ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، جمادى الآخرة  1438 هـ = مارس 2017م ، العدد : 6 ، السنة : 41

 

الفكر الإسلامي

 

من ظلال التفسير

بقلم : شيخ الإسلام شبير أحمد العثماني رحمه الله

(1305-1369هـ/1887-1949م)

تعريب : أبو عائض القاسمي المباركفوري

 

 

 

     وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)

فائدة:

     والحاصل أن الله تعالى علَّم آدم اسم كل شيء مع حقيقته، وخواصه، وضرره ونفعه، وألقى هذا العلم في رُوعه من غير واسطة، إذ كيف تتأتى الخلافة والحكم في الأرض دون نيل هذا الكمال العلمي، ثم سأل الملائكةَ عن هذه الأشياء حيث كان أطلعهم على الحكمة في ذلك، بأنكم إن كنتم صادقين فيما تزعمون لأنفسكم من القيام بأعباء الخلافة في الأرض فأخبروني بأسماء هذه الأشياء، ولكنهم اعترفوا بعجزهم عن ذلك وتقصيرهم فيه، و علموا كل العلم بأنه لايتمكن أحدٌ من القيام بوظيفة الخلافة في الأرض دون هذا العلم العام. وهذا العلم العام وإن كانوا الملائكة - قد نالوا منه القدر القليل؛ ولكن هذا القدر منه لايغنيهم في التأهل للخلافة. فقاموا وقد علموا أنه لايدرك علم الله وحكمته أحد.

قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)

فائدة1:

     ثم سئل آدم عن أشياء العالم كلها فانطلق يجيب عنها للملائكة، فبُهتوا وتحيروا، فأثنوا عليه واستحسنوه، فقال الله تعالى لهم: ألم نقل لكم إنا نعلم ما خفي في السماوات والأرض كلها، كما لايخفى علينا ما يكنّه صدوركم.

فائدة2:

     فيدل على فضل العلم على العبادة، ألا ترى أن الملائكة قد بلغوا من كثرة العبادة مبلغًا عظيمًا جعلهم معصومين عن الذنب، غير أنهم كانوا أقلّ علمًا من البشر، فاستُخلِفَ البشر دون الملائكة، وقد اعترف بذلك الملائكة أيضًا، وهو المطلوب؛ لأن العبادة من خواص المخلوق، وليست من صفات الله تعالى، وأما العلم فهو من صفات الله تعالى، فاستأهل آدم للخلافة؛ إذ ما من خليفة إلا ويجب أن يتصف بالكمال عمن استخلفه.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)

فائدة1:

     وبعد أن تأكدت خلافة آدم - عليه السلام- أُمرَ الملائكةُ والجن معهم أن يسجدوا لآدم، ويتخذوه قبلةً لهم،كما أن الملوك يبدأون بترشيح ولي العهد لهم، ثم يأمرون أعضاء الدولة بتقديم ولائهم وعهودهم حتى لايدعوا لأحد مجالًا للعصيان والخروج عليهم، فسجدوا جميعًا إلا إبليس، كان أصله من الجن، وخالط الملائكة كل المخالطة. وإنما حمله على العصيان أن الجن كانوا  يتصرفون في الأرض منذ عدة آلاف سنة، وكانوا يرتقون إلى السماء، فلما أكثر وا من الفساد وسفك الدماء قَتَلَ الملائكةُ بعضهم، وفرَّقوا آخرين منهم إلى الغابات والجبال والجزر، وكان إبليس عالماً كبيرًا وعابدًا منهم، وبرَّأَ ساحته من إفساد الجن، و نَجَا من العقوبة بشفاعة من الملائكة، وأخذ يَصْحَبهم ويعيش فيهم، وذلك طمعًا أن يجعل مستبِدًّا بالتصرف فيما في الأرض، وأجهَدَ نفسَه في العبادةِ، ونفسُه تسول له الخلافة في الأرض، فلما ظهر أمر الله تعالى بخلافة آدم في الأرض صُدِمَ إبليس باليأس والقنوط، وحملته ثورةُ الحسد على ضياع العبادة التي تظاهر بها حتى فعل ما فعل، واستحق اللعنة.

فائدة2:

     أي كان كافرًا من ذي قبل في علم الله تعالى، وإن لَـمْ يَبْدُ ذلك لغيره سبحانه إلا حينئذ، أونقول: أصبح كافرًا؛ لأنه جحد أمر الله تعالى استكبارًا، واعتد أمره تعالى معارضًا للحكمة والمصلحة وعارًا عليه، لا أنه اكتفى بعدم السجود .

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)

     فائدة: والمشهور أن الشجرة هي الحنطة وقيل: هي الكرم، أو التين أو الترنج، والله أعلم.

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)

فائدة1:

     قالوا: بدأ آدم وحواء العيش في الجنة، وأخرِجَ الشيطانُ مما كان من العز والمكانة، وفازداد حسدًا على حسد، فاحتال حتى دخل الجنة وأدخله إليها الطاؤوس والحية. وراود الشيطان حواء بحيل شتى حتى أزلها فأكلت من الشجرة، وأطعمت آدم منها، وأكد لهما الشيطان أنهما سيكونان من المقربين إلى الله تعالى إذا أكلا منها. وأما ما نهاهما الله تعالى منه فخلق له معاذير واهية. وستأتي القصة بتفاصيلها لاحقًا.

فائدة2:

     وبسبب هذه الخطيئة  خاطب الله تعالى آدم وحواءَ  وذريتهما التي ستُنشأ مستقبلًا وأمَرَهُم جميعًا: اهبطوا من الجنة إلى الأرض، بعضكم لبعض عدوّ، وستعانون فيها معانات كثيرة بسببه. وليست الجنة دارالعصيان أو دار العداوة والشحناء، وإنما تليق هذه الأمور بالدار الدنيا التي تُمتَحنون فيها.

فائدة3:

     أي لن تدوموا في الدنيا، إنما لأجل مسمى، وتتمتعون بما فيها، ثم إلينا مرجعكم. والأجل المسمى لكل أحد هو موعد موته،وأما بالنسبة إلى العالم كله فهو القيامة.

فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)

فائدة:

     قرع آذان آدم أمرُ الله تعالى المشوب بالعتاب، وأُخرِج من الجنة، فأكب آدم على التضرع والابتهال إلى الله تعالى ندمًا على ما فرط منه، حتى ألقى الله تعالى في روعه بعض الكلمات وألهمه إيّاها برحمة منه، فقُبلت توبته، وهذه الكلمات هي قوله: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الخ.

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)

فائدة1:

     المعنى أن الله تعالى قبل توبة آدم- عليه السلام- إلا أنه لم يسمح لهم بالعيش في الجنة، إنما أمرهما بالهبوط إلى الإرض والعيش فيها، وأقرَّ أمره بالهبوط إليها، لأنه هو الذي كان يتطلبه المصلحة، ولايخفى أنه إنما استخلف في الأرض لا في الجنة، و نَبَّه الله تعالى على أن الذي يطيع أمر الله تعالى لن يضره العيش في الأرض، بل ينفعه، وأما العصاة فلهم نارجهنم. وهذا الفرق والامتحان إنما يناسبان الدنيا.

فائدة2:

     الغم الذي يصيب الإنسان بسبب مصيبة قبل حلولها يطلق عليه الخوف، والغم الذي يصيبه بعد حلولها يطلق عليه الحزن. مثلا اغتمامك بسبب توقع موت المريض وهو لم يمت بعدُ هو الخوف، واغتمامك بسبب وقوع موته هو الحزن. والخوف والحزن المنفيان في هذه الآية إن أريد بهما الخوف والحزن في الدنيا، فمعنى الآية: أن الذي اتبع هداي فإنه لا يمتد إليه يد الخوف من أن يكون على غير هدى، أو يكون تغريرًا أو خداعًا من الشيطان، كما أنهم لايحزنون على أن فات أباهم الجنة، فإن المهتدين سيدخلون الجنة قريبًا. وإن أريد بهما الخوف والحزن في الآخرة فمعنى الآية أن المهتدين لايخافون ولايحزنون يوم القيامة، فأما عدم الحزن فمسلَّم، وأما نفي الحزن فقد يُشكل بأن الخوف لاينجو منه يومئذ حتى الأنبياء - عليهم السلام-، فالجواب عنه أن الخوف على وجهين: فقد يوجد سبب الخوف والباعث عليه في الخائف نفسه، مثل المجرم في حق الملك، فإنه يخاف الملك فالباعث على الخوف فيه هو الجريمة نفسها وهي ترجع إلى الخائف. وقد يرجع الخوف إلى أمر في المخوف منه مثل الماثل أمام الملك أو الأسد فليس الخوف راجعًا إلى أنه ارتكب جريمة في حق الملك أو الأسد، وإنما يرجع إلى جلال الملك وهيبته، وغضب السبع ووحشيته، و هو راجع إلى الملك والأسد. فالآية تنفي الخوف من النوع الأول، لا النوع الثاني منه، وإنما يُستشكل إذا قيل: لا خوف فيهم مكان قوله : لاخوف عليهم.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)

فائدة2:

     كان الخطاب الأول بقوله: (يٰٓأيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوْا) عامًا، حيث ذكر الله تعالى نعمه على عامة بني البشر، مثل خلق الأرض والسماء والأشياء كلها، ثم خلق آدم واستخلافه، وإدخاله إلى الجنة ونحو ذلك، وهذا خطاب خاص ببني إسرائيل، وقد فصَّل الله فيه نعمه الخاصة بهم جيلًا بعد جيلٍ، ثم كفرانهم بهذه النعم؛ لأن بني إسرائيل كانوا يمتازون عن غيرهم من بني البشر بأنهم أهل علم وكتاب ونبوة، ومنهم أنبياء - عليهم ا لسلام-، فقد أرسل فيهم أربعة آلاف نبي ابتداءً من يعقوب إلى عيسى - عليهما السلام-، فكان العرب كلهم ينظرون إليهم وإلى موقفهم من النبي صلى الله عليه وسلم: هل يصدقونه أو لا؟ و لذا فصَّل هذه النعم وبسَطَها كل البسط، لعلهم يؤمنون حياءً، وإلا فإنهم يفقـدون ثقة الناس بهم إذا اطلعوا على تصرفاتهم وأعمالهم. وإسرائيل هـو يعقوب -عليه السلام-، ومعناه: عبد الله.

فائدة2:

     بعث الله تعالى فيهم آلافا من الأنبياء، وأنزل عليهم الكتب من التوراة وغيرها، وأنجاهم من فرعون وسلَّطهم على ملك الشام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وفَجَّر لهم اثنتي عشرة عينًا من صخرة واحدة، من النعم وخوارق العادات التي لم تحظ بها فرقة من الناس.

فائدة3:

     وكُتب عليهم في التـوراة أنهم يملكون الشام ما داموا يقيمون التوراة، ويؤمنون بكل نبي يبعثه الله تعالى إليهم ويوالونه، (فأقرت به بنو إسرائيل) ثم لم يستمروا على عهدهم ووعدهم، وساءت نواياهم، وارتشوا وأفتوا فتيَا خاطئةً، وكتموا الحق، ودعموا ملكهم وسلطانَهم، ولم يطيعوا الرسول؛ بل قتلوا بعضهم، وحرَّفوا صفة النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- الواردة في التوراة، فَضَلُّوا.

فائدة4:

     أي خوفًا من ضياع المنافع الدنيوية.

وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)

فائدة1:

     وكانوا كُلِّفوا في التوراة أن يصدقوا كل نبي لاحق يصدق التوراة، ولايكذبوه. اعلم أن ما جاء به القرآن الكريم من الأحكام الخاصة بالعقائد وأخبار الأنبياء وأحوال الآخرة والأوامر والنواهي يوافق ما في التوراة وغيرها من الكتب السابقة، أللّٰهم إلا بعض الأوامر والنواهي فقد دخله النسخ، ولكنه لايخالف التصديق، وإنما يخالف التصديق َالتكذيبُ. وتكذيب كتاب إلهي أيًّا كان يؤدي إلى الكفر. وثمة آيات من القرآن الكريم قد دخلها النسخ، ولكن هيهات أن يطلق عليه أحد التكذيب.

فائدة2:

     أي لاتكونوا أول من يتعمدون تكذيب القرآن الكريم، وإلا فإن عليكم وبالَ المكذبين إلى يوم القيامة، وأما كفر أهل مكة فإنما يرجع إلى الجهل والغفلة، ولم يكن عن علمٍ وعمد، وأنتم ستكونون أول كافر به إذا كفرتم، وهذا الكفر أشد من الكفر الأول.

وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)

فائدة:

     أي أقيموا الصلاة جماعةً، ولم تكن الصلاة جماعةً، مشروعةً في أمة من الأمم التي خلت من قبلُ، ولم تتضمن صلاة اليهود الركوعَ. وحاصل الآية أن الأمور السالفة الذكر لاتغنيكم في النجاة، وإنما يجب اتباع خاتم الأنبياء في الأصول كلها، فأقيموا الصلاة التي تتضمن الركوع جماعةً وعلى الوجه الذي بَيَّنَه.

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)

فائدة:

     ومن طرائف بعض علماء اليهود أنهم كانوا يقولون للناس: إن الإسلام دين حسن، ثم كانوا ينأون بأنفسهم عن الإيمان، كما أن علماء اليهود؛ بل معظم أصحاب النظرة البادية توسوس لهم أنفسهم أنهم ماداموا لايقصرون في تعليم أحكام الشرع، ولايكتمون الحق، فهم في غنًى عن العمل بها، وحيث إن كثيرًا من الناس يعملون بالشريعة وفق ما أمرهم ووجَّهَهُم إليها فأعمالهم هي أعمالهم وفقًا للقاعدة القائلة: الدال على الخير كفاعله،فهذه الآية ردت على كلا النوعين منهم، والغرض من الآية أن الذي يتولى تذكير الناس و وعظهم يجب أن يتحلى بالعمل بوعظه، ولايعني ذلك منع الفاسق من إسداء النصح إلى غيره.

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)

فائدة:

     وأهم ما يرجع إليه عدم إيمان علماء أهل الكتاب رغم وضوح الحق لهم- بالنبي –صلى الله عليه وسلم- كان حبَّ الجاه وحب المال، فوصف الله تعالى العلاج لهذين المرضين، فالصبر يزول به طلب المال وحبه، والصلاةُ تورث العبودية و التذلل، ويخفف من غلواء حب الجاه.

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)

فائدة:

     أي الصبر والصلاةُ مع حضور القلب أثقل شيء، إلا أن ذلك يسيرٌ على من تضرَّع إلى الله تعالى وظن أنه يلاقي ربه ويقف بين يديه ويرجع إليه (أي أن التقرب إلى الله تعالى بالصلاة يُشبه لقاءَ الله تعالى) أويقف بين يدي الله تعالى يوم القيامة للحساب.

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)

فائدة1:

     وبما أن التقوى وكمال الإيمان مما يشق على المرء تحصيله بالصبر والعبادة بحضور القلب، فَعلَّمَ علاجًا وطريقًا ميسورًا إليه، وهو الشكر، فيُذكِّرُهم الله تعالى نعمه التي أنعم بها عليهم في مختلف الأحيان، ويشرح لهم سوء أعمالهم. وقد جبل الحيوان؛ بله الإنسان على طاعة مَن أحسن إليه، ويرسخ ذلك في قلبه، ثم بسط هذا المعنى وفصَّله في الركوعات العدة التالية.

فائدة2:

     معنى تفضيلهم على العالمين أنهم كانوا أفضل الجماعات والفِرَق منذ تواجد بني إسرائيل إلى وقت نزول هذا الخطاب، ولم يقارنها شيء من الفروق. فأما بعد أن عارضوا خاتم النبيين والقرآن الكريم فقد تلاشى فضله وذهب أدراج الرياح، وأصبحوا مغضوبا عليهم وضالين، كما أطلق على أتباع النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- «كنتم خير أمة».

وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)

فائدة:

     حين يُبتلى المرء ببلية من البلايا فأول ما يقوم به أصحابه في أغلب الأحيان محاولةُ أداء ما عليه من الحقوق الواجبة، فإن عجزوا عن ذلك شفعوا له ليخلصوه مما هو فيه، فإن عجزوا عنه أيضًا، فإنهم يفدونه بالمال، فإن عجزوا عنه جمعوا أعوانهم وجادلوا وحاربوا لإنقاذه من ورطته. و وِفقَ هذا الترتيب يقول الله تعالى: لايسعه أحدًا مهما بلغ من الزلفى إلى الله والتقرب إليه- أن ينجي عاصيًا عدوًا لله تعالى إلا بإحدى هذه الوجوه الأربعة. وكانت بنو إسرائيل يقولون: لن نُعَذَّب مهما اقترفنا من الذنوب، وإن آباءنا من الأنبياء سوف يستغفرون لنا. فيقول الله تعالى ردًا عليهم: هذا زعم منقوض الأساس باطل. ولايؤخذ منه إنكار الشفاعة التي يقول بها أهل السنة والتي وردت بها آيات آخرى.

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)

فائدة1:

     رأى فرعون رؤيا ، أوّلها المنجمون بأن ولداً يولد في بني إسرائيل، على يده ذهاب دينك وملكك، فأمر فرعون بقتل كل ذكر يولد في بني إسرائيل، واستحياء أنثى للخدمة. فوُلِدَ موسى -عليه السلام- بأمر الله تعالى وعاش.

فائدة2:

     البلاء يطلق على عدة معانٍ، فإن عادت الإشارة في (ذلكم) إلى الذبح، فمعناه المصيبة، وإن عادت إلى النجاة فمعناه النعمةُ، وإن عادت إلى المجموع حُمِلَ البلاءُ على الاختبار.

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)

فائدة:

     أي يابني إسرائيل، اذكروا النعمة العظمى إذ فَرَّ آباؤكم خوفًا من فرعون، واستقبلهم البحر وتَبِعُهم جنود فرعون، وأنجيناكم وأغرقنا جنود فرعون، كما ستأتي هذه القصة مفصلة لاحقًا.

*  *  *