ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، رجب  1438 هـ = أبريــــــل 2017م ، العــــــــــــدد : 7 ، السنــــــــــــــــــــــة : 41

 

دراسات إسلامية

 

من أقلام الشباب

السيرة النبويّة و واقع الأمَّة

بقلم: الأستاذ محمد معاذ القاسمي

 

 

 

     ممّا لايختلف فيه الاثنان، أن الله جلّ ذكره قد أنعم على عباده نِعَمًا لا تُعد ولا تحصى، كما قال جلّت عظمته وتقدّست كلماته : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (إبراهيم:٣٤).

     من أبرزها التوفيق للإيمان به تعالى وبعثة النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى هذه الأمَّة، وغيرها من الآلام والنعم، فإذا كان هذا من نِعَم الله علينا فماذا يجب علينا تُجاه توفية حقوق الله تعالى ورسوله عليه ألف ألف تحيَّة وسلام-.

     فأرى من المناسب قبل أن أخوض في تلك الواجبات أن ألقي ضوءًا خاطفًا على سيرته النقيّة الصافية؛ فإنَّ سيرتَه العَطِرة بما فيها من شمائل نبويَّة، ومعجزات محمديَّة، ووقائع مصطفويَّة مَعين ثَرٌّ، ويَنبوع صافٍ متدفِّق، ويرتوي من نميره كلُ من أراد السلامة من لُوثات الوثنيَّة، والنجاةَ من أكدار الجاهليَّة والدليلَ الهادي لباغي الصلاح والخير، والـمَثَلُ الأعلى للأسلوب البليغ، والدستورُ الشامل لكل شعَب الخير؛ بل هي الشمس الساطعة والسنا المشرقُ، والمِشعل الوَضَّاء، والنورُ المتألِّق الذي يُبدّد ظلمات الانحرافات العقـديَّة والسلوكيَّة والاجتماعيَّة وسواها، فرسو لنا –صلى الله عليه وسلم- قد جمع نواحي العظمة الإنسانية كلها في ذاته وشمائله، وجميع أحواله، إنّه مثال الكمال في رقَّة القلب، وسماحة اليد، وكفّ الأذى، وبذل النَّدى، وعفَّة النفس، واستقامة السيرة، دوام البشرة، سهولة الطبع، ولين الجانب، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ولا صخّابٍ في الأسواق، لكنه مع ذلك ليس ربًّا فيُقصد، ولا إلهًا فيعبد، وإنَّما هو نبي يُطاع ويُتَّبع؛ وهو منّة الله على هذه الأمَّة، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ (آل عمران:١٦٤). وقال أنس رضي الله عنه ما مَسِسْتُ بيدي ديباجًا ولا حريرًا ألين من كفّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، ولا شَمَمْتُ رائحةً كانت أطيبَ من رائحة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ولقد خدمتُ النبي –صلى الله عليه وسلم- عَشْر سنين فما قال لي أفٍّ قطّ، وما قال لشيء صنعتُه: لِمَ صنعتَه؟ ولا لشيء تركتُه: لِمَ تركتَه؟ (رواه البخاري:6038).

     إن حاجة الأمَّة إلى معرفة سيرة النبي –صلى الله عليه وسلم- والاقتباس من مشكاة النبوَّة فوق كلِّ حاجةٍ؛ بل إن ضرورتها إلى ذلك فوق كلّ ضرورة، فكل من يرجو الله واليوم الآخر يجعل الرسول عليه الصلاة والسلام قدوتَه وأسوتَه؛ كما قال عزَّ وجلّ :  ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (الأحزاب:٢١).

     وازدادت هذه الحاجة في عصرنا هذا الَّذي تقاذفتْ فيه الأمَّة أمواج المِحَنِ، وتشابكْت فيه حَلَقاتُ الفِتَن، وغلبتْ فيه الأهواء، واستحكمتْ فيه المزاعم والآراء، وواجهت فيه الأمَّة أنواعًا من البلايا والمصائب من قِبَل أعداء الإسلام على اختلاف مِلَلِهم ونِحَلِهم، وهبَّت فيه أعاصير تحسين الغواية، وثارت فيه براكين الدعوة إلى الضلالة، ورفعت فيه رايات الهجوم على دين الأمَّة، يتوالى عليها في مشارق الأرض ومغاربها ويلاتٌ ونكباتٌ، لها أوّل وليس لها آخر، فلا تخرج من مشكلة إلّا إلى مشكلة مثلها أو فوقها. لكن الأمَّة الإسلاميَّة لا تفكر في أسباب هذه الويلات والمصائب، لماذا تقع في هذه الورطـة؟، وما السبب وراء ذلك؟، مع أنه لابدّ لكل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يكون في بيته كتاب جامع من كتب السيرة، وأن يَقرأ فيه دائمًا، ويتلو منه على أهله وأولاده، ويجعل لذلك ساعةً من  كل يوم؛ لينشؤوا ويترعرعوا على معرفة سيرته الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.

     والحق أن ما أصابها في هذا الزمن من ضعف، واختلاف، وتسلُّط من الأعداء، واهتزازِ بنيانها، وتفرّق شملها؛ إن كل ذلك إلَّا بسبب ابتعادها عن شريعة الله تعالى ، وإعراضِها عن المَحَجَّةِ البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلّا هالك، واقداف المعاصي، واتباع الأهواء، والخوضِ فيما لايعنيها، والتمسُّكِ بالحضارة الغربيَّة دون الحضارة الإسلاميَّة، والوُقوعِ في دَم، أو عرضٍ، أو مالٍ، أو سُكر، أو مخدِّرٍ، أو قطيعة، وعقوق، وسوء خلقٍ، وعكوفٍ على اللهو واللعب.

     ومن المعلوم أنه لاسبيل إلى الخروج عن هذه الورطات والنكبات، إلّا الاستغفار، والمبادرة إلى التوبة النصوح، والإنابة الصادقة، والتمسُّكُ بالكتاب، والسنة، والأخذ بالعزيمة، وترك المعاصي والمنكرات، والفحشاء والبغي.

     فآن لنا أن نرويَ قلوبنا وأرواحنا من سيرة نبينا –صلى الله عليه وسلم- ونفكِّر في معجزاته العظيمة، وما فيها من الحِكَم، والأسرار البديعة، وأن نعضّ على القرآن والسنة بنواجذنا، ونبذل كل مافي وُسعنا من الطاقات في إعلاء كلمة الله تعالى وسلوك سيرته –صلى الله عليه وسلم-.

*  *  *