ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، رمضان – شوال 1437 هـ = يونيو – أغسطس 2016م ، العدد : 9-10 ، السنة : 40

 

دراسات إسلامية

 

· دراسة علميّة موجزة لـ«المحيط البرهاني في الفقه النعماني» (بقلم: المفتي كفيل أحمد القاسمي المدراسي)

· جابر قميحة وكتابه «المدخل إلى القيم الإسلامية» (بقلم: الأستاذ فريد أمعضشو)

· الإسـلامُ والأخـوة (بقلم:الأستاذ أسامة  نور/ القاسمي)

 

دراسة علميّة موجزة

                                    لـ«المحيط البرهاني في الفقه النعماني»                                                      

بقلم:  المفتي كفيل أحمد القاسمي المدراسي (*)

 

 

 

     «المحيط البرهاني في الفقه النعماني» للإمام الجليل الفقيه الكبير برهان الدين محمود بن الصدر السعيد تاج الدين المعروف بـ«ابن مازة» كتاب قيّم ضخم؛ بل موسوعة فقهيّة عظيمة تتضمّن عددًا جزيلًا من مسائل الفقه الحنفيّ، ويعدل في المكانة والأهمّيّة وكثرة المراجعة إليه ووفرة الجزئيّات الفقهيّة كتبَ الفتاوى الأخرى المتداولة في الأوساط العلميّة في شبه القارة الهنديّة بصفة خاصّة وفي العالم كله بصفة عامةٍ، أمثال: الفتاوى الهنديّة، والبحر الرائق، ومجمع الأنهر وما إلى ذلك من الدواوين الفقهيّة الشهيرة.

     وهو من أمّهات كتب الفقه الحنفيّ ومن أهمّ مصادره. ومن أجل الثقة به والاعتماد عليه لا يوجد أيّ كتابٍ هامٍّ في الفقه الحنفيّ خاليًا من الإحالة إلى «المحيط البرهاني»؛ بل كثير من الكتب التي وُضعت وألِّفت بعده مشحونةٌ بالإحالة إليه.

     وبالجملة قد استفاد منه جميع الفقهاء والعلماء الذين أتوا بعد صاحب «المحيط البرهاني» كما أنه يحتلّ إلى يومنا هذا مكانةً مرموقةً بين كتب الحنفيّة(1).

ميزاته:

     وله ميزات عظيمة يمتاز بها عن غيره من كتب الفقه. وهي أنّ مؤلّفه «الشيخ ابن مازة» قد أودعه مسائل فقهيّة جمّة من عدة كتب فقهيّة هامّة، تعتبر حقّا أهمَّ المتون وموسوعاتٍ فقهيّةً عظيمةً. كما أنّه ضَمَّ إلى هذه المسائل فوائد غاليةً استفادها من والده ومشايخ عصره.

     ومن جهة أخرى قد فَصَّل وحَلَّلَ المؤلّف رحمه الله كلَّ مسألة فيه تفصيلًا وتحليلًا وافيين إلى جانب تأييدها المسائل بدلائل قاطعة. ونحن ندع المؤلّف يتحدّث بهذا كلّه بدوره:

     «وجمعتُ مسائل المبسوط والجامعَيْن، والسِيَرَيْن، والزيادات، وألحقتُ بها مسائل النوادر، والفتاوى، والواقعات، ضممت إليها من الفوائد التي استفدتها من سيّدي ومولاي والدي تغمّده الله بالرحمة والدقائق التي حفظتها من مشايخ زماني رضوان الله عليهم أجمعين وفصّلتُ الكتاب تفصيلًا وحلّلْتُ المسائل تحليلًا، وأيّدتُّه بدلائل عوّل عليها المتقدّمون، واعتمد عليها المتأخرون، وعملت فيه عَمَلَ من طَبّ لمن خَبَّ ووسمت الكتاب بـ«المحيط»(2).

وجهُ تسميته بـ«المحيط»:

     وممّا تقدّم قد تَبَيَّن لنا بوضوح أنّ المؤلّف لما أنّه أحاط كتابه هذا بمسائل الكتب: المبسوط(3) والجامع الكبير(4)، والجامع الصغير(5)، والسِّيَر الكبير(6)، والسِّيَر الصغير(7)، والنوادر(8)، والفتاوى والواقعات(9) سمّاه بـ«المحيط البرهاني».

     ولما أنّه يوجد عند الحنفيّة عدد من الكتب التي تحمل عنوان «المحيط»، قيل: وإذا ذُكر مطلقًا فالمراد به «المحيط البرهاني» لبرهان الدين البخاري، وقيل: يوجد في الفقه الحنفي كتابان معروفان باسم «المحيط»، الأول للإمام محمد بن محمد بن محمد رضي الدين السرخسي (المتوفى 544هـ)، والثاني للإمام برهان الدين ابن مازة.

«المحيط البرهاني» كما يراه العلماء الكبار لا سيّما علماء ديوبند

     وقد أثنى على هذا الكتاب الكريم الذي نحن بصدد التعريف به عدَدٌ من العلماء ورجال الفقه قديمًا وحديثًا. ونظرًا للإيجاز نحن نخصّ منهم علماء ديوبند، ونذكر أقوال خمسة منهم.

     يقول الشيخ العلامة عبد الحيّ اللكنويّ (1264-1304هـ) رحمه الله تعالى مصرِّحًا بأهميّة هذا الكتاب وما شمله من الفوائد والدقائق: «ثمّ لمّا مَنَحَنِيَ الله مطالعتَه، رأيته كتابًا نفيسًا مشتملًا على مسائل معتمدةٍ، متجنِّبًا من المسائل الغريبة غير المعتبرة إلا في مواضع قليلة، ومثله واقع في كتب كثيرة(10).

     ويقول فضيلة الشيخ المفتي شبير أحمد القاسمي أستاذ الحديث والفقه وأحد كبار المفتيين بالجامعة القاسميّة بـ«شاهي مرادآباد» في مقدمة «الفتاوى التاتارخانيّة»:

     «المحيط البرهانيّ من أمهات كتب الفقه الحنفي، ومن أهمّ مصادره، ومن أجل الثقة والاعتماد عليه لم يوجد كتاب مهمّ في الفقه الحنفيّ خاليًا من الإحالة إلى «المحيط البرهاني»، واستطرد فضيلته قائلًا: على كل حال جميعُ الفقهاء الذين أتوا بعده قد استفادوا كثيرًا منه ونال هذا الكتاب مكانًا رفيعًا، ورتبةً فائقةً عند أهل العلم حتى الإمام عالم بن العلاء الحنفي الدهلويّ (المتوفى 786هـ) وضع أساس كتابه «الفتاوى التاتارخانية» على «المحيط البرهانيّ» كما شاهدنا عند ترتيب «الفتاوى التاتارخانية» وعند تعليقه.

     خلاصة القول: أنّ «المحيط البرهانيّ» مرجع للفقهاء الذين رتّبوا كتبهم بعده؛ فلهذا السبب عند ما يُطلق «المحيط» يُراد به «المحيط البرهانيّ» للإمام برهان الدين(11).

     ويقول فضيلة الشيخ الأديب العربيّ الكبير نور عالم خليل الأميني - رئيس تحرير مجلة «الداعي» العربيّة الشهريّة، وأستاذ الأدب العربيّ بالجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند- في مقدّمته على «التاتارخانيّة»:

     «واستوعب كتاب «المحيط البرهانيّ» مسائل كلّ من «المبسوط» و«الجامع الكبير»، و«الجامع الصغير»، و«السِّيَر الكبير»، و«السِّيَر الصغير»، و«الزيادات»، و«مسائل النوادر»، والفتاوى، والواقعات والفوائد. ولذلك احتلّ «المحيط البرهانيّ» المكانة الممتازة بين الكتب الفقهيّة كلّها وأصبح مصدرًا لمادة الفقه ولم يوجد كتاب ألّف بعده إلا اعتمد مؤلّفه عليه، واستند إليه(12).

     وكذلك قد أشاد بهذا الكتاب الشيخ المفتي مظفر حسين رحمه الله مفتي جامعة «مظاهر علوم سهارنفور، الهند» سابقًا- في هامش شرح عقود رسم المفتي(13) والشيخ المفتي محمد سلمان المنصورفوري أستاذ الحديث والفقه والإفتاء بالجامعة القاسميّة «شاهي مراد آباد» الهند في كتابه باللغة الأرديّة «فتوىٰ نويسى كے رہنما اصول» (ضوابط ترشدك إلى كتابة الفتاوى)(14).

نسخ لـ«المحيط البرهانيّ» مخطوطة غير مطبوعةٍ:

     رغم أهمّيّته القصوى ظلّ الكتابُ عبر القرون الطويلة حبيس مكتبات إسلامية، مخطوطًا، وله نسخ خطية عديدة منها:

     (1) نسخةٌ مخطوطةٌ في أوقاف المدرسة الأحمديّة بمدينة «حلب» وهي في أربعة أجزاء، الجزءان: الأول والثاني وقعا في 611 صفحةً، والجزء الثالث وقع في 182 صفحةً، والجزء الرابع وقع في 273 صفحةً، وهذه النسخة خطّها دقيقٌ للغاية، تعصب أحيانًا قراءتُه، كما يوجد العديد من الألفاظ والعبارات التي لا نستطيع قراءتها بالإضافة إلى بياضات في مواضع(15).

     (2) نسخةٌ في الخزانة المصريّة وهي مكتوبة سنة 1186هـ وهي أيضًا في أربعة مجلّدات(16).

     (3) نسخةٌ في خزانة «أياصوفيّا» في عشرة أجزاء تحت رقم 1406-1415. وهي الأول والثاني والرابع مكرّرًا والخامس والسادس والسابع مكرّرًا والتاسع والعاشر(17).

     (4) نسخةٌ في المكتبة الحميديّة تحت رقم 557،556 في ثلاثة مجلّدات(18).

     (5) نسخةٌ في مدرسة «مظاهرعلوم» بـ«سهارنفور» بالهند هي مكتوبة سنة 1133هـ(19).

     (6) نسخةٌ في مكتبة «شيخ الإسلام» وهي تحتوي على أربعة مجلّدات وهي مكتوبة سنة 1095هـ(20).

العناية بالكتاب:

     ولم يزل الكتاب مخطوطًا ولم يُكتب له قطّ أن يصدر مطبوعًا بشكل متكامل، وإن سبقت بعض المحاولات للعناية به تحقيقًا وتخريجًا فإصدارًا له مطبوعًا.

     وقد قدّر الله هذه السعادةَ: سعادةَ تحقيق الكتاب وتدوينه وضبطه كاملًا وإصداره مطبوعًا للعالم الفاضل الشيخ المفتي محمد نعيم أشرف الباكستاني ابن أخت فضيلة الشيخ المفتي محمد تقي العثماني، فقام بهذا العمل الجليل تحت إشراف خاله المفتي محمد تقي العثماني وأصدره مطبوعًا في خمسةٍ وعشرين مجلّدًا من مكتبة إدارة القرآن والعلوم الإسلاميّة/ «كراتشي»، «باكستان». وذلك بتعاون من المجلس العلمي بمدينة «دابهيل» بولاية «غجرات» الهند والمجلس العلميّ بجنوبي إفريقية(21).

     وكذلك قام بتحقيق هذا الكتاب عالم آخر فاضل، هو فضيلة الشيخ عبد الكريم سامي الجنديّ وأصدره مطبوعًا من مكتبة دارالكتب العلميّة/ «بيروت»، «لبنان»، والطبعة الأولى منه صدرت سنة 1424هـ = 2004م(22) وتوجد في بعض المكتبات التجاريّة بمدينة «ديوبند» الهند.

عمل المحقّق:

     أوّلًا: نسخ المخطوطَ المعتمدَ في التحقيق، وذكر في نهاية مقدّمته وصفًا للمخطوط مع نماذج من تصوير المخطوط.

     ثانيًا: وضع ترجمة وافيةً للإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله .

     ثالثًا: وضع ترجمة وجيزةً لمؤلّف «المحيط البرهاني».

     رابعًا: وضع مقدّمة مفصّلة «في علم الفقه»، مشتملةً على تسع صفحات.

     خامسًا: شرح في هوامش الكتاب ما في متنه من غريب اللغة أو صعب المتناول منها بالاستناد إلى المعاجم اللغوية المعتبرة.

     سادسًا: وضع في الهوامش تعريفًا موجزًا مع ذكر المراجع بمعظم الأعلام، والكتب، والمؤلَّفات.

     سابعًا: بَذَلَ المقدورَ من الجهد في شرح المصطلحات في علم الفقه استنادًا إلى الموسوعات والمعاجم المعتبرة.

     ثامنًا: خرَّجَ الأحاديث النبويّة، والآثار تخريجًا وافيًا، وضبط نصّ الأحاديث استنادًا إلى كتب الحديث.

     تاسعًا: خرّج الآيات القرآنيّة الكريمة على المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم(23).

مطلب مهمّ في الردّ على القول بعدم جواز الإفتاء بـ«المحيط البرهانيّ»

     ولما أنّ الكتاب ظلّ مخطوطًا غيرَ مطبوعٍ عبر قرون مديدة، جعل يصنَّفُ ضمن الكتب المفقودة غير المعتبرة التي لا يجوز بها الإفتاء. فذكر ابن أمير حاجّ الحلبيّ في «حلية المحلّي شرح منية المصلّي» في بحث الاغتسال أنّه لم يقف على «المحيط البرهاني»(24).

     ونقل عنه صاحب «البحر الرائق» العلامة زين الدين إبراهيم المعروف بابن نجيم الحنفيّ (المتوفى 970هـ) أنّه مفقود في ديارنا، ثم حكم أنّه لا يجوز الإفتاء به، واستند لما ذكره ابن الهمام أنّه لا يحلّ النقل من الكتب الغريبة. وظنّ بعضهم بعدم جواز الإفتاء منه لكونه جامعًا للرطب واليابس. وبناءً على ذلك ذكره المحيط البرهاني العلامة عبد الحي اللكنوي (1264-1304هـ) رحمه الله في رسالته «النافع الكبير» في عدد الكتب غير المعتبرة(25).

     وكذلك نصّ العلامة ابن نجيم في رسالته الثانية والعشرين من مجموعة رسائل ابن نجيم في الصفحة 191، التي ألّفت في بعض الصور للوقف ردًّا على بعض معاصريه نقلَه عن «المحيط البرهانيّ» وهو يقول: «ونقله عن «المحيط البرهانيّ» كذب؛ لأنه مفقود كما صرّح به ابن أمير حاج الحلبي في «حلية المحلّي شرح منية المصلّي»وعلى تقدير أنّه ظفر به دون أهل عصره لم يجز الإفتاء به، ولا النقلُ عنه كما صرّح به في فتح القدير من كتاب القضاء(26).

     هذا، وقد ردّ على ذلك، العلامة عبد الحيّ اللكنوي (1264-1304هـ) ردًّا قويًّا قائلًا:

     «ثم لـمّا مَنَحَنِيَ الله مطالعته، رأيته كتابًا نفيسًا مشتملا على مسائل معتمدة، متجنِّبًا من المسائل الغريبة غير المعتبرة إلا في مواضع قليلة، ومثله واقع في كتب كثيرة؛ فوضح لي أن حكمه بعدم جواز الإفتاء به، ليس إلا لكونه من الكتب الغريبة المفقودة الغير المتداولة، لا لأمر في نفسه، ولا لأمر في مؤلِّفه، وهو أمر يختلف باختلاف الأعصار، ويتبدّل بتبدّل الأقطار؛ فكم من كتاب يصير مفقودًا في إقليم وهو موجود في إقليم آخر، وكم من كتاب يصير نادر الوجود في عصر، كثير الوجود في عصر آخر.

     فـ«المحيط البرهاني» لـمّا كان مفقودًا في بلاده وأعصاره عدّه من الكتب التي لا يُفتى منها لعدم تداولها وغرابتها، فإن وُجد تداولُه وانتشاره في عصر أوفي إقليم، يرتفع حكمه هذا؛ فإنه لا شبهة في كونه معتمدًا في نفسه، اعتمد عليه من جاء بعده من أرباب الاعتماد وأفتوا بنقله»(27).

الحواشي والتعليقات:

     وقد وضع على هذا الكتاب الشيخ عبد الكريم سامي الجنديّ الحواشي القيمة والتعليقات المفيدة المستوعبة لعدة أمور هامّة ومعلومات قيّمة كما سبقت الإشارة إليه ضمن عمله الذي قام به لدى إصداره مطبوعًا(28).

     أما الشروح؛ فلم يكتب لحد كتابة هذه السطور أيُّ شرحٍ لهذا الكتاب.

النسخ المطبوعة لـ«المحيط البرهاني»

     قد سبق أن ذكرنا في الصفحات السالفة أنه لاتوجد لهذا الكتاب إلا نسختان مطبوعتان، إحداهما أصدرتها «مكتبة إدارة القرآن والعلوم الإسلاميّة/ كراتشي، باكستان» ولم نطّلع على سنة طباعتها، ويُفترض أن تكون حوالي سنة 1419هـ = 1999م، والأخرى أصدرتها «مكتبة دارالكتب العلميّة/ بيروت، لبنان»، وهذه النسخة توجد في بعض المكتبات التجاريّة بمدينة «ديوبند» الهند، وكذلك على الشبكة العنكبوتيّة أيضًا، وطُبعت هذه النسخة أوّل مرّة عام 1424هـ = 2004م.

ما يحتاج إليه الكتاب:

     خلال قيامنا بإعداد هذا المقال الوجيز، كثرت المراجعةُ والدراسة للكتاب «المحيط البرهانيّ» - الذي أصدرته دارُ الكتب العلميّة بيروت لبنان ؛ فشعرنا هنالك بأمور يحتاج إليها الكتابُ بنحو لازم حتى تكمل الاستفادة منه بنحو متكامل فنضع لها لائحةً وجيزةً في السطور الآتية، لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرًا.

     (1) رغم الأهميّة البالغة والمكانة المرموقة اللّتين يحتلّهما الكتابُ ورغم ضرورته القصوى لكل عالم دينيّ ومفتٍ شرعيّ وباحث إسلامي، لايزال الكتاب بعيدَ المنال صعب المتناول؛ فالحاجة ملحّة إلى أن تكثر طباعته بعدد كبير يغطّي حاجات رجال العلم والفقه والثقافة.

     (2) إصدار الكتاب في حلّةٍ قشيبةٍ من الطباعة والإخراج وجودة الورق وما إلى ذلك من المحاسن المطبعيّة التي تستقطب اهتمامَ القارئ وتستوقفه للدراسة.

     (3) وضعُ القائمة الكاملة المستوعبة لمحتويات ومضامين الكتاب كلّها في بداية كل مجلّد منه أو في نهايته حتى تسهل الاستفادة منه والمراجعة إلى المسائل المعنيّة بسهولةٍ جدًّا.

     (4) إجراء عملية الترقيم على كلٍ من مسائله ليتمّ الوصولُ إليها في ظرف وقت قليل.

     (5) الاهتمام في مستهلّ كل كتاب بإثبات الآيات القرآنيّة التي تتعلّق بالموضوع الذي عُقد له الكتابُ.

     (6) ضبط جميع أسماء الأعلام والفقهاء والمحدثين الذين وردت مع موجز تراجمهم في الهوامش، وكذلك الأماكن والبلدان التي ورد التعريف بها فيه بالشكل؛ حتى لا يغلط في قراءتها غالط أو يتردّد فيها متردّد.

     (7) شرح الكلمات الغريبة، والمصطلحات الفقهيّة الجديدة الواردة فيها.

تعريف موجز بمؤلّف «المحيط البرهاني»

الاسم الصحيح الكامل:

     هو الإمام الجليل الفقيه الكبير برهان الدين أبو المعالي محمود بن الصدر السعيد تاج الدين أحمد بن برهان الدين عبد العزيز بن عمر المرغينانيّ البخاريّ المعروف بـ«ابن مازة»(29).

موطنُه وولادتُه:

     هو من سكّان مدينة «مرغينان» من بلاد «ماوراء النهر» حيث كانت ولادته سنة 551هـ الموافق 1156م(30).

أسرته العلميّة:

     أسرته من الأسر الكبيرة العلميّة في «بخارى»، وأبناؤها كانوا يُسَمَّوْنَ بـ«بني مازة»، وينتهي نسبه إلى سيّدنا عمر بن عبد العزيز بن مروان(31)، وقد اشتهر أبناء أسرته في الآفاق بالعلم والمعرفة والبذل والرئاسة والمجد والعظمة، وكانت فيهم رئاسة المذهب الحنفيّ أبًا عن جدٍّ وهو مذهب أهل ماوراء النهر عامّةً، وكانوا يُعدّون ملوك «بخارى» في أواخر عهد القراخطائيين، الذين كانوا يتقاضونهم الخراج وقد أشار إليهم القزويني في كتابه «آثار البلاد» وهو يتحدّث عن «بخارى» فقال: ولم تزل «بخارى» مجمع الفقهاء ومعدن الفضلاء ومنشأ علوم النظر، وكانت الرئاسة في بيتٍ مباركٍ يقال لرئيسه «خواجه إمام أجل» وإلى الآن أي سنة تأليف كتاب القزوينيّ (674هـ) نسلهم باقٍ، ونسبهم ينتهي إلى عمر بن عبد العزيز بن مروان، وتوارثوا تربيةَ العلم والعلماء كابرًا عن كابرٍ، يُرَتِّبون وظيفة أربعة آلاف فقيه(32).

     والمقصود بوظيفة أربعة ألاف فقيه الإشراف عليهم من الناحية العلميّة والمعيشيّة، ويبدو أنهم من آل برهان وغيرهم)

     وقد رتّب العلامة المعزيّ قصيدةً طويلةً تدلّ على مكانة آل مازة عمومًا وعلى مكانة بني عبد العزيز خصيصًا، وفيما يلي بعضٌ منها:

     «ومن يعتقد وفق السعادة كلّها

على آل برهان فقد صحّ مازعم

     إذا نال بعض الناس عزًّا فربّمـا

وأمّا بنو عبد العزيز فلا جرم»(33)

     وكان جدّه الإمام برهان الدين عبد العزيز بن مازة البخاري الحنفيّ، الملقّب بـ«برهان الأئمة»، و«سراج الأئمّة»، ويعرف أيضًا بـ«الصدر الماضي»، و«الصدر الكبير»، وهو إمام أهل «بخارى»(34).

     وكان أبوه تاج الإسلام أحمد بن عبد العزيز بن مازة الملقّب بـ«الصدر السعيد» أحد مشايخ صاحب الهداية(35).

     وكان عمّه عمر بن عبد العزيز بن مازة البخاريّ الحنفيّ المعروف بـ«الصدر الشهيد» ويعرف أيضًا بـ«الحسام» و«الحسام الشهيد»، وله مؤلّفات عديدة تبلغ كتابًا(36).

     وتفقّه أبوه وعمّه على أبيهما الشيخ برهان الأئمة عبد العزيز بن عمر بن مازة(37).

نشأته العلميّة:

     ففي هذا البيت العلميّ، والوَسَط الدينيّ ترعرع صاحب «المحيط البرهاني»، وشبّ شبابًا مثاليًّا، وتلقّى جميعَ العلوم والفنون من البداية حتى النهاية على أبيه وعمّه؛ فتوفّر له مالم يتوفّر لغيره من الرعاية وحسن التقويم والتحصيل العلميّ حتى فاق أكثرَ فقهاء ذلك العصر في الفقه وصار أوحدَ زمانه في سَعة العلم والمعرفة(38).

مكانته في الفقه:

     وكان من كبار فقهاء الأئمة وأعيان فقهاء الأمّة، إمامًا، وَرِعًا، مجتهدًا، متواضعًا، عالمًا كاملًا، بحرًا زاخرًا، خيرًا فاخرًا حتّى عدّه العلامة ابن كمال باشا (المتوفى سنة 940هـ) من المجتهدين في المسائل(39).

طبقته في الفقه:

     وقد أسلَفْنا في السطور السابقة أنّه حَسَبَ دراسة العلامة ابن كمال باشا معدودٌ في طبقة المجتهدين في المسائل، وهي التي تتضمّن أئمّة الفقهاء المجتهدين أمثال: الإمام الخصّاف، والإمام أبوجعفر الطحاوي، والإمام أبوالحسن الكرخي، والإمام شمس الأئمّة الحلوانيّ وغيرهم رحمهم الله تعالى وشأن أصحاب هذه الطبقة أنّهم لا يقدرون على مخالفة الإمام لا في الأصول، ولا في الفروع، وإنّما يستنبطون أحكام المسائل التي لا نصّ فيها عنه(40).

من أهمّ شيوخه:

     ومن أهمّ شيوخه الذين عنهم أخذ العلمَ الشرعيَّ والفقه أبوه العالم المتمكن الفقيه المتبحّر الصدر السعيد تاج الدين أحمد بن عبد العزيز بن عمر، وعمُّه الصدر الشهيد حسام الدين عمر بن عبد العزيز(41).

من أهم تلاميذه:

     لم نجد في كتب التراجم والأعلام التي تناولناها بالمراجعة والدراسة خلال إعدادنا هذا المقال أسماء تلاميذه إلا واحدًا، وهو ابنه الشيخ طاهر بن محمود الذي أخذ عنه العلم، وكانت له يد طولى في الأصول والفروع، ومشاركة في المعقول والمنقول(42).

من أهمّ مؤلّفاته:

     وله من المؤلَّفات ماتزدان به خزانات الكتب العالميّة، والتي تشفّ عن مكانته الفقهيّة العظيمة إلى جانب تعمّقه في علوم الشريعة وتمكنّه منها. ويبلغ عددُ مؤلَّفاته نحو أحد عشر وهي كما يلي:

     (1) المحيط الرهاني في الفقه النعمانيّ في أربع مجلّدات.

     (2) تتمّة الفتاوى.

     (3) التجريد البرهانيّ في فروع الحنفيّة.

     (4) ذخيرة الفتاوى وهو المشهور بـ«الذخيرة البرهانيّة» ثلاث مجلّدات، اختصره من كتابه «المحيط البرهاني»(43).

     (5) شرح أدب القضاة للخصّاف.

     (6) شرح الجامع الصغير للإمام محمد بن الحسن الشيبانيّ.

     (7) شرح الزيادات للإمام محمد بن الحسن الشيبانيّ.

     (8) الطريقة البرهانيّة.

     (9) فتاوى البرهانيّ.

     (10) الواقعات في الفقه.

     (11) الوجيز في الفتاوى(44).

وفاته:

     وكانت قد استأثرت به رحمة الله جلّ وعلا وهو بمدينة «بخارى» عام 616هـ الموافق 1219م عن عمر يناهز 65 عامًا بالقياس إلى التقويم الهجريّ و 63 عامًا بالنسبة إلى التقويم الميلاديّ(45).

*  *  *

الهوامش:

(1)           «الفتاوى التاتارخانية» لفريد الدين عالم بن العلاء الإنديريتي الدهلويّ المتوفى 786هـ 1/33.

(2)           «المحيط البرهاني» 1/7، «الفوائد البهيّة»، ص:269-272، «كشف الظنون» لحاجي خليفة 2/1619-1620.

(3)     «المبسوط»: قال صاحب الكشف: «مبسوط» في فروع الحنفيّة للإمام أبي يوسف يعقوب إبراهيم القاضي الحنفيّ المتوفى سنة 182هـ وهو المسمّى بـ«الأصل»، وللإمام محمد بن الحسن الشيبانيّ المتوفى سنة 189هـ، ألّفه مفردًا، فأوّلا ألّف مسائل الصلاة وسماه «كتاب الصلاة» ومسائل البيع وسمّاه «كتاب البيوع»، وهكذا الإيمان والإكرام، ثم جُمعت، فصارت «مبسوطًا»، وهو المراد حيث ما وقع في الكتب، ورُوي أن الشافعي – رحمه الله – استحسنه وحفظه، وأسلم حكيم من كفّار أهل الكتاب بسبب مطالعته حيث قال: هذا كتاب محمدكم الأصغر، فكيف كتاب محمدكم الأكبر؟! (شرح عقود رسم المفتي 79).

(4)     «الجامع الكبير»: قال في الكشف عند ذكره: قال الشيخ أكمل الدين: «هو كاسمه لجلائل مسائل الفقه جامع كبير، قد اشتمل على عيون الروايات ومتون الدرايات بحيث كاد أن يكون معجزًا، ولتمام لطائف الفقه منجزًا، شهد بذلك بعد إنفاد العمر فيه راووه، ولا يكاد يلمّ بشيء من ذلك عادوه، ولذلك امتدّت أعناق ذوي التحقيق نحو تحقيقه، واشتدّت رغباتهم في الاعتناء بحلي لفظه وتطبيقه، وكتبوا له شروحًا وجعلوه مبيَّنًا ومشروحًا.

(5)     «الجامع الصغير»: قال في الكشف عند ذكره: هو كتاب قديم مبارك مشتمل على ألف وخمس مئة واثنين وثلاثين مسألةً كما قال البزدوي، وذكر الاختلاف في مئةٍ وسبعين مسألة، ولم يذكر القياس، والاستحسان إلا في مسألتين، والمشايخ يعظّمونه حتى قالوا: لا يصلح المرءُ للفتوى ولا للقضاء إلا إذا علم مسائله، وقال قاضي خان في شرحه على «الجامع الصغير»: واختلفوا في مصنّفه، قال بعضهم: من تأليف أبي يوسف ومحمد، وقال بعضهم: هو من تأليف محمّدٍ؛ فإنّه حين فرغ من تصنيف «المبسوط»، أمره أبو يوسف أن يصنّف كتابًا، ويروي عنه؛ فصنّف، ولم يرتّب مسائله، وإنّما رتّبه أبو عبد الله الحسن بن أحمد الزعفراني الفقيه الحنفيّ (شرح عقود رسم المفتي، ص:78).

(6)     «السِّيَرُ الكبير»: هو آخر مصنّفات الإمام محمد بعد انصرافه من العراق، ولهذا لم يروه عنه أبو حفص، وإنّما لم يذكر اسم أبي يوسف شيء منه؛ لأنّه صنّفه بعد ما استحكمت النفرة بينهما، وكلّما احتاج إلى رواية عنه، قال أخبرني الثقة والله أعلم. (شرح عقود رسم المفتي:79).

(7)     «السِّيَرُ الصغير»: هو من تأليف الإمام محمد بن الحسن الشيباني، يقول الإمام السرخسي في المبسوط – وهو يشرح كتاب «السير الصغير»: اعلم أن السِّيَرَ جمع سيرةٍ، وبه سمى هذا الكتاب، لأنّه بيّن فيه سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب، ومع أهل العهد منهم من المستأمنين وأهل الذمّة ومع المرتدّين ومع أهل البغي (المبسوط:10/2).

(8)     «النوادر»: وهي مسائل مرويّة عن أصحاب المذهب، أعني بهم العلماء الثلاثة الإمام أبا حنيفة، والإمام أبا يوسف والإمام محمدًا – رحمهم الله – وقد يلحق بهم زفر والحسن وغيرهما في أخذ الفقه عن أبي حنيفة، لكن لا في كتب ظاهر الرواية؛ بل في كتب أخر لمحمّد غيرها كـ«الكَيْسَانيّات» و«الهارونيّات» و«الجرجانيّات» و«الرّقّيات». (شرح عقود رسم المفتي:82).

(9)     الفتاوى والواقعات: وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لمّا سُئلوا عن ذلك ولم يجدوا فيها روايةً عن أهل المذهب المتقدمين، وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد وأصحاب أصحابهما وهلمّ جرًّا وهم كثيرون. (شرح عقود:84).

(10)       الفوائد البهيّة: 269-272.

(11)       مقدّمة التحقيق للفتاوى التاتارخانيّة: 1/33.

(12)       المصدر السابق: 1/10.

(13)       «شرح عقود رسم المفتي» للإمام ابن عابدين الشامي، ص:91.

(14)       «فتوى نويسي كے رهنما أصول» للشيخ المفتي محمد سلمان المنصورفوري، ص:71.

(15)       راجع: «المحيط البرهاني»: 1/18.

(16)       «تذكرة النوادر من المخطوطات العربيّة» للشيخ، ص:60.

(17)       المصدر السابق.

(18)       المصدر السابق.

(19)       المصدر السابق.

(20)       المصدر السابق.

(21)       راجع: «فتوى نويسي كے رهنما أصول» للشيخ المفتي محمد سلمان المنصورفوري، ص:71.

(22)       «المحيط البرهاني»، بيروت: 1/3، ويمكن الوصول إليه عن طريق الإنترنت.

(23)       المحيط البرهاني ملخّصًا.

(24)       النافع الكبير للعلامة اللكنوي، ص:20.

(25)       المصدر السابق.

(26)       انظر: «المصباح»، ص:457-458.

(27)       انظر: «الفوائد البهيّة»، ص:269-271، «المصباح» 472.

(28)       تقدّم ذكرُه مفصَّلًا قبيل «مطلب مهمّ في الردّ على ... الخ».

(29)   انظر: «الأعلام» للزركلي 7/161، «كشف الظنون» لحاجي خليفة 2/1619-1620، «حدائق الحنفيّة» 1/241، «هديّة العارفين» 6/404، «الفوائد البهيّة» للعلامة عبد الحيّ اللكنويّ 269-272، معجم المؤلفين 12/146.

(30)       «الأعلام» 7/161، «تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان 6/302.

(31)   هو عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس القرشيّ الأموي، أبو حفص المدنيّ ثم المدمشقيّ، أمير المؤمنين، أمّه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، قال ابن سعد: كان ثقة مامونًا له، فقهًا، ورعًا، وكان إمام عدل، إنه دخل أصطبل أبيه وهو غلام، فضربه فرس، فشجّه، فجعل أبوه يمسح عنه الدم ويقول: إن كنت أشج بني أميّة، إنك سعيد، وقال أنس: ما رأيت أشبه صلاة برسول الله –صلى الله عليه وسلم- من هذا الفتى، وقال محمد بن علي بن الحسين: لكل قوم نجيبة، وإن نجيبة بني أميّة عمر بن عبد العزيز وإنه يُبعث يوم القيامة أمّةً واحدةً، تُوفي سليمان بن عبد الملك في صفر سنة 99هـ، واستخلف عمر بن عبد العزيز يوم مات، وكان مع سليمان كالوزير، فعُدّ من الخلفاء الراشدين، وله أربعون سنةً، ومدّة خلافته سنتان ونصف، مات في رجب سنة 101هـ.

(32)       «الجامع الصغير»، المبحث الأول من دراسة شارح الكتاب، ص:18.

(33)       انظر «كتائب أعلام»، ص:243، «الجامع الصغير»، ص:20.

(34)    ينظر: «الفوائد البهيّة» للكنوي 269-272، «الجواهر المضيئة» 4/264، «الأعلام» للزركلي 7/161، «كشف الظنون» لحاجي خليفة 2/1619-1620، «الجامع الصغير» 19.

(35)       المصدر السابق.

(36)       المصدر السابق.

(37)   «الأعلام» للزركلي 7/161، «الفوائد البهيّة» للكنوي 269-272. «النافع الكبير» للكنوي، ص:20، «الجواهر المضيئة» 4/364، «الجامع الصغير»، ص:24.

(38)       المصدر السابق.

(39)       «الفوائد البهيّة» للكنوي 269-272، «حدائق الحنفيّة» 1/24.

(40)       «شرح عقود رسم المفتي» لابن عابدين الشامي:51.

(41)       «الفوائد البهيّة» 269-272، «حدائق الحنفية» 1/241.

(42)       المصدر السابق.

(43)       «كشف الظنون» لحاجي خليفة 2/1619-1620.

(44)   «الأعلام» للزركلي 7/161، و«الفوائد البهيّة» 269-272، «الجواهر المضيئة» 4/364، «مقدمة المحيط البرهاني» 1/7، «تاريخ الأدب العربيّ» لبروكلمان 6/302، «معجم المؤلّفين» 12/146، «حدائق الحنفيّة» 1/241، «هديّة العارفين» 6/404.

المصدر السابق.

*  *  *

                      جابر قميحة وكتابه «المدخل إلى القيم الإسلامية»                                                      

بقلم: الأستاذ فريد أمعضشو (*)

 

 

 

     لقد كان جابر المتولي قميحة - رحمه الله بحقّ- أحدَ فرسان الأدب الإسلامي الحديث، الذين آمنوا بفكرته؛ فنافحوا عنه، وسعوا إلى التمكين له بالإبداع والنقد وغيرهما من ضروب الكتابة والتأليف. فهو أديب مصري مرموق، من مواليد 1934م، جمع في تكوينه العلمي والأكاديمي بين الدراسات الأدبية والقانونية والإسلامية؛ إذ حصل على دكتوراه في الأدب من «جامعة القاهرة» عام 1979م، وعلى «ليسانس» في القانون من كلية الحقوق التابعة للجامعة نفسِها، عام 1965م، وعلى دبلوم عالٍ في الشريعة الإسلامية عام 1967م. وقد بدأ مساره المِهْنيّ مدرِّسًا للغة العربية، عقب تخرُّجه من «دار المعلمين» بالقاهرة عام 1957م، ثم مفتِّشًا للغة العربية، قبل أن يلتحقَ عام 1980م بكلية الألسُن، التابعة لجامعة «عين شمس» بالقاهرة، ليشتغل أستاذًا للأدب العربي الحديث. وعمِل خلال تلك الفترة أيضًا أستاذًا زائرًا بجامعة «يال» الأمريكية - لموسِم واحد- بداية الثمانينيات، وأستاذًا مُعارًا بالجامعة الإسلامية العالمية في العاصمة الباكستانية ما بين 1984م و1989م، وأستاذًا مُشارِكًا بجامعة الملك فهد بالظهران بالمملكة العربية السعودية فيما بعْدُ. وانتسب الراحل إلى عدة جمعيات واتحادات أدبية؛ منها اتحاد الكتاب المصريين، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية التي نال عُضويتها اعتبارًا من 22/فبراير 1992م، وكان من النشيطين في فرْعها بمصر.

     وخلّف جابر قميحة (ت 2012م) عددًا مهمًّا من الكتابات والأبحاث الجادّة المُميَّزة، التي يمكننا تصنيفُها إلى ثلاث مجموعات كبرى: الإبداع، والنقد الأدبي، والثقافة الإسلامية. بحيث تمثل الأولى مجموعُ إبداعاته في الشعر والمسرح معًا؛ كدواوينه «لجهاد الأفغان أغنّي»، وهو باكورة أعماله الشعرية (1992م)، و «الزحف المدنّس»، و«حديث عصري إلى أبي أيوب الأنصاري»... وكمسرحيتيْه «محكمة الهزل العليا تحاكم الأيدي المتوضّئة»، و«الرؤيا الأخيرة ليوسف الصّديق». وتجدُر الإشارة إلى أنه قد أعيد نشْر أعماله - في الشعر والمسرح- التي ظهرت إلى حدود 2010م ضِمْنَ مؤلَّف، من ثلاثة مجلدات (الأعمال الكاملة)، صدر بالقاهرة، بتقديم المستشار الشيخ عبد الله العقيل. ومن عناوين المجموعة الثانية نذكر: منهج العقاد في التراجم الأدبية التقليدية والدرامية في مقامات الحَريري أدب الرسائل في صدْر الإسلام التراث الإنساني في شعر أمل دنقل صوت الإسلام في شعر حافظ إبراهيم رواية «وليمة لأعشاب البحر» في ميزان الإسلام والعقل والأدب. ومما تركه في مجال الثقافة والفكْر الإسلامييْن كتبُه «المعارَضة في الإسلام بين النظرية والتطبيق»، و«في صحبة المصطفى –صلى الله عليه وسلم-»، و«المدخل إلى القيم الإسلامية».

     إن هذا الكتاب الأخير (169 صفحة من القِطْع المتوسط) هو الذي سيكون موضوعَ هذه المقالة، التي نرمي من خلالها إلى تقديم قراءة مركّزة في محاور الكتاب وقضاياه الأساسية؛ سعْيًا إلى تسليط الضياء على القيم والأخلاقيات العُليا في الإسلام، وتبيان سماتها الجوهرية، وإبراز أهم مصادرها وسُبل غرسها في النفوس، واستعراض جملة من الشبُهات والمطاعن المُثارة من حولها، والتي تصدّى إليها الكاتب، وناقشها بالدليل الخرّيت، وأثبت تهافتها وجُنوحها عن الحق والصدق. وعليه، فقد استوتْ بنية العامة على أربعة فصول قصَدَ المرحوم جابر قميحة أن تكون محتويات محاورها «مجرد معالم على طريق الوصول إلى القيم الإسلامية، والتعرف على السبيل المؤدّية إليها»(1). وليست إحاطةً شاملة دقيقة بموضوع الكتاب، بل إنه يَعترف بوجود عناصر أخرى ذات صلة وُثقى بهذا الموضوع لم يأتِ على ذِكْرها وتناولها تناولًا وافيًا، وقد وَعَدَ القارئ بأنْ يخصّ موضوع «القيم الإسلامية» بتأليف ثانٍ يُتمم فيه ما بدأه في الكتاب الأول، يكون عنوانه «القيم الإسلامية: صورتها وأبعادها ومجالاتها (دراسة مقارنة)»(2). ولكنّ انشغاله بالتزامات وبأعمال أخرى صرفه عن ذلك، ليظلّ باب البحث في موضوع الكتاب الثاني مُشْرَعًا أمام الدارسين المعاصرين، بعد رَحيله دون تحقيق ذاك الذي كان يطمح إليه. كما نبّهنا الكاتب إلى صعوبة البحث في موضوع القيم الإسلامية، بخلاف ما قد يتوهّمُه بعضُهم من أن ذلك أمرٌ في متناوَل أي باحث! ومردُّ ذلك إلى تشعُّب تلك القيم وتعددها واختزالها جوهرَ رسالة الإسلام برمّتها. وقد عبّر قميحة عن ذلك بقوله: «ليس هناك أصعبُ من البحث في «القيم الإسلامية»؛ لا لغُموضٍ في الموضوع أو انغلاق في مناحيه، ولكنْ لاتساعه وترامي أطرافه ورَحابة مراميه. فالبحثُ في «القيم الإسلامية» يعني البحث في الإسلام كلِّه: أليس الإسلام هو دين القيم الإنسانية والأخلاق النبيلة؟ ألم يقل الله - سبحانه وتعالى-: ﴿إنّ هٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِيْ لِلتِيْ هِيْ أَقْوَم﴾[الإسراء/9] ألم يقل رسول الإسلام عليه السلام: «إنما بُعثت لأتمم مكارمَ الأخلاق»؟ ألم يَصف القرآن الكريم نبيّ الإسلام بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيْم﴾[القلم/4] ألم يكن أول ما نزل من القرآن يعدّ في ذاته دعوة لقيمة إنسانية عُليا هي القراءة وتلقي العلم الهادف لبناء الإنسانية .. لا العلم المدمِّر القاتل؟...»(3).

1- أخلاقيات العصر الجاهلي في منظور الإسلام:

     عَنْوَن جابر قميحة أولَ فصول كتابه بعبارة «مع التاريخ ورصيد الفطرة»، وحاول أن يقدّم فيه دراسة تاريخية واجتماعية أنثروبولوجية موجَزَة لأخلاق عرب الجاهلية، سواء أكانت منتمية إلى خانة الرذائل أم إلى نقيضتها، مبيِّنًا منابعها وأصولها وعواملها، وموضِّحًا موقفَ الدين الإسلامي حين جاء منها.

     ترتبط الجاهلية عادة- بقيم الشرك والضلال والانحلال والعدوان والجَوْر والثأر ونحوها من السلوكيات والأخلاقيات السَّلْبية، علاوة على قائمة طويلة من الرذائل الأخرى التي كانت مُسْتشْرية في القبائل العربية في تلك الحقبة المُوغِلة في القدم، والضاربة في الجهل والبغي؛ من مثل عبادة الأصنام والأوثان، وسيادة منطق الغاب، وقطْع الأرحام، وأكل الميتة الحرام، وإتيان الفواحش، ووأد البنات خشية العار! على أن بعض هذه القيم المنحطّة لم يعمَّ العشائر الجاهلية كلَّها، ولم يكن شأن الجاهليين جميعًا؛ مثل وأد البنات الذي حظَرَتْه جملة من القبائل؛ بل إن بعض عرب الجاهلية عُرفوا ببذل أموالهم منْعًا لوأد كثير من البنات. ومثل الزنا الذي لم يكن من أخلاق الحَرائر؛ بل اشتهرت به نساء قلائل كُنَّ معروفات بين الناس، وأغلبهُنّ من الإماء والجواري.

     وإذا كانت هذه الأخلاق هي «القاعدة» الغالبة لدى عرب الجاهلية، والتي ورثوها أبًا عن جدّ، في كنف مجتمع قبلي كان ينخرُه الفساد بشتى ألوانه، وكان يستعبد الإنسان ويحْرمه من حقوقه الطبيعية، ولم يكن يعلو فيه صوتٌ على صوت الدم والبغي والظلم... إلا أنه عرف «استثناءات» قِيميّة، تتجلّى في جملة من الأخلاقيات الفاضلة، والسلوكيات المحمودة. وهو ما يسوّغ لنا وسْم ذلك المجتمع حقًّا- بمجتمع المتناقِضات. ومن تلك القيم الإنسانية النبيلة الكرمُ، والشجاعة، والنجدة، والمُروءة. وقد كانت هذه الفضائل وأمثالها أشبه بنقط مُضيئة في ديجور شديد الحُلْكة ممتدّ على فضاء واسع جدا! وإنْ شابها غيرُ قليل من الانحراف الجاهلي.

     وهنا يثور سؤال وَجيهٌ عن مصدر هذه الفضائل وسط ذلك الركام المتراكم من الرذائل، فيُجيبُنا قميحة قائلًا: «هذه البقية الباقية من الفضائل في مجتمع الجاهليين، وإنْ تلبّست بالروح الجاهلي، ربّما كانت أقباسًا تسرّبت إلى النفْس الجاهلية من ديانة إبراهيم وهي الحنيفية السمْحاء، أو ربّما من اليهودية والمسيحية اللتيْن كان لهما مكانُهما في جزيرة العرب»(4). وإلى جانب هذه الديانات الثلاث، التي أكّد قميحة فيما بعْد مدى إسهامها الفاعل في غرْس عديدٍ من القيم العليا في نفوس عرب الجاهلية، ذكرَ المؤلِّفُ نفسُه منبعًا آخرَ لتلك القيم، هو الفطْرة الإنسانية النقية، والنظر السليم في الكون والموجودات والآيات الدالّة على عظمة الخالق ووحدانيته، والعقل السليم من الشوائب الذي يرْشد صاحبَه إلى التمييز بين ما هو صالح وما هو طالح .. بين ما هو مُفيد وما هو ضارّ. وهذه الفطرةُ كما جاء في حديث مشهور هي الأصلُ الذي يولَد عليه أيّ مولود، قبل أن تمتدّ إليه مؤثرات خارجية أخرى لتجعل منه يهوديًا أو نصرانيًا أو مجُوسيًا أو أي شيء آخر! وقد سجّل لنا التاريخ حالات من الجاهليين الذين اهتدوا إلى اليقين، وأدركوا الحقيقة، بفضل إنصاتهم إلى صوت الفطرة فيهم، وإعمال عقولهم في تأمل الأشياء من حولهم. ومن ذلك ورقة بن نوفل الأسدي، وزيد بن عمْرو بن نفيل. بحيث رفض الأول عبادة الأصنام التي يصنعها الناس، وانعطف إلى التنصُّر، رغم كل ما جرّه عليه ذلك الاختيار من مضايقات. وفارق الثاني ما كان يعْبده قومه، وسفّه أحلام قريش وأوثانهم، وامتنع عن التزلّف إليها بالقرابين، وتوقف عن أكْل الميتة المحرمة والدم، ونهى عن وأد البنات. ولكنّ ازْوِرار مثل هؤلاء عن معتقدات أقوامهم بالفطرة، وابتعادهم عن جملة من رذائل الجاهلية، لم يكونا ليمنعا من اختلاط الخير بالشرّ لديهم؛ بل إن الروح الجاهلية كانت تتلبّسُهم؛ كما قال قميحة.

     وحين جاء الإسلام خاتمًا للديانات السماوية، ومُهيْمنًا عليها، كان لا مناص من أن يتخذ موقفًا من قائمة «القيم الجاهلية»، أو بالأحْرى مواقف منها تَبَعًا لاختلاف هذه القيم في حد ذاتها. إذ نجده قد بارَك بعض هذه القيم والأخلاق، وأقرّها وأثنى عليها؛ من مثل الكرم والشجاعة ونصْرة المظلوم (حِلْف الفضول مثلًا). وفي المقابل، رفض قيمًا أخرى ممّا اشتهر لدى عرب الجاهلية، وعارضها بشدّة، وحرّمها إطلاقًا، ونهى عنها؛ مثل الميسر والأنصاب والزنا والعدوان. وثمة قيمٌ أخرى لم ينفّرْ منها الإسلام نهائيًا، ولم يقبلها بحذافيرها؛ بل ارتقى وسمَا بها، مع الاحتفاظ بمأصلها النفسي، ومثالُ ذلك قرْض الشعر. فمن المعلوم أن العرب - في جاهليتهم- عُرفوا بالشعر، وبقوله سليقةً وموهبة، وباتخاذه سجِلاّ يحفظ أيامهم وأمجادهم، ويوثق بطولاتهم وأخلاقهم، ويصوّر حياتهم ومعيشهم وعلاقاتهم وغير ذلك من الموضوعات. فهو كان «ديوان العرب»؛ كما قيل. ولم يقف شعراء الجاهلية عند هذا الحدّ؛ بل قالوا أشعارًا كذلك في «أبواب الشرّ»؛ من الهجو المُقذع، والدعوة إلى معاقرة كؤوس الخمرة، والتغزل الفاحش، وخدْش الأخلاق، والتهجم على الأعراض، والمديح الكاذب. ولذا، كان لا بد من أن يرفضها الدين الجديد، ويلحّ على تجاوزها إلى أضدادها الفُضلى. وفي المقابل، حرَص على استمرارية الموضوعات الأخرى التي تثمّن الفضائل، وتتغنّى بالمروءة والشرف وعزة النفس وغيرها، وسعى إلى تنقية ما علق بموضوعات أخرى من شوائب تشينها لتكون في أتمّ الانسجام والتواؤم مع دعوة الإسلام وقيمه العليا. إنّ الدعوة المحمّدية إذًا- لم تحارب الشعر من حيث هو كلام خاضع لضوابط تأليفية محددة (عمود الشعر)؛ بل رفضتْ ضربًا معينًا منه؛ يُشيع الفواحش، ويدعو إلى الموبقات، وينطوي على جملةِ منزلقاتٍ في المعتقد والسلوك والأخلاق. وقد أكد الرسول –صلى الله عليه وسلم- أن من البيان لسحْرًا، ومن الشعر لحكمًا (أو لحكمة). وكان يوجّه الشعراء، ويأْدِبُهم إلى خدمة الدين الجديد، والإشادة برجالاته، والاعتزاز بقيمه، ورثاء قتلى الغزوات الذين استرخصوا دماءَهم لتكون كلمة الله هي العليا. ويُروي عنه كذلك- أنه حدّد الشعر بكونه كلامًا؛ فما وافق الحقّ منه فهو حسَن، وما لم يوافقه فلا خيرَ فيه. والكلامُ عن موقف الرسول –صلى الله عليه وسلم- من الشعر يطول، لذا حسْبُنا ها هنا تسجيل خلاصة موقفه هذا فقط .. فهو قد استهجن شعرًا، واستحسن آخرَ، ولم يرفضه كلّه رفضًا قاطعًا. وموقفه هذا مُستمَدّ من موقف القرآن الكريم المعبَّر عنه في آخر سورة الشعراء.

2- القيم الإسلامية وخصائصُها الجوهرية:

     عقد جابر قميحة ثاني فصول كتابه لتبيان أهمّ السمات المميِّزة للقيم والأخلاقيات الإسلامية، ولإبراز مدى إسهامها في استمرار هذه القيم الإنسانية العُليا وسيْرورتها وتجذرها. وقبل أن يتطرق إلى ذلك بإفاضة- أوْضَح مقصودَه بالقيم في الإسلام بأنها «مجموعة الأخلاق التي تصنع نسيجَ الشخصية الإسلامية، وتجعلها متكاملة قادرة على التفاعل الحيّ مع المجتمع، وعلى التوافق مع أعضائه وعلى العمل من أجل النفس والأسرة والعقيدة»(5). وقسّمها إلى نوعين كبيرين انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وما آتٰكُمُ الرسول فخذوه، وما نَهٰكُمْ عنه فانتهوا﴾(6)؛ أولهما: «قيم التحلي» التي ينبغي تمثلها والعمل بها، مثل الصدق والأمانة وصلة الأرحام وحُسْن الجوار، وثانيهما: «قيم التخلي» التي يلزم اجتنابها والابتعاد عنها بصفة مطلقة، مثل الكذب والزور والسرقة والميسر.

     لقد قاد البحث المعمّق في القيم الإسلامية قميحة إلى رصْد جملة من الخصائص التي تمتاز بها، وأظْهَرُها ثلاثٌ: التدرُّج التكليفي، والوَسَطية العادلة، والهيمنة التشريعية. فما المُراد بكلٍّ منها على حِدَة؟

     إن التدرج من سُنن الحياة الجوهرية، ومن معالم المنهج الرباني في التربية والتشريع، سواء في العبادات أو المعاملات أو العقوبات. وبالتدرج تُهيَّأ النفوس جيّدًا لتقبُّل التكاليف، وتنفيذ الأعمال فعلًا أو ترْكًا عن طواعية وأريحية. وبه تُرسَّخ القيم والتشاريع، وتُتَقبَّل عن اقتناع ثابت. ولذلك، لم ينزل القرآن بجميع أحكامه وتعاليمه وتكاليفه دفعة واحدة؛ بل مُنجّمًا على ثلاثة وعشرين عامًا؛ مراعاةً للاعتبارات المذكورة. ويلاحَظ على تلك التكاليف أيضًا- أنها بدأت قليلة، قبل أن تكْثر في المرحلة المَدَنية حين استقرّ الإيمان في النفوس، وتمكَّن منها. ولم يكن متوقَّعًا أن يتخلى العرب -بغير منهج التدرج- عن الأخلاق السلبية التي تربّوا عليها أرداحًا متطاولة من الزمن، وتوارثوها عن أسلافهم، وأن يتركوها بسهولة بمجرد دعوتهم إلى الإسلام. ولهذا، تعامَل معهم القرآن بمنتهى الحكمة، إلى أنْ أفلح في غرْس قيم بديلة إيجابية في نفوسهم، ودعاهم إلى نشْرها والتحلي بها في القول والعمل معًا.

     ولعل من أبرز أمثلة هذا التدرج كيفية تعامل القرآن الكريم مع قضية الخمر. فالعربُ -في جاهليتهم- كانوا قومًا يشربون الخمر على اختلاف أنواعه ويبالغون فيه غالبًا مبالغةً طالما أفضت إلى نتائج قاسية، وكانوا لا يتورّعون في الدعوة إلى احتساء كؤوسها ووصْفها بأشعارهم. بمعنى أنها كانت عادة مترسِّخة لديهم، لا يروْن أي حرج في الإقبال عليها، وإنْ لمسوا آثارها بوضوح في حياتهم وسلوكاتهم. واستحضارًا لهذه المعطيات كلها، لم يبادر القرآن بتحريم شربها تحريمًا قطعيًا؛ بل جعل ذلك آخر حلقة في مسلسل التحريم. إن موقف الإسلام المُحرِّم للخمر مرَّ بأربع مراحل تدريجية؛ إذ بدأ بإعداد النفوس والتوطئة للخطوة التحريمية الموالية، بالتلميح البعيد فقط(7)، ثم انتقل إلى التمهيد للتحريم بالتصريح المباشر حين وازَن بين مضارّ الخمر ومنافعها، فأكد أن فيها منافعَ للناس قليلةً مقارنةً مع إثمها الكبير الغالب. يقول تعالى: ﴿يَسْئَلُوْنَكَ عَنِ الْخَمرِ والمَيْسِر، قُلْ فِيْهِمَا إِثْمٌ كَبِيْرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ، وَإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمْا﴾(8). وعقب ذلك، جاء النص القرآني بالتحريم الموقوت للخمر؛ حيث نهى عن إتيان العبادات في حالة سُكر، وبذلك ضيَّق من أوقات شُربها تضييقًا كبيرًا جعل بعضَهم ينصرف مباشرة- عن شربها. يقول تعالى: ﴿يٰٓاَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا لَا تَقْرَبُوْا الصَّلوٰةَ وَأَنْتُمْ سُكارٰى حَتّٰى تَعلَمُوْا مَا تَقُوْلُوْنَ﴾(9). وحين تيقّن الإسلام من تهيُّؤ النفوس لتقبُّل قرار التحريم النهائي الباتِّ، ومن اقتناعهم بضررها البالغ وبلاجدوى شُربها، نزلت آية هذا التحريم بعد سبع سنوات من انطلاق مسيرة التحريم التدريجي، داعيةً المؤمنين إلى اجتناب الخمر وأخلاق وسلوكات أخرى من رجس الشيطان الرجيم الذي يسعى إلى إيقاع العداوة بين الناس بتلك الموبقات، والإلْهاء عن ذكْر الله وعبادته، فما كان لهؤلاء المخاطَبين إلا أن بادروا بالاستجابة للخطاب القرآني قائلين: «انتهينا .. انتهينا». يقول تعالى: ﴿يٰٓاَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالميْسِرُ وَالْأنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰنِ، فَاجْتَنِبُوْهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحَوْنَ. إِنَّمَا يُرِيْدُ الشَّيْطٰن أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضاءَ في الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ، ويَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَعَنِ الصَّلوٰةِ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُوْن﴾(10). وجاءت أحاديثُ نبويةٌ عدة تؤكّد هذا التحريمَ القاطع؛ منها نهيُه –صلى الله عليه وسلم- عن التداوي بالخمر لمّا سُئل عن استعمالها في الدواء، فقال: «إنها داء، وليست بالدواء». ومنها قولُه ناهيًا عن التداوي بالمحرمات جميعًا، بما فيها الخمر: «لا تتداووْا بالخمر». ومنها كذلك حديثُه المعروف الذي لعن فيه عشرة ممّن لهم صلة بالخمر، وهم عاصرُها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها و ثمنها ومشتريها والمُشْتراة له.

     وإلى جانب التدرج التكليفي، تتّسم القيم الإسلامية بالوسطية والاعتدال، بخلاف اليهودية المُغْرقة في المادّيات، والإقبال على مُتع الدنيا الفانية، والمسيحية بروحانيتها ورهبانيتها المُفْرطة التي تجعل الذين يدينون بها منقطعين عن الحياة الدنيا ومتاعها. ومن هنا، يظهر مدى تطرّفهما وغلوّهما معًا، وإنْ في نطاقين متناقضين! و«على الرغم من أننا مأمورون بالإيمان بالقيم المسيحية واليهودية التي لا تتعارضُ مع إسلامنا، ولم تُستنسخ به، إلا أن القيم اليهودية بمادّيتها والقيم المسيحية بروحانيتها لم تعُد قادرةً على تشكيل الإنسان، ذي الشخصية القوية المتوازنة، المتفاعل مع الحياة، بعد أن تخطّت البشرية مرحلة طفولتها الأمَمية»(11). وعليه، كان لا بدَّ من إعادة تعريف الإنسان، وتقديم مفهوم صحيح له، والنظر إليه بوصفه كُلًا لا يقوم بناؤه السليم المتوازنُ إلا بمُراعاة جانبيْه المادي والروحي معًا. وهو ما تولاّه الإسلام، بفضل خاتِمِيّته التي اقتضت أن يصوّب الفُهُومَ الخاطئة، وينأى عن الانحياز لجانب على حساب آخر، ويجود على الناس بأنجع الحلول لمختلِف المعضلات والأسقام. ولم يُفارق محمد –صلى الله عليه وسلم- الدنيا إلا بعد أن أرْسى أساسَ هذا الدين، وثبّته في القلوب، ومكّن له في الأرض، وغرَس قيمه في الأنفس، وإلا بعد أن أعلن على العالمين قوله تعالى: ﴿اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ، وأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيْ، ورَضِيتُ لكمُ الإسلامَ دِينًا﴾(12).

     إن الوسطية أو الوسط الذي جاء به الإسلام يعني، كما قال الشيخ محمد عبده، «العدل والخيار، وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تفريط وتقصير. وكلٌّ من الإفراط والتفريط ميلٌ عن الجادّة القويمة، فهو شرّ ومذموم. فالخيارُ هو الوسط بين طرفي الأمر؛ أي المتوسِّط بينهما. والمسلمون خيارٌ وعُدولٌ؛ لأنهم وسط ليسوا من أرباب الغُلوّ في الدين المُفْرطين ولا من أرباب التعطيل المُفرِّطين. وهم كذلك في العقائد والأخلاق والأعمال»(13).

     وبناءً على هذه الوسطية، فالإنسان في التصور الإسلامي لا يستقيم كِيانُه العامّ إذا ما غلّب جانبًا على آخر في شخصيته؛ بل إنه مُطالَبٌ بتلبية مَطالِب الجسد والروح والعقل الذي هو مناط الاستخلاف على وجه البسيطة، وبتحقيق التوازن والهارمونية بين هذه العناصر الثلاثة، وبالتوفيق بينها لا التلفيق؛ من مُنطلَق أنّ الأول يُفضي إلى عمل يتسم بالصدق مظهرًا ومخْبرًا، على حين يترتب عن الثاني عملٌ قد يُبْهر مظهره، ولكنه في حقيقته خواء(14). وقد دعا القرآن الكريم بصريح العبارة إلى هذا التوفيق بين مطالب الدنيا والآخرة .. بين جانبي المادة والروح، بقوله: ﴿وابْتغِ فيما آتٰكَ الله الدارَ الآخِرَة، ولا تَنْسَ نَصِيْبَك مِنَ الدُّنْيَا، وأحْسِن كما أحسن الله إليك، ولا تبْغ الفسادَ في الأرض. إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفسِدِيْنَ﴾(15). وقرَن سبحانه وتعالى هذه الوسطية بالشهادة على الناس، فقال: ﴿وَكَذٰلِكَ جَعْلْنٰكُمْ أمّةً وَسَطًا لِتَكُوْنُوْا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُوْنَ الرَّسُوْلُ عَلَيْكُمْ شَهِيْدًا﴾(16).

     ومن أهمّ ما تتصف به القيم الإسلامية، كذلك، ما أسْماه قميحة «الهيمنة التشريعية»، التي يبرز فيها مدى أهمية النية والباعث في تكييف الأعمال والحُكم عليها. ويَقصد بها الكاتبُ أنّ «كلّ قاعدة من قواعد الشريعة الإسلامية لها طابعُها الأخلاقيّ، ووراءَها الدافع الإنساني، سواء أكانت قاعدة من قواعد المعامَلات أم من قواعد العبادات أم من قواعد الحُدود»(17). وعليه، فلا يَسْلم الحُكم على الفعل أو التكليف أو أي قيمة إلا باستحضار طابعها الخُلُقيّ ومقاصدها والدافع القابع وراءها، ولعل أكثر المجالات التي تتجلى فيها هذه الهيمنة مجالًا العبادات (من صلاة وصيام وغيرهما)، والقواعد القانونية، ولاسيما في ما يُعْرف بالقانون المَدَني، الذي يُعْنى بالمعاملات والعلاقات بين الأفراد.

3- محمد صلى الله عليه وسلم .. رمزُ المُثُل ومنبعُ القيم العُليا:

     سعى قميحة - في الفصل الثالث- إلى التعريف بشخصية الرسول –صلى الله عليه وسلم- نفسيًا وخُلُقيّا، وإلى رصْد ما كان يتحلى به من عظيم القيم والشّيَم في قوله وسلوكه؛ ممّا أهَّله ليكون مَثلًا أعلى يتأسّى به المسلمون، ويقتدون بسيرته، ولاسيما بخصاله التي لا تخصّه باعتبار مقام النّبوة. كما أوْضَح الكاتب معالم المنهج النبوي في تربية أصحابه والمؤمنين برسالته، وفي غرْس القيم الإسلامية في نفوسهم.

     لقد اجتمعت في شخصية الرسول –صلى الله عليه وسلم- كل المُثل والقيم العليا .. كيف لا وهو خير البرية طُرًّا، عصَمَه الله من الزلل، وطهّره، وبعثه إلى العالمين مبشّرًا ونذيرًا وهاديًا إلى سواء السبيل. وكانت أخلاقه ترجمةً عمَليّة لِما نصَّ عليه القرآن أمْرًا ونهيًا، فقد «كان خُلقه القرآن»؛ كما قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-. وقال –صلى الله عليه وسلم-: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي». وقال كذلك مُجيبًا الإمامَ عليًّا - رضي الله عنه- حين سأله عن سُنته: «المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحبّ أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرِّضاء غنيمتي، والعجْز فخري، والزُّهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسْبي، والجهاد خُلقي، وقُرّة عيني في الصلاة»(18). فقد ذكر في حديثه هذا جملة وافرة من قيمه وأخلاقه وشمائله التي كانت الأساس المتين لبناء شخصيته الفذة العظيمة في الدارَيْن.

     إن نبيّنا –صلى الله عليه وسلم- كان نموذجًا للرحمة، والرفق بالناس وبالحيوان، والصدق، وحفظ الأمانة، والحكمة، والموعظة الحَسَنة، والحِلْم ساعة الغضب، وكظم الغيظ، والوفاء، والعفو عن المسيء، والعفة والابتعاد عن الخَنَا والمنكرات، والزهد الإرادي، والتواضُع، والصبر على اللذائذ والشدائد... إن هذه الصفات النفسية «قليل جدا من كثير جدا من «قائمة القيم» التي كانت لهذا الرجل العظيم... الذي لو لم يكن نبيًا بأمْر الله لكان نبيًّا بداعية هذه الشمائل الوضيئة العريضة. إنه كان وسيظلّ- «المثل الأعلى» للبشرية في كل العُصور»(19). ويحفِل القرآنُ الكريم بآيٍ كثيرة، والسنةُ النبوية بأحاديث عديدة، دالّة على ما كان يتحلى به الرسول –صلى الله عليه وسلم- من قيم ومُثل وفضائل، سعى إلى غرْسها في نفوس صحابته بتقديم «القدْوة» لهم في أقواله وأفعاله مع المسلمين وغيرهم، في كل الحالات. يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَاْنَ لَكُمْ فِيْ رَسُوْلِ الله اُسْوةٌ حَسَنةٌ﴾(20).

4- تحدّيات أمام إسلامـية القيم:

     استعرض جابر قميحة - في الفصل الأخير من كتابه- جملةً من التهَم والشكوك المُثارة مِنْ حول الإسلام وقيمه السمحة، سواء من قِبَل المستشرقين الحاقدين أو من قبل بعض المنتسِبين إلى الإسلام أنفسِهم ممّن عمدوا رغم وضوح الحقيقة وجهارتها إلى التشكيك في عدد من القيم الإسلامية، يدفعهم إلى ذلك سوء النية وضعف الوازع الديني لديهم أحيانًا، والانبهار بطروحات الفكر العَلْمانيّ الغربي والتأثر بها أحيانًا، والجرْي وراء بهْرَج الشهرة الجوفاء عملًا بما يُعرَف بقاعدة «خالِفْ تُعْرَفْ»! وبذلك، اغتدى هؤلاء وأضرابُهم معاولَ هدم للأمة وقيمها من الداخل في ظلّ الحرية «غير المسؤولة» المتوفرة لهم تحت ضغط جهات خارجية معلومة. ولم يكتفِ قميحة بجرْد بعض تلك التهم والمطاعن؛ بل ناقش أصحابَها بالبرهان الساطع، والحجّة الدامغة وأثبت بطلانها وجنوحَها عن الجادّة التي يقرّها النص والتاريخ والعقل والفطرة جميعًا.

     لقد أصرّ بعض مُثيري الشُّبَه في طريق إسلامية القيم على اصطناع الحدود بين الأخلاق والدين، داعِين إلى «العلمانية الأخلاقية»، التي لا ترى تلازُمًا بين جانبي الدين والخُلُق؛ بل يمكن أن يقوم أحدهما في غياب الآخر. وانطلاقًا من هذا الاقتناع، راحوا يقدّمون أمثلة من الماضي العريق والواقع المعيش تأييدًا لزعْمهم؛ فادّعوا أن الغرب الكافر حقق اليومَ انتصارات متتالية، وتفوّق اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا وعلميًا تفوُّقًا جعله يتسيَّد العالم، ويتحكم في زمام أموره، ويرسُم مساراته وَفق تخطيطاته المحققة لمصالحه بالدرجة الأولى، على الرغم من أنّ مؤشّرات القيم والأخلاق في مجتمعاته متدنّية جدّا؛ بحيث يعيش مفاسد كثيرة، وانحلالًا خلقيًا صارخًا، وتشيع فيه الموبقات على اختلافها بصورة مُخيفة جدًا. هذا في الوقت الذي انحطّ فيه المسلمون، وتراجعوا في سلم التحضر والتقدم، على الرغم من أنهم أمة القرآن، التي هي خير أمة أخرجت للناس، ومن أن رسولهم خير الأنام جميعًا. ولكن القرآن ربط «خيرية» هذه الأمة بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله حق الإيمان. ويعود هؤلاء المرتابون إلى ماضي الأمة للقول: إن الدولة الإسلامية قد سجّلت أعظم انتصاراتها في عهود كان الفساد غالبًا عليها، في الأخلاق وغيرها! ويتخذون من دولة بني العبّاس، على عهد الخليفة هارون الرشيد، ومن عاصمتها بغداد تحديدًا، أبرز الأمثلة المؤيِّدة لزعمهم! فهم يروْن أن المسلمين حققوا إبّانئذٍ- إنجازات كبرى، رغم ما ساد بينهم من مظاهر الانحلال الخُلُقي (الخمر الفساد الجواري والغلمان الغزَل الإباحي...)!

     وقد كانت هذه الشُّبْهة الأخيرةُ فرصةً ليوضّح لنا قميحة بعض الحقائق المتصلة بتلك الفترة من تاريخ الإسلام؛ من ذلك أن هذا التاريخ سقط ضحية مخطّط صليبي صهْيوني استشراقي مدروس نجح في تشويه كثير من معالمه، ولاسيما في أزْهى عصوره، حتى يُفجع المسلمون في مُثله وقيمه العُليا. وجعل مؤرِّخو الإسلام ذلك التاريخ برمّته معتمِدًا على نقطتيِ ارتكاز أساسيتيْن، هما: الحاكم والعاصمة، رغم ما عُرف عنهم من تدقيق وتحرٍّ عميق. وعليه، فأي سقطة تقع في عاصمة الخلافة، أو تصدر عن حاكم ما، يتم إسقاطها وتعميمها مباشرةً على جميع الأقاليم ووُلاة أمور المسلمين وقادَتهم، في غياب أي استقصاء أو تتبُّع موضوعي للأحداث والمعطيات؛ بل كان يتم الانطلاق من وقائع معزولة ومن ظواهر فردية لاستنباط أحكام منها تعمَّم على الباقي بكثير من التعسُّف! وكان يكتفي أولئك المؤرخون غالبًا- بالوقوف عند الأسباب الظاهرة دون التعمّق والتغلغل إلى الأعماق والبواطن للوصول إلى معرفة حقيقة الدوافع إلى الأحداث المُشاهَدَة. وعليه، كانت تأتي أغلب تفسيراتهم ناقصة وقاصرة. ينضاف إلى ذلك بُعْد بعضهم عن الموضوعية والحياد، من جراء تأثرهم بالتيارات السياسية والمذهبية التي بدأت تتناسل في المجتمع العربي بدايةً من العصر الأموي. كما أن تركيز أولئك الشّاكّين المُغرضين على جانب معين مقصود من شخصية هارون الرشيد، و «لياليه المِلاح»؛ كما زعموا، وغضّ الطرْف عن باقي جوانبها ينطوي على تجَنٍّ واضح عليه، وعلى قصْد مبيّت لتشويهه والتبخيس من قيمة ما أسْداه من خِدْمات جليلة للدولة الإسلامية في العصر الوسيط. وقد انبرى عدد من مؤرِّخينا القدامى؛ كابن جرير الطبري وابن خلدون الحضرمي، للردّ على مثل هذه التهم التي تجانب الصواب والحق. إذ نجد أولئك الشاكّين ينعتون الرشيد بالسكّير وبصفات سلبية أخرى، فاختزلوا شخصيته في هذا الذي أرادوه فقط، دون أن يأتوا على ذكر شيءٍ من فضائله وشيمه وخُلُقه النبيل؛ من مثل الإحسان إلى العلماء والأولياء، وما كان عليه من العبادة والحفاظ على الصلوات في أوقاتها والإكثار من النوافل، وما امتاز به من عدل وحزم وغيرة...

     إن غاية هذه المطاعن أن تثبت في محاولات يائسة لاجدْوى القيم والأخلاق في حياة الإنسان، وتنفي أي صلة لها بالدين وبصُنْع النهضة والانتصارات؛ تمهيدًا لرفض أطروحة «إسلامية القيم». والواقع أن «الفصل بين الدين والخُلُق سيظل فصلًا صناعيًا واهيًا؛ لأن الدين هو أقوى المصادر وأغناها بالقيم الخلُقية»(21). وقد يحلو لبعضهم وَسْمَ هذه القيم في الإسلام بالثبات، وبأنها غير صالحة لكل زمان ومكان، بقدْر ما تناسب السياق والمجتمع اللذين ظهرت فيهما أول الأمر! والصوابُ غير ذلك؛ لأن القيم الإسلامية مَرِنة سمْحة تتطور في إطار الثوابت .. إنها كما قال قميحة «ثابتة ولكنها غير جامدة، مرنة ولكنها لا تقبل التميّع .. تعرف السماحة، ولكنها لا تقبل التهاون»(22).  

     ويدعو بعض أبناء جلدتنا المُسْتَلَبين المتغرِّبين إلى تبنّي خيار العَلْمانية في حياتنا كلها، لا في الأخلاق وحدَها. وإن هذا الأمر «إذا جاء من حاكم فهو لعدم أهليته للحُكم، وللهرب من المسؤولية التي يُلقيها الإسلام على عاتقه... وإنْ كان من مفكّر فهو قُصور في معرفة الإسلام، وخداع نفسه وغيره بعرْض قضايا يدرك أطرافها فقط دون جوهرها. وإنْ كان من سياسيّ فهو للتلاعُب بالفكر غير الناضج، والتمويه في حلبة المناقشة السياسية. وإنْ كان من فتى وفتاة فهو للتحلل من التزام الإيمان في التوجيه والسلوك، والانطلاق في شهْوة البطن والفرج والملْبَس»(23). 

     والحقُّ أن الحرص على العلمانية لتكون منهج المسلم في حياته رُمَّتِها ينِمُّ عن اختلال في الفكر والتفكير لدى دُعاتها، وعن انبهار سالب بما لدى الآخرين المختلِفين عنّا معتقدًا وأخلاقًا وأسلوبَ حياةٍ، وعن رغبة في البحث عن متنفَّس للتعويض عن النقص والعجز. وتبقى الدعوة إلى إشاعة القيم الإسلامية، وربْطها بمنبعها الديني، واستحضارها في كل مجالات الحياة أمورًا ضرورية بالنسبة إلينا نحن المسلمين ولاسيما في اللحظة الحضارية الآنية التي تُحاصَر فيها تلك القيم، وتنصب في طريقها أشواك ومعرْقلات كثيرة إذا أردْنا فعلًا- استعادة مجْدنا، وتبوُّء مكانة سَنيّة بين الأمم، وبناء مجتمعات متماسكة قوية. يقول جابر قميحة في هذا المُتَّجَه: إن «الدعوة إلى العلمانية والحرص عليها فكرًا وتطبيقًا لم تصدر من أصحابها عن اقتناع بقدْر ما هي نتيجة لمجموعة من «النقائص الذاتية»، من أبرزها العجز والهروب والأنانية. وفي المقابل، تبقى الدعوة إلى «إسلامية الأمّة»، في السياسة والخُلق والاقتصاد والتعليم، لا دعوة إصلاحية فحسْبُ، ولكن دعوة بنائية بكل ما في كلمة «البناء» من معنىً: هناك أنقاضٌ لا بد أنْ تُرفع، وهناك أسُس وجذور لا بد أن ترسخ وتضرب في الأعماق، وهناك صُروح لا بد أن ترتفع وتشْمخ بالعقيدة وعِزّة الإيمان .. نعم، لا يكفي الإصلاح بالترميم والطّلاء؛ لأن ذلك لون من خداع النفس والكذب على الواقع. فالترميمُ ترقيعٌ موقوت، والطلاء بهْرَجٌ خدّاع .. وكلاهما قد يُخفي ما في البناء من وَهَن وعيوب، ولكن تبقى الحقيقة هي هي»(24). 

*  *  *

الهوامـــش:

(1)      المدخل إلى القيم الإسلامية، دار الكتاب المصري (القاهرة)، دار الكتاب اللبناني (بيروت)، ط.1، 1984، ص 7. 

(2)      نفســه، ص 8.

(3)      نفســه، ص 11. 

(4)      نفسـه، ص 26، بتصرف.

(5)      نفســه، ص 41.

(6)      سورة الحشر، من الآية 7. (رواية ورش)

(7)      سورة النحل، الآية 67.

(8)      سورة البقرة، من الآية 217.

(9)      سورة النساء، من الآية 43.

(10)    سورة المائدة، الآيتان 92 – 93.

(11)    المدخل إلى القيم الإسلامية، ص 64، بتصرف.

(12)    سورة المائدة، من الآية 4.

(13)    تفسير المنار، مطبعة المنار بمصر، ط.2، 1350 هـ،2/4.

(14)    المدخل إلى القيم الإسلامية، ص 76.

(15)    القصص، الآية 77.

(16)    البقرة، من الآية 142.

(17)    المدخل إلى القيم الإسلامية، ص 78.

(18)    القاضي عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، تح. محمد أمين قرة علي وآخرين، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، د. ت، 1/289.

(19)    المدخل إلى القيم الإسلامية، ص 115، بتصرف.

(20)    سورة الأحزاب، من الآية 21.

(21)    المدخل إلى القيم الإسلامية، ص 129.

(22)    نفســه.

(23)    محمد البهي: العلمانية والإسلام بين الفكر والتطبيق، مطبعة الأزهر، القاهرة، ط 1976، ص 54.

(24)    المدخل إلى القيم الإسلامية، 143.

*  *  *

الإســـــــلامُ والأخـــــــوة

بقلم:  الأستاذ أسامة  نور/ القاسمي (*)

 

 

 

     الأُخُوَّةُ: مصدر من «ن» أَخَا فلانًا أُخُوَّةً وإِخَاوَةً: اتَّخَذَه أخًا. وكذلك آخَىٰ فلانًا مؤاخاةً وإِخاءً: اتَّخَذَه أَخًا. وآخَىٰ بينهما: جَعَلَهما كالْأَخَوَيْنِ. وتَآخَا: صارا كالأخوين، يقال: بين السَّماحَة والحَمَاسَة تَآخٍ.

     والأخُ: من جَمَعَكَ وإِيَّاه صلبٌ أو بطنٌ أو هما معًا. والأخ من الرَِّضَاع: من يشارك في الرَِّضَاعة. ويُسْتَعَار في كل مشارك لغيره في قبيلة أو دين أو صَنْعَة أو مُعَامَلَة أو مَوَدَّة أو غيرها. كما جاء في قوله تعالى: «يٰٓأَيُّهَا الَّذِيْنَ ءَامَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإخْوَانِهِمْ» (آل عمران/156). ومعنى «لِأخْوَانِهِمْ»: لمشاركيهم في الكفر. وقوله تعالى عن السيدة مريم عليها السلام - «يٰأُخْتَ هٰرُونَ» (مريم/28) أي في الصلاح لا النسب؛ وقوله تعالى: «وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ» (الأحقاف/21) ومعنى أَخَا عَادٍ: أحد رجالها.

     ويُسْتَعَار للصديق، فيقال: «إنّ أَخَاك من آساك» أي إن أخاك من قَدَّمك وآثَرَكَ على نفسه؛ «ورُبَّ أَخٍ لم تَلِدْه أُمُّك» والمراد ههنا: الصديق، فإنه ربما أَرْبَىٰ في الشفقة على الأخ من الأب والأم. ويقال: «أَخوك من واساك بنشب مال لا من واساك بنَسَب» والمعنى: أخوك من أَعَانَك بماله لا من يذكر لك قرابتَه.

     والأُخُوَّةُ: قد تُسْتَعَارُ للشفقة والرأفة والرحمة؛ لأن الأخ يُتَوَقَّع منه إذا لم يتحوّل عن طبعه وأصله أن يُشْفِق على أخيه ويَرْحَمَه ويَلْطُفَ به ويُرَاعِيَ مصالحه مثل مُرَاعَاتِه لمصالحه هو.

     من ثَمَّ جاء التأكيد على اتخاذ الأخ الصادق المواسي المشارك في الآلام والأحلام والأحزان والمَسَرَّات. قال الشاعر العربي:

أَخَاكَ أَخَاكَ؛ فَمَـنْ لَا أَخَ لَـهُ

كَسَاعٍ إِلَى الْهَيْجَاءِ بِغَيْرِ سِلَاحٍ

     يعني الشاعر أَنَّ الحياة في الواقع مَعْرِكَةٌ يَعْبُرُهَا الإنسانُ ويخوضها بسلاح مُغْنٍ ماضٍ مُتَمَثِّل في صديق حميم قد يكون أَشَدَّ إشفاقًا عليه ولُطْفًا به وفِدَاءً له من أخيه في الأم والأب؛ فمن لا صديق له حميمًا فكأنه مُتَسَارِعٌ إِلى الحرب بغير سلاح يَفْتِكُ به بالأعداءَ ويكسب به الحربَ.

     فتأكّدتْ حاجةُ الإنسان إلى أن يصطنع له صديقًا أو أكثر يُعِينه على مواجهة قضايا الحياة ومشكلات العيش التي تتتابع وتزدحم على طريق الحياة لتحول دون وصول الإنسان إلى غايته وهدفه.

     والمسلمُ أَحْوَجُ الناس إلى اصطناع الصديق؛ ليستعين به في أداء دوره في الحياة نحو نفسه ونحو مُجْتَمَعه ونحو دينه وعقيدته ونحو وطنه؛ وليُؤَدِّي الحقوقَ التي تجب عليه ويستوفي الحقوقَ التي تجب له؛ وليعمل به بأوامر الله ونواهيه؛ وليقوم به بالدعوة إلى الله، وإعلاء كلمته، وإعزاز دينه، ورفع شأنه، وإرساء بنيانه؛ وليجاهد به الأعداءَ، المتربصين بالإسلام والمسلمين الدوائر، الذين يحاربونهما على جَبَهَات كثيرة يفتحونها كلَّ يوم، ويَشُنُّون عليهما حَرُوبًا كثيرة قد لا تكون بالحسبان، بأساليب تقلدية، وأخرى حديثة غير تقلدية.

     إنّ الأخ الشفوق اللطوف الصدوق والصديق الحميم السليم الطبع، المستقيم السيرة، النزيه السريرة، الصالح الأعمال، الفاعل الخير، الباذل النفس والنفيس، المؤثر أخاه الصديقَ على نفسه في كل مناسبة، ولدى كل حاجة، ضرورة كل مسلم يودّ أن يعيش حياةً هادفةً، ويَحْيَىٰ ليُؤَدِّي مُهِمَّات في الحياة يُرْضِي بها اللهَ ورسولَه –صلى الله عليه وسلم-.

     وقد أَرْسَىٰ النبيّ –صلى الله عليه وسلم- دعائم هذه الأخوة عندما آخى إثر هجرته إلى يَثْرِبَ المدينة المنوّرة بين المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم الذين آثروا إخوانهم المهاجرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.

     وقد قال الله تعالى: «إِنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (الحجرات/10).

     ولم ينتشر الإسلامُ بشيء بمثلما انتشر بالأُخُوَّة التي جَوْهَرُها الخُلُقُ الحَسَنُ الذي جَعَلَ الرعيلَ الأوّلَ وَسِعُوا به الناسَ سِعَةً لم يَسَعُوها إِيَّاهم بالمال، وهو الذي كسبوا به الأعداء وامتلكوا به قلوبَ الناسَ، وبه خَضَعَ لهم الشرق والغرب، إلى جانب الصفات الإنسانيّة السامية التي مَيَّزَتْهم عن كل من بعدهم.

     ويليه الخلق الحسن في الْأَهَمِّيَّة التَّوَادُّ والتراحم؛ لأن وحدة النفس هي الأصل في الخليقة الإنسانيّة، ودوامُ استقرار حياتها يتوقّف على التمسّك بهذا الأصل. ويَتَأَتَّىٰ ذلك بتحقيق التواصل والترابط بين أفراد هذه الخليقة، على اختلاف ألوانهم وأجناسهم، وديارهم وأوطانهم. وهذا التَّوَحُّدُ والترابطُ يَسْهُلُ ويَتَأَكَّدُ وجوده عندما تتوافر العناصر الداعية إليه من الدين والعقيدة، واللغة والثقافة، والحضارة والتأريخ، والتقاليد والعادة، والمصير المشترك.

     ولذلك فالتَّوَحُّدُ والترابط وبالتالي التَّوَادُّ والتعاطف الذي يوجد بين أبناء الإسلام رغم اختلاف ألوانهم وأعراقهم وأوطانهم، لايُوجَدُ نظيرُه بين أبناء مجموعة بشريّة أخرى. وذلك ما صَرَّحَ به النبيّ الصادق المصدوق سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- إذ قال: «مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم؛ مثل الجسد، إذا اشْتَكَىٰ منه عضوٌ، تَدَاعَىٰ له سائرُ الْجَسَد بالسَّهَر والحُمَّىٰ» (مسلم: 827؛ أحمد: 18373).

     فالمؤمنون يجب أن يكونوا على هذا المستوى من التَّوَحُّد والتجانس، والانسجام والأخوة الحقيقية، حتى إذا أصاب أحدَهم مصيبةٌ، من الهمّ والحزن، والمرض والأزمة والمشكلة، والجوع والعطش، والاحتياج، اغْتَمَّ جميعُهم وتقاسموا المصيبةَ، وشاركوا في علاجها، وبادروا إلى إزالتها، بكل ماعندهم من قُدُرَات وحيل، وتدابير و وسائل:

     إن التعبير النبويّ جاء أبلغَ ما يكون في إجلاء معنى التَّوَحُّد والانسجام، الذي يجب أن يَتَجَسَّد في المؤمنين والمجموعة الإسلاميّة التي تؤمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد –صلى الله عليه وسلم- نبيًّا.

     وقد وَرَدَ الحديثُ في رواية أخرى بلفظ آخر:

     «المؤمنون كرجل واحد، إن اشْتَكَىٰ رأسُه، تَدَاعَىٰ له سائر الجَسَد بالحُمَّىٰ والسَّهَر» (صحيح مسلم: 2586).

     إنّ الحديث بروايتيه يدعو المسلمين إلى تعظيم حقوقهم فيما بينهم، والشعور البالغ بالمسؤولية نحو آخرين، ويَحُثُّهم حثًّا مُؤَكَّدًا بالغًا على التعاطف والتعاضد، وتقاسم الأحزان والآلام.

     وما عَبَّرَ به الحديث من «السَّهَر والحُمَّىٰ» عن المشاركة في آلام الفرد المصاب من المؤمنين، عامرٌ بالدروس وزاخر بالعبر، وداعٍ دعوةً قويّةً إلى التأمّل والملاحظة؛ حيث إنّه يقتضي أن لا يقتصر المسلم في نصرة أخيه على الوسائل المادية المألوفة، وإنما يجب أن يَتَبَنَّىٰ الوسائل المعنوية كذلك. فالمسلم لا يكتفي في نصرة المظلومين من إخوانهم باتخاذ واستخدام وسائل الدفاع والحرب، وإنما يستخدم كذلك وسائلَ التوسّط، والمفاوضات والمشاورات السياسية والدبلوماسيّة، التي احتلّت اليومَ أهميّةً كبرى في التوصّل إلى حلّ للمشكلات العالقة والقضايا المُعَقَّدَة.

     وذلك أن المسلم مُكَلَّفٌ نصرةَ مسلم ظالمًا كان أو مظلومًا، وليس مُكَلَّفًا أن ينصره مظلومًا فقط؛ فقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «اُنْصُرْ أَخَاك ظالمًا أو مظلومًا» قيل:كيف أنصره ظالمًا؟. قال: «تحجزه تمنعه عن الظلم؛ فإن ذلك نصره» (البخاري: 2444؛ الترمذي: 2255).

     إن منع الظالم من الظلم نصرة له، حيث لايستمرّ بعد المنع من الظلم في الظلم، فيكتسب مزيدًا من خسارة الدنيا والآخرة.

     ولتقوية رابطة الأخوة الإيمانية بين المسلمين أَمَرَ الإسلامُ أبناءه بتبادل الزيارات ابتغاءَ وجه الله تعالى واحتسابًا لأجره، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: «أن رجلاً زارَ أخًا له في قرية أخرى، فأَرْصَدَ وَكَّلَ الله له على مَدْرَجَته طريقه مَلَكًا. فقال: أين تريد؟. قال: أخًا لي في هذه القرية. فقال: هل له عليك من نعمة تَرُبُّها تَسْتَوْفِيها؟. قال: لا، غير أني أُحِبّه في الله. قال: فإني رسولُ الله إِليك، بأن الله قد أحبَّك كما أحببتَه فيه» (مسلم: 2567).

     وهذه الزيارات تَتَأَكَّد إِذَا كان الأخ المسلم المزَوُرُ في حاجة من العون، لضعف طَرَأ عليه، أو مَرَض أَلَمَّ به، أو مصيبة نزلت عليه، أو حاجة اشتدّت به.

     ولذلك كانت عيادةُ المريض والمُصَاب والمنكوب جامعةً للفضائل. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله، نَادَاه مُنَادٍ: بأن طِبْتَ، وطاب مَمْشَاك، وتَبَوَّأْتَ من الجنّة منزلاً» (الترمذي: 2008).

     وفي روايةٍ لمسلم:

     «من عاد مريضًا لم يَزَلْ في خُرْفَة الجنة حتى يرجع» (صحيح مسلم: 2568) والخُرْفَة: مايُجْتَنَىٰ من الفواكه في الخريف.

     ولتقويتها أَمَرَ الإسلامُ بالحبّ في الله، الذي وردت فيه فضائل كثيرة عظيمة؛ فعن أنس رضي الله عنه عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه وَجَدَ بهنّ حلاةَ الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحب المَرْأَ لا يُحبّه إلا لله» (متفق عليه: البخاري: 16؛ مسلم:43).

     وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «سبعةٌ يُظِلُّهُم اللهُ في ظِلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمامٌ عادلٌ؛ وشابٌّ نَشَأَ في عبادة الله عزّ وجلّ؛ ورجلٌ قلبُه مُعَلَّق بالمساجد؛ ورجلٌ تَحَابَّا في الله اجْتَمعَا عليه وتَفَرَّقَا عليه؛ ورجلٌ تَصَدَّقَ بصدقة، فأَخْفَاها حتى لا تعلمَ شِمَالُه ما تُنْفِق يمينُه؛ ورجل ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا ففاضتْ عَيْنَاه» (متفق عليه: البخاري:660؛ مسلم:1031).

     وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده لاتدخلوا الجنةَ حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حتى تَحَابُّوا. أَوَلا أَدلُّكُمْ عَلَى شيء إذا فعلتموه تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السلامَ بينكم» (مسلم:54).

     ولتقويتها وَرَدَتْ أحاديثُ تدعو إلى عيادة المريض والحبّ والزيارة في الله وتشميت العاطس، ورَدِّ السلام، وإجابة الدعوة، واتّباع الجنائز. عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أَمَرَنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بعيادة المريض، واتّباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسِم، ونصرة المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام» (متفق عليه: البخاري:5175؛ مسلم: 2066).

     وعن أبي هريرة رضي الله أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «حقُّ المسلم على المسلم خمسٌ: ردُّ السلام، وعيادة المريض، واتّباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (متفق عليه: البخاري: 1240؛ مسلم 2162).

     ولتقويتها واجتناب ما يُؤَدِّي إِلى ضعفها أو زوالها، أَمَرَ الكتابُ والستةُ بالنهي عن كل من سبّ المسلم بغير حق، فقال –صلى الله عليه وسلم-: «سِبابُ المسلم فسوقٌ وفتا له كفر» (متفق عليه: البخاري: 48؛ مسلم: 64).

     وإيذاء المسلم، فقال –صلى الله عليه وسلم-: «المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده» (متفق عليه: البخاري:10، مسلم:41).

     والتباغض والتقاطع والتدابر والتحاسد، فعن أنس رضي الله عنه أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تَبَاغَضُوا، ولا تَحَاسَدُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا تَقَاطَعُوا، وكُونُوا عِبَادَ الله إخوانًا، ولا يَحِلُّ لمسلم أن يَهْجُرَ أخاه فوق ثلاث» (متفق عليه: البخاري: 6073؛ مسلم: 2559).

     وعن سوء الظن بالمسلمين، فقال تعالى: «يٰٓأَيُّهَا الَّذِيْنَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَنِّ إِثْمٌ» (الحجرات/12).

     وقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «إِيّاكم والظنَّ؛ فإن الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» (متفق عليه: البخاري:6064؛ مسلم:2563).

     وعن إظهار الشَّمَاتَة بالمسلم، فعن وَاثِلَةَ بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «لا تُظْهِر الشَّمَاتَةَ لأخيك؛ فيرحمه الله، ويبتليك» (الترمذي: 2506).

     وعن الغشّ والخِدَاع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال: «من حمل علينا السِّلاَحَ فليس منّا، ومن غَشَّنَا فليس منّا» (مسلم:102)

     ولتقويتها الرابطة الأخوية بين المسلمين أمر النبي –صلى الله عليه وسلم- المسلم أمرًا مؤكدًا أن ينظر إلى أخيه المسلم بالحبّ والحنين، فقال: «نَظَرُ الرَّجُلِ إِلى أخيه على شوق، خيرٌ من اعتكاف سنة في مسجدي هذا» (الحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: نوادر الأصول في أحاديث الرسول 2/139).

     وإفشاءُ السلام بين المسلمين خيرُ وسيلة لتقوية الأخوة الإيمانية، كما أنه طريق مُبَاشِرٌ إلى الجنة، فعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: أول ما سمعتُ من كلام رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن قال: «أيها الناس! أَفْشُوا السلامَ، وأَطْعِمُوا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناسُ نِيَامٌ تدخلوا الجنة بسلام» (الترمذي: 1855؛ ابن ماجه: 1334؛ الحاكم: 7277).

*  *  *



(*)          مساعد دارالإفتاء وأستاذ بمدرسة وصية العلوم، برنامبت، بولاية «تامل نادو».

(*)          باحث من المغرب.

(*)        المتخرج من الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند والحامل لشهادة الماجستير في الفلسفة في اللغة العربية وآدابها من جامعة دهلي.