ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، رجب  1438 هـ = أبريــــــل 2017م ، العــــــــــــدد : 7 ، السنــــــــــــــــــــــة : 41

 

دراسات إسلامية

 

من أقلام الشباب

الدنيا جيفة وطلابها كلاب

بقلم:  رفيع الدين حنيف القاسمي(*)

 

 

 

     بصرف النظر عن هذا الحديث أ هو موضوع أم ضعيف؟ أم نعدّه من الحكم والأمثال؟ أم نعتبره قولًا لأحد، أوردناه وعقدناه عنوانًا ليدل تمامًا على مطلبنا ومطمحنا، وما نريد من عقد هذا العنوان من معانٍ ومطالب قيمة، وإن كان معاني الحديث مقبولة  ومطلوبة عند أئمة الحديث، وتؤيدها الأحاديث الأخرى الثابتة وتعضدها.

     من الحقائق الساطعة أننا نعيش في دنيانا، غافلين عن آخرتنا، كأننا خلقنا لنيل حظّنا من الدنيا، ولا نمضي مع مضي الأيام إلى يوم الآخرة، ولا نسير مع دوران الأيام إلى يوم المعاد والدوام والحساب، لا بد لنا أن نستيقظ تماما عن سباتنا العميق قبل أن يفوتنا لمحات ولحظات دنيانا لنتزود بها لعقبانا، وأخرانا.

     يقول العجلوني عن هذا المثل السائر مبينا حقيقته:

     «(الدنيا جيفة، وطلابها كلاب) قال الصغاني: موضوع، أقول: وإن كان معناه صحيحاء؛ لكنه ليس بحديث، وقال النجم: ليس بهذا اللفظ في المرفوع»(1).

     حيث ورد في ذلك قول إمامنا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه- مبينا لذلك: الدنيا جيفة، فمن أرادها فليصبر على مخالطة الكلاب(2).

     كما ورد عن علي - رضى الله عنه- وهو يبيّن حقيقة هذا القول: «أوحى الله - عزّ وجلّ- إلى داود: مثل الدنياكمثل جيفة اجتمعت عليها كلاب يجرونها أفتحبّ أن تكون كلبًا مثلهم فتجرّ معهم»(3). يعني مثل الذين ينهمكون في هذا الدنيا، ويشتغلون بها من غير التفات إلى الدار الآخرة، ويصرفون جميع هممهم إلى ادّخار ها واختزانها فهم كالكلاب يتساقطون ويتهارشون على الميتة؛ لينالوا حظًا وافرًا منها، فهو مثل الذين لا يعنون بالآخرة، فهم كالكلاب الآكلة للميتة.

     ونظم الإمام الشافعي - رحمه الله- هذا المعنى وأجاد وشرح شرحًا وافيًا فقال:

ومن يأمن الدنيا فإني طعمتها

وسيق إلينا عـذبها وعــذابها

فما هي إلا جيفة مستحيلة

عليها كلاب همّهن اجتذابها

فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها

وإن تجتذبها نازعتك كلابها(4).

     ومن ذلك أخذ ابن حجاج:

تركت مطالب الدنيا لقوم

دعتهم للمخازي فاستجابوا

وليس الليث من جوع بغادٍ

على جيف يطوف بها كلاب(2)

     ومثله:

     إنّمـا الـدنيـا ومـن يصـ

                بـو مــن النّـاس إليهــا

     جيفــــة بيــن كــلاب

                قاتلوا حـرصًـا عليها(5).

     وقال بعضهم: الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئًا فليصبر على معاشرة الكلاب وفي ذلك قيل:

     يا خاطب الدنيا إلى نفسها

                      تنح عــن خطبتها تسلـم

     إن التـي تخطب غـــدارة

                      قريبة العرس من المأتم(6).

     ويدلّ على هذه المعاني الحديث الذي روي عن النبي –صلى الله عليه وسلم-:

     فعن ابن عباس، قال: مرّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بشاة ميتة قد ألقاها أهلها، فقال: «والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها»(7).

     وقال آخر عن الدنيا وهوانها:

أيها المغترّ بالدنيا كم خـــدعت

ما واصل وصلها محبّ إلا قطعت

يا محبّ الدنيا الغرور اغترارًا

راكبـًـا في طــلابهـا الأخـطارا

يبتغي وصلها فتأبى عليــــه

وتــرى أنســـه فتبــدي نفـارا

خاب من يبتغي الوصال لديها

جارة لـم تزل تسيء الجــــوارا

كم محبّ أرتـــه أنسـا فلمـا

حــاول الـزور صيرته ازورارا

شيب حلو اللذات منها بمر

إن حلت مــرة أمـرت مــرارا

في اكتساب الحلال منها حساب

واكتساب الحــرام يصلي النارا

ولباغي الأوطار منها عنــــاء

سوف يقضي وما قضى الأوطارا

كل لذاتها منغّصـــة العيش

وأربـــاحها تعـــود خســـارا

وليــالي الهمــوم فيها طوال

وليالي الســرور تمضـي قصارا

وكفى أنها تظـنّ وإن جـادت

بنــزر أفنت بـــه الأعمــارا

وإذا ما سقت خمور الأمــاني

صيّرت بعدها المنايا خـمـارا

كم مليك مسلـط ذلّلتــــــه

بعد عــزّ فمـا أطـاق انتصارا

ونعيم قــد أعقبتـــــه بؤس

ومغـانٍ قــد غـادرتها قفــارا

أيها المستعـــير منهـا متــاعا

عــن قليل تسترجع المستعارا

عد عن وصل من يعيرك ما

يفنى ويبقى إثما ويكسب عارا

قد أرتك الأمثال في سالف الد

هر وما قد أرتك فيك اعتبارا(8).

الدنيا دار لمن لا دار له:

     إنما الدنيا يختار لها من لا دار له في الآخرة، ومن لا مال له هناك يعني من يحرم الجنة و لذاتها ونعيمها، ويشتغل في جمعها والسعي لها، ويحسد عليها من لا علم له بزوالها وخرابها، وقرار الآخرة وبقائها، ومن لا يقين له بهوانها واستخفافها،  ولا فقه له في الآخرة ودوامها واستقرارها.

     عن عائشة قالت: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له»(9). ويقول العجلوني: «وزاد عليها: يعادي من لا علم عنده، وعليها يحسد من لا فقه له، ولها يسعى من لا يقين له انتهى، ونقله الغزالي في الإحياء عن عائشة بلفظ: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده، وعليها يحسد من لا فقه له، ولها يسعى من لا يقين له انتهى»(10).

     ولذا ورد في الحديث النبوي الشريف الصحيح:

     «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر»(11).

الدنيا وسرعة زوالها:

     الدنيا سريع زوالها، ولا يبقى إلى الأبد مآلها، فهي كالظل يظلّك لمدة ثم يؤذن بالرحيل، لا بد لنا أن نجعل دنيانا مكسبًا لآخرتنا، وأن نأخذ من دنيانا حظًّا وافرًا لأُخرانا؛ لأن الدنيا  عيشها نكد، وصفوها كدر، وأهلها منها على وجل، إما بنعمة زائلة أو بليّة نازلة أو منيّة قاضية.

     ويقول عليّ بن أبي طالب عن سرعة زوال الدنيا: «إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا وإن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطًا والتراب فراشًا والماء طيبا، ألا من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرّمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ألا إن لله عبادًا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وأهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم مخرونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أيامًا لعقبى رحلة طويلة، أما الليل فصافون أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى ربهم: ربنا ربنا، يطلبون فكاك رقابهم، وأما النهار فعلماء حلماء بررة أتقياء، كأنهم القداح ينظر إليهم ناظر فيقول: مرضى؟ وما بالقوم من مرض، وخولطوا ولقد خالط القوم أمر عظيم(12).

     وعنه أيضًا: أنه سئل عن الدنيا؟ فقال: أطيل أم أقصر؟ فقيل أقصر فقال: حلالها حساب، وحرامها عذاب، فدعوا الحلال لطول الحساب، ودعوا الحرام لطول العذاب(13).

     وقيل أيضًا في ذلك:

أرى طالب الدنيا وإن طال عمره

ونال من الدنيا سرورًا وأنعما

كبانٍ بنى بنيـانـــه فأقامـــه

فلما استوى ما قد بناه تهدّمــا

     وقيل أيضًا في ذلك:

هب الدنيا تساق إليك عفوًا

أليس مصيـر ذاك إلى انتقال

ومــا دنيــاك إلا مثــل فيءٍ

أظلّك ثم آذن بالـزوال(14).

خلاصة القول:

     إن هذه الدنيا، وطلابها ليسوا إلا كمثل الكلاب التي تتساقط على الميتة لتأكلها، فلا ينال الرجل من الدنيا إلا ما قدّر الله من السرور والغرور، و الحزن الشجون، فلا بد للعاقل أن يعمل لآخرته، ويقوّي علاقته بالله - عزّ وجلّ-؛ لكيلا يحزن فيما بعد على ما فاته من فرصة  العمل، ويقول متحسرًا ونادمًا: يا ويلنا إنا كنا في غفلة من هذا؛ بل كنّا ظالمين، فلا بد لنا أن نؤمن بأن الدنيا ما هي إلا لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان.

*  *  *

الهوامش:

(1)      كشف الخفاء، حرف الدال المهملة: 1/409، مكتبة المقدسي، القاهرة.

(2)      مسند الديلمي، باب الألف:1/142، دار الكتب العلمية، بيروت.

(3)      حلية الأولياء: يوسف بن أسباط8/238، دار الكتب العلمية، بيروت.

(4)      كشف الخفاء، حرف الدال المهملة:1/409، مكتبة المقدسي، القاهرة.

(5)      محاضرة الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، الحرص فقر حاضر، 1/601، شركة دار الأرقم بن الأرقم، بيروت.

(6)      كشف الخفاء، حرف الدال المهملة:1/409، مكتبة المقدسي، القاهرة.

(7)      مسند احمد، مسند عبد الله بن العباس، حديث: 3047.

(8)      مفتاح الأفكار لدار القرار، نصاح وفوائد:2/388.

(9)      إحياء علوم الدين، كتاب ذم الدنيا، 3/208، دار المعرفة، بيروت.

(10)    كشف الخفاء، حرف الدال المهملة:1/410، مكتبة المقدسي، القاهرة.

(11)    الترمذي، باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، حديث: 2324.

(12)    كنز العمال، في تفصيل الأخلاق، حديث: 8564.

(13)    المرجع السابق.

(14)    إحياء علوم الدين: 3/208.

*  *  *



(*)              وادي مصطفى، شاهين نغر، حيدر آباد، الهند