيام وأنت ساكت لم تكلم أحدًا قال: فأقبل علينا وقال: يا قوم ! اعلموا أن الجارية التي رأيتها أمس قد شغفتُ بها حبًا واشتغل بها قلبي وما بقيت أقدر أفارق هذه الأرض.

     قال الشبلي: فقلت له: يا سيدي! أنت شيخ أهل العراق ومعروف بالزهد في سائر الآفاق وعدد مريديك اثنا عشر ألفًا فلاتفضحنا وإياهم بحرمة الكتاب العزيز.

     فقال: يا قوم! جرى القلم بما حكم، ووقعتُ في بحار العدم، وقد انحلّت عني عرى الولاية، وطُويت عني أعلام الهداية ثم إنه بكى بكاءً شديدًا وقال: يا قوم انصرفوا؛ فلقد نفذ القضاء والقدر. فتعجبنا من أمره وسألنا الله تعالىٰ أن يجيرنا من مكره ثم بكينا وبكى حتى أروى التراب.

     ثم انصرفنا عنه راجعين إلى بغداد، فخرج الناس إلى لقائه ومريدوه في جملة الناس فلم يروه فسألوا عنه فعرّفناهم بما جرى فمات من مريديه جماعة كثيرة حزنًا عليه وأسفًا، وجعل الناس يبكون ويتضرعون إلى الله تعالىٰ أن يرده عليهم وغلقت الرباطات والزوايا والخوانق ولحق الناسَ حزنٌ عظيم، فأقمنا سنة كاملة وخرجت مع بعض أصحابي نكشف خبره، فأتينا القرية فسألنا عن الشيخ فقيل لنا: إنه في البرية يرعى الخنازير.

     قلنا: وما السبب في ذلك؟ قالوا: إنه خطب الجارية من أبيها، فأبى أن يزوجها إلا ممن هو على دينها ويلبس العباءة ويشد الزنار ويخدم الكنائس ويرعى الخنازير، ففعل ذلك كله وهاهو في البرية يرعى الخناريز.

     قال الشبلي: فانصدعتْ قلوبنا، وانهملتْ بالبكاء عيوننا، وسرنا إليه وإذا به قائم قدام الخنازير فلما رآنا نكس رأسه، وإذا عليه قلنسوة النصارى وفي وسطه زنار وهو متوكئ على العصا التي كان يتوكأ عليها إذا قام إلى المحراب.

     فسلّمنا عليه فرد علينا السلام فقلنا: يا شيخ ما ذاك وماذا وما هذه الكروب والهموم بعد تلك الأحاديث والعلوم؟ فقال: يا إخواني وأحبابي، ليس لي من الأمر شيء، سيدي تصرف فيّ كيف شاء وحيث أراد أبعدني عن بابه بعد أن كنت من جملة أحبابه.

     فالحذر الحذر يا أهل وداده من صده وإبعاده، والحذر الحذر يا أهل المودة والصفاء من القطيعة والجفاء ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: يا مولاي ما كان ظني فيك هذا ثم جعل يستغيث ويبكي.

     ونادى: يا شبلي! اتعظ بغيرك فنادى الشبلي بأعلى صوته: بك المستعان وأنت المستغاث وعليك التكلان، اكشف عنا هذه الغمة بحلمك فقد دهمنا أمر لاكاشف له غيرك، قال: فلما سمعت الخنازير بكاءهم وضجيجهم أقبلت إليهم وجعلت تمرغ وجهها بين أيديهم وزعقت زعقة واحدة دوت منها الجبال.

     قال الشبلي: فظننت أن القيامة قد قامت ثم إن الشيخ بكى بكاء شديدًا، قال الشبلي: فقلنا له: هل لك أن ترجع معنا إلى بغداد فقال: كيف لي بذلك وقد استرعيت الخنازير بعد أن كنت أرعى القلوب.

     فقلت: يا شيخ! كنت تحفظ القرآن وتقرأه بالسبع، فهل بقيت تحفظ منه شيئًا فقال: نسيته كله إلا آيتين فقلت: وما هما؟ قال: قوله تعالىٰ: (وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (سورة الحج:18) والثانية قوله تعالىٰ: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (سورة البقرة:108) فقلت: يا شيخ كنت تحفظ ثلاثين ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم-: فهل تحفظ منها شيئًا؟ قال: حديثًا واحدًا وهو قوله صلى الله عليه وسلم-: «من بدل دينه فاقتلوه» (رواه البخاري)

     قال الشبلي: فتركناه وانصرفنا ونحن متعجبون من أمره فسرنا ثلاثة أيام، وإذا نحن به أمامنا قد تطهر من نهر وطلع وهو يشهد شهادة الحق، ويجدد إسلامه فلما رأيناه لم نملك أنفسنا من الفرح والسرور فنظر إلينا وقال: يا قوم أعطوني ثوبًا طاهرًا فأعطيناه ثوبًا فلبسه ثم صلى وجلس.

     فقلنا له: الحمد لله الذي ردك علينا وجمع شملنا بك فصف لنا ما جرى لك وكيف أمرك؟ فقال: يا قوم لما وليتم من عندي سألته بالوداد القديم وقلت له: يا مولاي أنا المذنب الجاني فعفا عني بجوده وبستره غطاني.

     فقلنا له: بالله نسألك هل كان لمحنتك من سبب؟ قال: نعم لما وردنا القرية وجعلتم تدورون حول الكنائس قلت في نفسي: ما قدر هؤلاء عندي وأنا مؤمن موحد فنوديتُ في سري: ليس هذا منك ولو شئت عرفناك ثم أحسَسْتُ بطائر قد خرج من قلبي فكان ذلك الطائر هو الإيمان.

     قال الشبلي: ففرحنا به فرحًا شديدًا وكان يوم دخولنا يومًا عظيمًا مشهودًا وفتحت الزوايا والرباطات والخوانق، ونزل الخليفة للقاء الشيخ، وأرسل إليه الهدايا وصار يجتمع عنده لسماع علمه أربعون ألفًا، وأقام على ذلك زمانًا طويلًا، ورد الله عليه ماكان نسيه من القرآن والحديث وزاده على ذلك.

     فبينما نحن جلوس عنده في بعض الأيام بعد صلاة الصبح، وإذا نحن بطارق يطرق باب الزاوية فنظرت من الباب فإذا شخص ملتفٌّ بكساء أسود فقلت له: ما الذي تريد؟ فقال: قل لشيخكم إن الجارية الرومية التي تركتها بالقرية الفلانية قد جاءت لخدمتك.

     قال: فدخلت فعرفت الشيخ فاصفر لونه وارتعد ثم أمر بدخولها، فلما دخلت عليه بكت بكاءً شديدًا، فقال لها الشيخ: كيف كان مجيئك ومن أوصلك إلى ها هنا؟

     قالت: يا سيدي! لما وليت من قريتنا جاءني من أخبرني بك فبتّ ولم يأخذني قرار فرأيت في منامي شخصًا وهو يقول: إن أحببت أن تكوني من المؤمنات فاتركي ما أنت عليه من عبادة الأصنام واتبعي ذلك الشيخ وادخلي في دينه.

     فقلت: وما دينه؟ قال: دين الإسلام، قلت: وما هو؟ قال: شهادة أن لا آله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقلت: كيف لي بالوصول إليه؟ قال: أغمضي عينيك وأعطيني يدك ففعلت فمشى قليلًا ثم قال: افتحي عينيك ففتحتهما فإذا أنا بشاطئ الدجلة.

     فقال: امضي إلى الزاوية واقرئي الشيخ مني السلام، وقولي له: إن أخاك الخضر يسلم عليك قــال: فأدخلهـــا الشيخ إلى جواره وقال: تعبدي ها هنا فكانت أعبد أهل زمانها تصوم النهار وتقوم الليل حتى نحل جسمها وتغير لونها فمرضت مرض الموت وأشرفت على الوفاة ومع ذلك لم يرها الشيخ.

     فقالت: قولوا للشيخ يدخل عليّ قبل الموت، فلما بلغ الشيخ ذلك دخل عليها فلما رأته بكت، فقال لها: لاتبكي؛ فإن اجتماعنا غدًا في القيامة في دارالكرامة ثم انتقلت إلى رحمة الله تعالىٰ.

     فلم يلبث الشيخ بعدها إلا أيامًا قلائل حتى مات رحمة الله تعالىٰ عليه. قال الشبلي: فرأيته في المنام وقد تزوج بسبعين حوراء وأول ما تزوج بالجارية، وهما مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليمًا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم». (المستطرف في كل فنّ مستظرف 1/250-253).

معالجة الكبر والخُيَلاء

     لِمعالجة الكبر طرقٌ عديدةٌ يمارسها المصلحون ويذكرونها في مؤلَّفاتهم، فمن تلك الطرق ما يلي:

     أوّلًا: يجب على كل من يجد في قلبه مثقال ذرّة من كبر أن يفكّر في الآيات القرآنيّة والأحاديث النبوية التي تتعلق بذمّ التكبّر والمتكبّرين، وقد ذكرنا بعضًا منها في بداية هذه الكلمة.

     ثانيًا: عليه أن ينظر في عواقب المتكبّرين في الماضي! كيف تعرّضوا لِلهلاك والذلّ والدمار؟ فما أغنَت عنهم قُوَّتُهم ولاشهرتُهم ولاسلطتُهم ولامالُهم ولاخَدَمُهم.

     ثالثًا: عليه أن يُكثِر المجالسةَ مع الأتقياء وأصحاب العلم والتواضع، ويتربّٰى على أيديهم، ويَعرِض عليهم عاداته في المشي والمأكل والمشرب والملبس واللقاءات وغيرها، ويخبرهم بأمراضه القلبيّة ويستلهم منهم طُرُقَ معالجتها.

     رابعًا: عليه أن يجتهد بنفسه في ممارسة حاجاته الشخصية أو بعضها على الأقل- من حمل متاعه وشراء حاجاته وحاجات بيته اليوميّة، وتنظيف مجلسه وما إلى ذلك وإن كان صاحبَ علم أو شرف أو ذامال وخَدَمٍ وسلطة؛ فقد كان نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم- وهو أفضل خلق الله يُفضِّل أن يعمل بيده ويقوم بإنجاز مهماته وتغطية حاجاته بنفسه؛ «فعن عائشة رضي الله عنه- أنها سُئلت ما كان النبي صلى الله عليه وسلم- يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» (رواه البخاري)، وعنها رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم- يخصف نعلَه ويخيط ثوبَه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته، وقالت: كان بشرًا من البشر يفلي ثوبَه ويحلب شاتَه ويخدم نفسَه» (رواه الترمذي).

     وقد روى الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفّٰى 505هـ) -رحمه الله- في كتابه «إحياء علوم الدين» عن الأصبغ بن نباتة قال: كأني أنظر إلى عمر رضي الله عنه- معلِّقًا لحمًا في يده اليسرىٰ وفي يده اليمنى الدِّرَّة يدور في الأسواق حتى دخل رحلَه. وروىٰ أيضا عن بعضهم قال: رأيتُ عليًّا رضي الله عنه- قد اشترى لحمًا بدرهم فحَمَله في ملحفته، فقلتُ له: أحمل عنك يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا؛ أبو العيال أحق أن يحمل. وروى الإمام الغزالي أيضًا أن عمر بن عبد العزيز أتاه ليلةً ضيفٌ وكان يكتب، فكاد السراج يطفأ، فقال الضيف: أقوم إلى المصباح فأُصلِحه؟ فقال: ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفَه، قال أفأُنبِّه الغلام؟ فقال: هي أول نومة نامها، فقام وأخذ البطَّةَ وملأَ المصباحَ زيتًا، فقال الضيف: قمت أنت بنفسك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ذهبتُ وأنا عمر ورجعتُ وأنا عمر، ما نقص مني شيء! وخير الناس من كان عند الله متواضعًا. (إحياء علوم الدين 3/355).

     وهكذا كان كبارُ أهل العلم في الجامعة الإسلامية «دارالعلوم ديوبند» يقومون بأنفسهم بإكمال مهمّاتهم؛ بل كانوا يقومون بإنجاز مهمّات الآخرين أيضًا عند الحاجة؟ فقد روىٰ سماحة الشيخ المفتي/محمد تقي العثماني حفظه الله ورعاه- في كتابه «كيف كان عظماء دار العلوم ديوبند؟» (ص:65) باللغة الأردية عن أبيه سماحة العلاّمة المفتي/محمد شفيع الديوبندي (المتوفّٰى عام 1396هـ) -رحمه الله- أن سماحة الشيخ/ عزيزالرحمان المفتي الكبير في الجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند (المتوفّٰى عام 1347هـ) -رحمه الله- كان يذهب إلى السوق فيشتري الحاجات اليوميّة لِنفسه ولِجيرانه من الأرامل وأصحاب الحاجة فيحملها بيده ويوصلها إلى أربابها، وقد كان يتفق لِسماحة المفتي/عزيز الرحمان أن أرملة تقول له بعد ما يأتي بمتاعها من السوق ويوصله إليها: يا شيخ! لعلّك نسيتَ فأتيتَ بأقلَّ أو أكثر مما كنتُ أريد، فيرجع سماحة المفتي مرَّةً أخرىٰ إلى السوق ويأتي لها بما تريد.

     وفّقنا الله جميعا لِمايحبّه ويرضاه، ونجّانا الله من المعاصي كلها ما ظهر منها وما بطن.

*  *  *

                                      إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ          

بقلم:  الدكتور/ عبد الكريم بكّار

 

 

 

     أكرم الله - سبحانه وتعالى - الخلق، فأرسل لهم الرسل تترى حتى تظل أعلام الهداية منشورة، وحتى لا يكون لأحد على الله حجة بعد إرسال الرسل. وينقسم الناس إزاء كل رسالة في العادة إلى فريقين فريق يصدق، وفريق يكذِّب، وكانت حجة المكذبين الجاحدين ما حكى الله عنهم: ﴿وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثٰرِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كٰفِرُونَ﴾ [الزخرف/23- 24] .

     وظاهر هذه الآية أن الرؤساء والوجهاء والمترفين هم - في الغالب الذين قاوموا دعوات الرسل؛ لأن أية رسالة ستحدث تغييرًا في القيم السائدة والأحوال المعاشة، وهذا التغيير سيمس مصالحهم ومكاسبهم، ومن ثَمَّ؛ فإن موقفهم هو التأبي والمعاندة. وبما أن الحياة الجمعية لا يمكن أن تستقيم، وتنتظم من غير ضوابط عرفية تؤمِّن نوعًا من التعاون، وتَحُوْل دون بغي الخلطاء على بعضهم بعضًا كان الجواب دائمًا: أن ما تقوم عليه حياتهم الاجتماعية هو ما وَرِثوه عن آبائهم وأجدادهم من الأعراف والعادات والتقاليد، وما حياتهم إلا استمرارًا لحياة سلفهم الذين يفاخرون بهم. والخلف لا يكتفي عادة بالتلقي الأصمّ عن السلف؛ لكنه ينشئ من الفلسفات والمقولات والخرافات ما يمنح ما ورثه - من تقاليد - القداسة والاحترام مما يجعلها محورًا للمنظومات العقدية والفكرية والرمزية والتاريخية! وهذا كله طبيعي؛ لأنه في حالة اندراس معالم المنهج تصبح السوابق التاريخية هي المنهج، ومن ثم كان من مهمات المصلحين وضع السوابق التاريخية في إطارها الصحيح. ماذا تعني الآبائية؟

     ليس كل ما يرثه المرء عن آبائه وأجداده رديئًا - لأنه لا يوجد جيل مختص بالرذائل - لكن الرديء هو أن نفقد القدرة على الحكم على تلك الموروثات، ونُحلها محلَّ القبول والاقتداء! وإذا تأملنا قضية التقاليد الموروثة وقبولها دون تبصُّر ولا تمييز وجدنا أنها تعني أمورًا عديدة منها:

     - إن الإنسان قادر على امتلاك منهج يُسَيِّر حياته من خلال خبرتــه التـراثيــة دون مرشد خارج عن حدود ذاته، وهذا ما نجده واضحًا في جواب المترفين للرسل حين قالوا لهم: ﴿أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ؟﴾ [الزخرف/24]، وكان الجواب: ﴿إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كٰفِرُونَ﴾ [الزخرف/24] . وفي هذا الجواب القاطع الخالي من أي تدليل أو برهان توصيف آخر للآبائية هو أن التقليد وإن بنى حوله بعض الفلسفات التسويغية إلا أنه يظل مع الدليل والبرهان على طرفي نقيض، فهو ظاهرة لا دليل لها سوى وجودها فحسب!

     ومما تعنيه الآبائية أن البشر امتلكوا ناصية الحقيقة كاملة فيما يتعلق بشؤون حياتهم الاجتماعية. والشعور بامتلاك الحقيقة مع أنه غير صحيح إلا أنه يدفع إلى الجمود؛ لأن حركة الفكر والعلم لا تنشط إلا عند الإحساس بأن هناك حقائق خافية أو مشكلات تحتاج إلى حل. ومن هنا كانت متابعة الآباء والأجداد من غير ميزان عبارة عن حركة إلى الوراء تصادم منطق التاريخ، وتجعل أصحابها مخلفين بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى! وإذا كان المنهج الحق يسعى إلى تجديد ذوات معتنقيه ونقدها واستيعاب العظات والعبر من حياة الأولين؛ فإن الآبائية تعني تعطيل تراكم الخبرة البشرية وتقويمها؛ لأن ذلك يخلُّ بالمكانة التي أنزلوا آباءهم فيها!

     وتعني الآبائية أيضًا إحالة العادات والأخلاق إلى إطار مرجعي لا منطقي ومتحجّر، يحكم الناس في حالات اجتماعهم، ويتيح لهم الانطلاق الحر في خلواتهم، أي: يؤسِّس الحياة على نوع من الازدواجية، على حين أن الدين يجعل الوازع الداخلي أساسًا للانضباط الفردي والجماعي. وإن التفسير المستمر في كل شؤون الحياة يجعل تقليد الآباء فارغًا من مضامينه في أحيان كثيرة، فإذا كان الآباء يتقلدون السيف - مثلًا - لمواجهه حيوان مفترس، فما معنى حمل الأبناء له وهم يركبون الطائرة؟! وإن الآبائية بعد هذا أو ذاك توجد نوعًا من الانحباس الاجتماعي المصادم لسنّة التغيير التي بثها الله - تعالى - في الكون، ومن ثَمَّ فإن الانغلاق على مواريث بالية لابد أن يعقبه انفلات غير متزن يطيح بصالح الموروثات وطالحها.

المصلحون والآبائية:

     لا نبعد النجعة إذا قلنا: إن الآبائية هي أخطر مشكلة واجهت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - وتواجه أتباعهم من المصلحين على مدار التاريخ حيث تمتلئ الساحة الاجتماعية بتركة الآباء ومخلفات الأجداد مما يجعلهم يحتاجون إلى تزييف الموروثات أولًا، ثم إحلال المنهج الرباني محلها. وإن حملة الهدى الرباني يصطدمون بالآبائيين صدامًا مباشرًا حيث يرون أن ما بأيديهم من الهدى يجعل التراث مملوكًا خاضعًا للمحاكمة على حين يرى الآبائيون أن التراث هو مالكهم والقاضي في حياتهم لا المتهم!

     لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل بإمكان البشر الفرار من الارتهان للماضي بدون منهج منفصل عن خبرة الإنسان، أي: لا زماني؟ الواضح أن ذلك غير ممكن؛ لأننا باعتبارٍ ما جزء من الماضي ومكوناتنا الثقافية أكثرها موروث، فنقده وتجاوزه بمبادئ وأدوات منه غير ممكن. ونحن حينئذ كالجرَّاح الذي مهما كان ماهرًا فإنه عاجز عن استئصال زائدته أو مرارته بنفسه! وعلى المهتمين بصلاح الأمة الغيورين على مستقبلها أن يخوضوا معركتين في آن واحد: معركة الحياة العامة وتنقيتها من الرواسب والشوائب التي تولدها حركة الأيام، ومعركة داخلية في مجال الحياة الفكرية، وما فيها من مشكلات التجديد والتقليد والاجتهاد وحدود سلطان العقل والنقل الخ..

     إن معالم المعركة الأولى تتمحور حول (مفاصل) التقاليد والسنن والتوزيع الصحيح للاهتمام بمفرادت التكاليف الشرعيــة، وما يتصل بها ممـا يحفظ كيان الأمــة. وعلى هذا الصعيد نلاحظ أن المسلمين منتشرون في بقاع الأرض؛ ولذا فإنهم يعيشون في ظروف شديدة الاختلاف تؤدي إلى تفاوت عظيم في معرفتهم بالدين، كما أن الثقافات الأجنبية التي تأثروا بها مختلفة أيضًا، والمؤثرات المدرسية والمناهجية التي تعرضوا لها متفاوتــة، وهذا كله يجعل إمكانات إقامة التوازن بين متطلبات الدين ومتطلبات الدنيا مختلفة، كما يجعل تحريــر الخلاف وترجيح الصواب مختلفًا أيضًا! ولا ننسى في هــذا السيـاق الآثار الكثيرة التي تتركها توجهات الحكومات المختلفة في إبراز أجزاء من الدين وضمور أجزاء أخرى بحسب المصلحة!

     ونستطيع القول: إنه كلما خمدت حركة الفقه في دين الله، زحفت العادات والتقاليد والبدع لتحل مكانه في حياة الناس، ذلك لأن من شأن البشر أن يجعلوا الدين - الذي هو منهج رباني مطلق فوق الزمان والمكان - واحدًا من عناصر ثقافتهم بدل أن يكون الموجّه لتلك الثقافة والحاكم عليها، وذلك ميسور عليهم ولا سيما حين تكون هناك بعض الملابسات بين العادات وحقائق الدين في الكُنْهِ أو المظهر، وقد ذكر ابن الجوزي - رحمه الله - «أن من الناس من لو جلدته حتى يصلي ما فعل، ولو جلدته حتى يفطر رمضان ما فعل!» مع أن أهمية الصلاة أعظم. وفي زمننا صار إنكار الناس لتعدد الزوجات في كثير من بلاد المسلمين أعظم من إنكارهم للزنا! كما صار هناك استغراب من إقبال الشباب على المساجد؛ لأن المساجد خُلقت لمن أكل الدهر عليهم وشرب، على ما تعودوه في عقود مضت. وفي زماننا تُستَنْكَرُ الفاحشة من البنات ويغضُّ الناس الطرف عنها إذا وقعت من الرجال ولا سيما الشباب!!

     وفي زماننا يُتَّخذ الاهتمام بليلة القدر والمولد النبوي وليلة النصف من شعبان وإغراق الأسواق بالسلع في رمضان قناعًا وستارًا مشهودًا ومن خلف الستار لضرب ركائز الإسلام ومبادئه الكبرى وجعل الداعين إليها غلاة متشددين إرهابيين!!

     ويزداد الطين بلة حين يُسهم في هذا الخلل أشخاص تثق بهم العامة لما عندهم من العلم والتقوى. والعامة غير قادرين على مناقشة الأفكار ولا التمييز بين الأدلة؛ مما يجعلهم تبعًا للأعلى صوتًا والأكثر تابعًا. وهذا كله يجعل مسألة تحجيم الآبائية أكثر صعوبة وتكلفة. لكن لا خيار: فإما المنهج وإما المنهج، وإلا فكيف يكون خلود الرسالة، وكيف تستمر أنوار النبوة في العالمين؟!

     المعركة الثانية لا تبتعد في منطلقاتها وعقابيلها(*) عن المعركة الأولى؛ إذ إنّ تقديس القديم لمجرد أنه قديم هو الطاقة المحركة لأبطالهما، لكن الخصوم يختلفون فإذا كان الخصوم في معركة الحياة الاجتماعية من العامة والدهماء وأنصاف المتنورين فهم في الثانية ممن يحمل العلم، ويحسب نفسه من المصلحين وقد يكون كذلك - لكن بُنَى ثقافتهِ العميقة لا تختلف كثيرًا عما لدى العامة! هذه المعركة هي معركة الاجتهاد والتقليد، والاجتهاد هو بذل الجهد لمد سلطان النصوص إلى كلّ الحوادث والحالة المستجدة المشابهة في علة الحكم لحالات ورود النص وتطبيقاته لدى السلف، على حين أن التقليد يحجم من فاعلية النصوص، ويجعل مجالات الاهتداء بها تتضاءل يومًا بعد يوم؟ ذلك لأن أية مرحلة سابقة لا تَتَّسِع في تنظيماتها وآلياتها ومعطياتها الجزئية لمرحلة لاحقة، وهذا ما دعا الصحابة والتابعين من بعدهم إلى الاجتهاد، وهو ما يدعونا أيضًا إليه. لعل نقطة الخلاف الأساسية ليست في تجويز الاجتهاد والتقليد لشرائح محددة من الأمة، وإنما تكمُنُ في نزع (صفة دوام الصواب) عن المجتهد، ومع أن الجميع يُصَرِّحون بأن المجتهد يُخطئ ويُصيب، إلا أننا نجد في الممارسة العملية مواقف لا تحصى لا تدلّ إلا على اعتقاد أصحابها العصمة في بعض الأئمة والمجتهدين لاعتقادهم أن إحاطة أولئك الأئمة بالأدلة وَحِدَّةِ ذكائهم وفهمهم مع ما أكرمهم الله به من التوفيق يجعل وقوع الخطأ منهم نادرًا أو معدومًا! وقد رأينا كثيرًا من طلاب العلم يلتزم الواحد منهم مذهبًا واحدًا في كل دقائقه، ويحاول الدفاع عن ذلك بكل ما أوتي من قوة، ويوالي ويُعادي في ذلك، ويخسر إخوة في الله، وهو يظنّ أنه يخوض معركةً لِنُصرة دين الله!

     وهذا يدل على جهلٍ فاضح في العملية الاجتهادية المعقَّدة، والتي تلتحم فيها عناصر أربعة، هي مجال رحب، للاختلاف بين المجتهدين، هذه العناصر هي:

     الإمكانات الذهنية التي أكرمنا الله بها والنصوص والأدلة المتعلقة بالقضية موضع الاجتهاد والخلفية الثقافية للمجتهد (وهي ما كان يُسْمّى بالأهلية) بالإضافة إلى الواقعة نفسها والظروف والخلفيات المحيطة بها. وتَمَكُّنُ المجتهدين من كل ذلك متفاوت إلى حدٍّ بعيد، وهذا كله ينفي عن المجتهد دوام الصواب في كلّ ما ينظر فيه. وأن من المفيد أن ننظر إلى المجتهد بعيون أبناء زمانه حيث تخلصوا من وَهْمِ التقديس بسبب من المعاصرة والمعاشرة ومعرفة الخفايا والإمكانات لبعضهم بعضًا. إننا إذا لم نتمكن من التجديد الذاتي فسنعرِّض أنفسنا إلى غزو من الخارج، أو انحباسٍ داخلي يعقبه انفجار لا ينفع معه الترقيع! وإن تجاوزنا المعطيات مراحل عديدة في حياة المتقدمين لنلتصق بالأدلة في إطارٍ من مقاصد الشريعة العامة أمر حيوي للغاية؛ حتى لا نقعَ ضحيةً للغرق في مراحل الانحطاط والتدهور التي مرت بها هذه الأمة في قرونها المتأخرة! وعلى الله قصد السبيل.

*  *  *



(*)     العقابيل: الدواهي.



(*)          خادم الحديث النبوي الشريف المدرسة الحسينية/ كايم كلم، كيرلا/ الهند.

(*)          أستاذ سابقًا بالجامعة الإسلامية «دارالعلوم ديوبند» الهند.

             وأستاذ حاليًّا بجامعة العلوم الإسلامية علاّمه بنوري تاؤن- كراتشي