ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، رجب  1438 هـ = أبريــــــل 2017م ، العــــــــــــدد : 7 ، السنــــــــــــــــــــــة : 41

 

إلى رحمة الله

 

أحد كبار أساتذة الحديث بالجامعة

فضيلة الشيخ عبد الحق الأعظمي – رحمه الله –

1347-1438هـ = 1928-2016م

بقلم: رئيس التحرير

nooralamamini@gmail.com

 

 

 

     بعد مرض خفيف مُتَمَثِّلٍ في فساد ميكروبي أصاب معدتَه أُدْخِلَ إثره مُسْتَشْفًى محليًّا خاصًّا، انتقل إلى رحمة الله تعالى فضيلةُ الشيخ المحدث عبد الحق الأعظمي أحد كبار أساتذة الحديث بالجامعة الإسلاميّة دارالعلوم/ديوبند، الهند، والمعروف بـ«الشيخ الثاني» وأحد خيرة تلاميذ العالم العامل المجاهد الشيخ السيد حسين أحمد المدني رحمه الله (1295-1377هـ = 1879-1957م) المعروف في الديار الهندية بـ«شيخ الإسلام» عن عمر يناهز 91 عامًا بالقياس إلى الأعوام الهجرية و88 عامًا بالنسبة إلى السنوات الميلادية. وذلك في الساعة السابعة والعشر دقائق من الليلة المتخللة بين الجمعة والسبت: 30/ربيع الأول غُرَّةُ ربيع الآخر 1438هـ = 30-31/ديسمبر 2016م، فإنا لله وإنّا إليه راجعون.

     كان الفقيد الغالي يعاني منذ سنوات عوارضَ الشيخوخة المتزايدةَ، إلى جانب ضغط الدم وضعف شديد في الرجلين صَعُبَ عليه من أجله المشي على القدمين، فكان يستخدم الكرسي الجوّال لجميع التنقلات؛ ولكنه كان صبورًا حمولًا للمصاعب ذا عزيمة قوية، فكان كثير السفرات والجولات الدعوية في أقطار الهند وخارجها رغم الأمراض التي كان يعانيها.

     جرى الإعلانُ بوفاته رحمه الله عَبْرَ أبواق مُكَبِّر الصوت المنصوبة على منارات المسجد القديم بالجامعة إثر صلاة العشاء، وما إن سمع الوسط الجامعيُّ نعيَه حتى خَيَّمَ عليه الحزنُ والأسفُ، وكلٌّ قد صار واجمًا من نعي الموت المفاجئ للشيخ الصالح عبد الحق رحمه الله لأنه ربما كان يُصَاب بوعكات صحيّة أشدّ مما تَعَرَّضَ له هذه المرة، فكانت صحته تتحسن، ويعود يؤدي دوره في الحياة كالعادة؛ لكن أجل الله إذا جاء لا يُؤَخَّر، فصبروا راجعين إلى هذه الحقيقة.

     قَرَّرَتْ إدراةُ الجامعة أن تقام عليه صلاةُ الجنازة إثر صلاة الظهر في نحو الساعة الثانية والنصف من يوم السبت: غرّة ربيع الآخر 1438هـ؛ لكنه لعدم وصول بعض أقاربه بمن فيهم بعض أبنائه من «أعظم جراه»: موطن ومسقط رأس الفقيد رحمه الله أُجِّلَتْ الصلاةُ عليه للساعة الثالثة والنصف مساءً، فسُوِّيت الصفوفُ في الميعاد المذكور؛ لكن الأقارب الـمُنْتَظَرين لم يَتَمَكَّنوا من الوصول إلّا قبيل أذان العصر، حيث صَلَّىٰ عليه بالناس في الساعة الرابعة إلّا خمس دقائق فضيلة الشيخ السيّد أرشد المدني النجل الأوسط للشيخ الكبير السيد حسين أحمد المدني رحمه الله وأحد كبار أساتذة الحديث بالجامعة و رئيس جمعيّة علماء الهند.

     وقد شارك في الصلاة عليه وتشييعه إلى المقبرة القاسميّة الجامعيّة وتورية جثمانه بها أناس كثيرون لايقلّ عددهم عن نحو عشرين ألفًا مُعْظَمُهم العلماء والصلحاء والطلاب وأهالي مدينة «ديوبند» والمتوافدون من القرى والمدن القريبة والنائية ولاسيّما أساتذة ومسؤولي وطلاب المدارس الإسلاميّة المنتشرة في أرجاء المنطقة المجاورة لمدينة «ديوبند».

     ومُعْظَمُ المصلّين عليــه شَيَّعُوه إثر الصلاة عليه مباشـرةً إلى المقبرة؛ ولكن عددًا لابأسَ به مكث ليؤدي صلاةَ العصر التي كانت قد رُفِعَ أذانُها فصَلَّوها جماعات في قاعة الحديث التحتانية الشامخة، وبعضُهم توَجَّهُوا إلى المسجد القديم الكائن بالبوابة الرئيسة للجامعة، فصَلَّوها جماعةً فيه، ثم قصدوا المقبرة، حيث ساهموا في تورية الجثمان. وكان كاتب السطور ممن صَلَّى العصرَ جماعةً في القاعة، ثم تَوَجَّهَ إلى المقبرة بصحبة عدد من الطلاب الذين صاحبوه منذ أداء صلاة الظهر، فجزاهم الله خيرًا.

*  *  *

     إن الفقيد ترك بوفاته فراغًا لا يُمْلَأُ؛ لأنه لم يكن فقط عالـمًا مُتْقِنًا لفنّ الحديث وتدريسه الذي أَمْضَىٰ فيه أكثر من خمسين عامًا، وإنما كان كذلك «عالمًا عاملاً» بمعنى الكلمة، فقد كان قَوَّامًا وَقَّافًا عند حدود الله، وقد كان التواضع وإنكار الذات رمزًا على شخصيّته، وعَبَّ هذه الصفةَ الجليلةَ من أستاذه العظيم الشيخ الشريف حسين أحمد المدني رئيس هيئة التدريس الأسبق بالجامعة فقد كان المدني مثالاً لهذه الخَلَّة الشَّمَّاء، وكان يمتاز بها عن أقرانه من العلماء والصلحاء والـمُرَبِّين.

     التواضعُ والرأفةُ والرفقُ واللطفُ والآلِفِيَّةُ والمألوفيّةُ كانت أجلى الصفات التي كان يمتاز بها الشيخ عبد الحق الأعظمي عن غيره من معظم الأساتذة وكثير من العلماء المعاصرين. وكان للطلاب أُمًّا حنونًا وليس أبًا عطوفًا فقط، وكان قلبُه ولسانُه قرينين في الصدق، ولم يُضْبَطْ عليه السومُ في الأعراض، فضلًا عن الغيبة والنميمة.

     وقد كان بكّاءً من خشية الله، قوي الصلة بالله، كثير الإنابة والتضرّع إليه، شَاهَدَ فيه كاتب السطور هذه الخصالَ الحميدةَ المقصودةَ عندما كان الفقيد رجلًا موفور القوة، وكان الكاتب غلامًا يجتاز المرحلة المتوسطة من الدراسة، في مدرسة دارالعلوم بمدينة «مئو» بولاية «أُتْرَابَرَاديش» الهندية، منذ ما قبل 47 عامًا؛ حيث قام فيها بتدريس كتب الحديث ولاسيما صحيح الإمام البخاري وغيرها من كتب علوم الشريعة على مدى 14 عامًا. وأذكر بالمناسبة أنه عقدت جماعةُ الدعوة والتبليغ عام 1390هـ/1970 حفلةً دعويةً مُوَسَّعَةً بساحة «مدرسة الإصلاح» ببلدة «سرائي مير» بمديرية «أعظم جراه»لمدة ثلاثة أيام. وكانت حفلةً كبيرةً تاريخية حضرها مئات آلاف من المسلمين، وتحدث فيها إلى الحضور كبار علماء الجماعة والمسؤولون رفيعو المستوى عنها بمن فيهم أمير الجماعة فضيلة الشيخ إنعام الحسن الكاندهلوي (1337-1416هـ = 1918-1995م) وفضيلة الشيخ محمد عمر البالنبوري رحمهما الله (1348-1418هـ = 1929-1997م) وكان الشيخ عبد الحق ظل يُحَرِّضنا نحن الطلاب على حضورها منذ ما قبلها بوقت كافٍ، فحضرناها بقيادته وتحت إشرافه إلى جانب مئات من أساتذة المدرسة وأهالي مدينة «مئو». وكانت الرحلة سعيدة مُضَمَّخَةً بالروحانية. واستمعنا على مدى الأيام الثلاثة إلى خطابات الدعاة والعلماء التي جددت الإيمان، وشحذت اليقين، وأشعلت مجامر القلوب، وزَكَّت النفوس، وحملت على التوبة النصوح، والإقلاع عن المعاصي، وإصلاح الأحوال، والإنابة إلى المولى عز وتبارك، والإقبال على الصلاة بالخشوع والخضوع الذي هو روحها، ووجدنا أنفسنا كأنها هي غير ما كنا نعرفه من قبل، فقد عادت منضبطةً متقيدةً قدرَ المستطاع بأحكام الله وحدوده، وصَحَتْ على الأقل من غفلتها، وصارت تشعر بتقصيرها في الاستجابة لأوامر الله ونواهيه. وكانت حقًّا أيامًا رائعة من أسعد الأيام في حياتنا الشبابيّة، لن ننساها أبدًا؛ لأننا لَذِذْناها ولا نزال لذّتنا لأشهى الأطايب التي يحظى بها الإنسان في حياته.

     و وجدنا الشيخ طَوَالَ الأيّام الثلاثة يبذل الأوقاتَ كلها فيما عدا حضور برامج المحاضرات والخطابات الدعويّة التي كان يلقيها المشايخ الكبار في الاهتمام بالصلاة والتلاوة وإطالة الدعوة والابتهال، ويسهر الليلَ يبكي ويناجي ربَّه في الخلوات الهادئة وعقب الصلوات. وإلى ذلك كان يحملنا بأساليب متنوعة على انتهاز هذه الأيّام والليالي ذات النفحات الإيمانية.

     وإثرَ انتهاء الأيّام الثلاثة عدنا إلى «مئو» بصحبة الشيخ رحمه الله نشكره بكل جوارحنا أنه حَضَرَ بنا مثلَ هـذه المناسبــة الدينيّة العظيمة التي كانت مكسبًا في حياتنا منقطعَ النظير، وكان ذلك تجربـة سعيدة لم نعهدها في حياتنا أيامَ التحصيل العلمي، فزاد حبُّنا له، وإعجابُنا به، واحترامُنا له.

*  *  *

     وظِلْنا على ذلك حتى جَمَعَ اللهُ بيني وبينه في «ديوبند» حيث صِرْتُ عضوًا في هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية الأم: دارالعلوم/ديوبند، وحضرتُها يوم الجمعة 15/شوال 1402هـ الموافق 6/أغسطس 1982م، وبعد أيام قدمها الشيخ أستاذًا للحديث الشريف، فسُرِرْتُ جدًّا بلقائه في رحاب الجامعة، وغمرني الشعور بالسعادة بأني سأظل أحظى بصحبته في الخدمة التدريسية الـمُشَرِّفَة في الجامعة التي يعتبرها المسلمون في شبه القارة الهندية أكبر معقل إسلامي. وظلت الأيام تمضي سريعًا، حتى مَضَتْ فترةُ 34 عامًا بالنسبة إلى الأعوام الميلادية، و36 سنة بالنسبة إلى السنوات الهجرية، حتى استأثرت به رحمة الله تعالى، في الليلة المشار إليها التي كانت حزينة بكل ما تحمل من معنى بالنسبة إلى الأوساط الدينية والعلمية عمومًا وإلينا نحن المُعْجَبِين به خصوصًا.

     جاء أستاذًا إلى دارالعلوم/ديوبند، وهو لايزال يحتفظ بالقوة والنشاط والحيوية والهمة، رغم كونه في 54 من عمره بالنسبة إلى الأعوام الميلادية و 55 منه إذا قيس بالسنوات الهجرية، لا يشكو ضعفًا في الجسم، ولاتراخيًا في الإرادة، ولا فتورًا في تحقيق أي من نشاطاته الحياتية؛ ولكنه مع مضي سنوات وجدناه يشكو أمراضًا ولاسيما مرض ضغط الدم والأمراض التي تمس المعدة والكلية والكبد، ومضت سنوات، فوجدناه يعجز عن المشي بالقدمين، وإنما يستند في الحل والترحال إلى الكرسي المتنقل الذي كان يدفعه دائمًا عددٌ من تلاميذه في حب وإعجاب. ومضت سنوات فوجدناه قد ظهرت عليه أمارات الشيخوخة البالغة، وفعلت فيه السنون فعلها، وعملت فيه الأيام والليالي ما تعمل في كل إنسان مهما كان قويَّ البنية صُلْبَ الإرادة.

     لكنه ظَلَّ يواظب على القيام بما أُسْنِدَ إليه من الخدمات التدريسية، كما أن الأمراض وعوارض الشيخوخة لم تَحُلْ قطُّ دونه ودون سفراته وحضوره الحفلات الدينية والمناسبات الإسلامية التي كان يُدْعَىٰ إلى حضورها كثيرًا؛ لأنه لتواضعه وبساطته كان لا يرفض دعوة مُوَجَّهَة إليه لحضور مناسبة تقيمها مدرسة أو جامعة أو حفلة دينية يعقدها المسلمون في مكان في الهند وخارجها. وكان لخطابه في حفل أو حديثه في مناسبة تأثير بالغ في النفوس لصلاحه وعمله بما يقول، والداعي الصادرُ في قوله عن عمله يُؤَثِّر في المدعو ما لا يُؤَثِّر غيره. وكان الناس يعتقدون أنه مستجاب الدعوات؛ لأنه كان يبكي فيها كثيرًا، فكان يحضرها المسلمون بعدد كبير، في تقدير كبير وشوق بالغ.

     ومن المؤسف جدًّا أنني في دارالعلوم/ ديوبند من أجل اشتغالي المتصل بوظائفي التدريسية والكتابيّة لم أجد طَوَالَ الفترة ما بين 1402هـ/ 1982م و 1438هـ/2016م أن أزوره كثيرًا، وأقتطع من أوقاتي المزدحمة بالأعمال الرتيبة فرصًا كثيرة للجلوس إليه والاستفادة منه، ولاسيما لأني فيما بعد تولي المسؤولية في الجامعة بسنوات عديدة أُصِبْت بداء السكري الذي سَبَّبَ لي عوارض كثيرة وأمراضًا مُعَقَّدة شغلت الكثيرَ من قلبي ونفسي؛ ولكنني كثيرًا ما كنتُ أجده مارًّا في الطريق ذهابًا أو إيابًا بين سكنه العائلي الكائن في الجانب الجنوبي الشرقي من مسجد «تشته» الأثري - أقدم المساجد الثلاثة في رحاب الجامعة- وبين الفصول الدراسيّة أو المسجد، فكنتُ أبادر بالسلام عليه واستخبار أحواله، وأعتذر إليه من أني مُذْنِب بأني لا أتمكن من الحضور إلى فضيلتكم والسلام عليكم في بيتكم، فأرجوكم أن تعفوا عني ولا تستاؤوا من تقصيري، فكان يقول دائمًا: إني أعلم أعذارك وأشغالك، واطْمَئِنَّ أني أحبك جدًّا، وأُقَدِّر اشتغالك المُكَثَّف بالتدريس والكتابة، ولم أستأ قط من أيّ من تصرفاتك؛ لأني وجدتُك في «مئو» طالبًا مُجِدًّا، وأجدك في «ديوبند» أستاذًا مُؤَهَّلًا، وكاتبًا نافعًا، ونازلاً على مستوى الشعور بالمسؤوليّة، ومشغولاً جدًّا بوظيفته، أَكْرَمَكَ الله بالاستقامة وعافاك من جميع الأمراض.

*  *  *

     كانت أسرة آباء الشيخ عبدالحق بن عمر بن كريم بخش بن علي أصلًا من قرية «ظفر آباد» بمديرية «جونبور» بولاية «أترابراديش» ونزحت منها إلى قرية «بَسْهِي إقبالبور» بمديرية «أعظم جراه» بالولاية، ثم نزحت منها إلى قرية «جغديشبور» بالمديرية نفسها، وبها وُلِدَ يوم الاثنين: 6/رجب 1347هـ الموافق 17/ديسمبر 1928م.

     ولكنّه رحمه الله كان قد سَجَّلَ في استمارة الالتحاق بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند أن تاريخ ولادته 19/ يناير 1935م الذي يوافق 12/ذوالقعدة 1353هـ. وقد جرى التحاقه بالجامعة يوم 13/شوال 1373هـ الذي يوافق 21/مايو 1954م؛ فكان سنه أيام الالتحاق بالنسبة إلى هذا التاريخ 19 عامًا حسب الأعوام الميلادية و20 سنة حسب السنوات الهجرية. أما التاريخ الأول لولادته الذي سجله في بعض مذكراته وهو 6/رجب 1347هـ الموافق 17/ديسمبر 1928م فبالنسبة إليه كان عمره لدى الالتحاق بالجامعة 26 سنة.

     وقد تعلم رحمه الله مبادئ القراءة والكتابة في كُتَّاب بقريته «جغديشبور» معروف بـ«إمدادالعلوم» ثم التحق بمدرسة «بيت العلوم» ببلدة «سرائي مير» بمديرية «أعظم جراه» حيث تَلَقَّى التعليم الابتدائي والمتوسط بما فيه من مواد الفارسية والعربية والنحو والصرف والفقه وكان من أساتذته بتلك المدرسة: الشيخ محمد سجاد (1332-1405هـ = 1914-1984م) والشيخ عبد القيوم (1324-1415هـ = 1906-1994م) والشيخ أحمد علي (1313-1379هـ = 1895-1959م) والشيخ سعيد أحمد (المتوفى 1403هـ/1983م)، ثم التحق بمدرسة «دارالعلوم» بمدينة «مئوناث بهانجان» حيث كان الشيخ محمد مسلم رحمه الله (1301-1381هـ = 1884-1961م) شيخ الحديث وكبير أساتذة المدرسة وكان هذا الشيخ ابنًا لِعَمَّته عمه الفقيد الشيخ عبد الحق رحمه الله ثم كان قد تزوّج والدتَه؛ لأن والده الشيخ عمر قد توفي عندما كان هو الشيخ عبد الحق في 6 من عمره، فغمره الشيخ محمد مسلم بحنانه لكونه أبًا له، وكان له الفضل الأكبر في كل ما تلقّاه من التعليم والتربية والنشأة الحميدة المستقيمة التي نحتت منه عالمًا مُتْقِنًا، وصالحًا أَوَّابًا، وواعظًا ذا تأثير بالغ في المستمعين، وأستاذًا ذا إفادة واسعة، ومتواضعًا حقًّا تنجذب إليه النفوس، وتهفو إليه القلوب، ويألفه الخواص والعوام من الناس.

     وكان من أساتذته الأجلّاء بهذه المدرسة بالإضافة إلى مربيه وأستاذه الشيخ محمد مسلم المذكور الشيخ المقرئ العالم الجليل الخطيب الظريف رياسة على البحري آبادي المئوي (1313-1392هـ = 1895-1972م) والشيخ محمد أمين الأدروي (1314-1399هـ = 1896-1979م) والشيخ الحكيم - أي الطبيب بالطب اليوناني الإسلامي- منظور أحمد (1314-1373هـ = 1896-1953م) وقد ظلت هـذه الـمـدرسة في المنطقة الشرقية من ولاية «أترابراديش» سعيدة أنجبت علماء متضلعين جمعوا بين العلم والصلاح جمعًا مغبوطاً. وقد أنهى الفقيد رحمه الله في المدرسة التعليم إلى ما قبل دورة الحديث الشريف، وهي المرحلة النهائية التي ينال التلميذ بعد اجتيازها شهادة العالمية أي شهادة كونه عالمًا بالدين وشريعته وأحكامه.

     ثم التحق عام 1373هـ/1953م بالجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند؛ حيث مكث بها سنة كاملة اجتاز خلالها دورة الحديث أي المنهج المخصص لنيل شهادة العالمية المشتمل على دواوين الحديث ولاسيما كتب الصحاح الستة المعروفة، وتخرج منها حاملاً للشهادة عام 1374هـ/ 1954م.

     وقد أدرك الفقيد رحمه الله في دارالعلوم/ ديوبند عهدًا من عهودها الذهبيّة، وسعد بالتلمذ على أساتذتها العظام، وعلى رأسهم العالم العامل المجاهد المناضل الكبير ضد الاستعمار الإنجليزي الشيخ الشريف حسين أحمد المدني رحمه الله المعروف في شبه القارة الهندية عن حق بـ«شيخ الإسلام» الذي قرأ عليه صحيح البخاري بجزئيه؛ والشيخ الصالح محمد إعزاز علي الأمروهوي (1300-1374هـ = 1882-1954م) المعروف في المجتمع الجامعي بـ«شيخ الأدب والفقه» الذي قرأ عليه كلًّا من جامع الترمذي والشمائل المحمدية وسنن أبي داود؛ والعلامة محمد إبراهيم البلياوي (1304-1387هـ = 1886-1967م) الذي قرأ عليه صحيح مسلم والذي كان معروفًا في الوسط الجامعي والعلمي بذكائه وخوض المعاني الدقيقة والنكات البارعة اللطيفة؛ والشيخ فخر الحسن المراد آبادي (1323-1400هـ = 1905-1980م) الذي قرأ عليه سنن النسائي وموطأ الإمام مالك وشرح معاني الآثار للطحاوي؛ والشيخ محمد جليل الكيرانوي (المتوفى 1388هـ/1968م) الذي قرأ عليه موطأ الإمام محمد؛ والشيخ ظهور أحمد الديوبندي (1318-1383هـ = 1900-1963م) الذي قرأ عليه سنن ابن ماجه.

     وقد حَظِيَ في الامتحان السنوي بعلامات ممتازة في هذه الدواوين الحديثية كلها؛ لأنه كان من التلاميذ العاكفين على الوظيفة الدراسية المنقطعين عن كل ما يشغل عن التوفر على الدراسة وكسب الأهلية العلميّة.

     فنال 45 علامة في امتحان صحيح البخاري، علمًا بأن السقف النهائي للعلامات بالجامعة أيامئذ كان 50، فمعنى الحصول على 45 علامة هو الحصول على 90٪. كما حصل في امتحان جامع الترمذي على 48، وفي صحيح مسلم على 44، وفي سنن أبي داود على 45، وفي سنن النسائي على 46، وفي سنن ابن ماجه على 47، وفي شرح معاني الآثار للطحاوي على 46، وفي شمائل الترمذي على 46، وفي موطإ مالك على 48، وفي موطإ محمد على 46، وفي امتحان التجويد على 49.

     وكان له رحمه الله إجازة برواية الحديث من كل من المحدث الكبير الشيخ محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي (1315-1402هـ = 1897-1982م) المعروف في الديار الهندية بـ«شيخ الحديث» والمدفون بجنة البقيع بالمدينة المنورة؛ والمحدث الكبير الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي (1319-1412هـ = 1901-1992م) والشيخ عبد الغني البهولبوري (1293-1383هـ = 1876-1963م) مؤسس مدرسة «بيت العلوم» بـ«سرائي مير» وأحد العلماء الصلحاء المتخرجين في التزكية والإحسان على العالم الهندي الكبير المربي الجليل الشيخ أشرف علي التهانوي (1280-1362هـ = 1863-1943م) والشيخ المقرئ محمد طيب بن محمد أحمد بن محمد قاسم النانوتوي (1315-1403هـ = 1897-1983م) رئيس جامعة دارالعلوم/ ديوبند الأسبق وأحد أجلة العلماء في شبه القارة الهندية.

*  *  *

     وإثر تخرجه من جامعة دارالعلوم/ ديوبند، عمل أستاذًا للعلوم الشرعية بمدرسة «مطلع العلوم» بمدينة «بنارس» («وارانسي» حاليًّا) على مدى 16 عامًا، في الفترة ما بين محرم 1375هـ الموافق أغسطس 1955م وشعبان 1388هـ الموافق أكتوبر 1968م. وخلال هذه الفترة التي أمضاها بهذه المدرسة اقتطع منها مدة 9 شهور ليقضيها خارج المدينة لتغيير المناخ. وذلك في مدرسة «جامعة حسينية» بقرية «بولديها» بمديرية «غريديه» بولاية «جهاركهاندا» بالهند، وهذه الفترة امتدت بين ذي الحجة 1382هـ وشعبان 1383هـ أي أبريل 1963م وديسمبر 1963م.

     ثم انتقل منها إلى مدرسة «دارالعلوم» بمدينة «مئوناث بهانجان» حيث مكث يقوم بتدريس العلوم الشرعية ولاسيما الحديث الشريف على مدى 14 عامًا في الفترة ما بين شوال 1388هـ الموافق ديسمبر 1968م وشعبان 1402هـ الموافق يونيو 1982م.

     ثم شاء الله الكريم أن يُكْرِمَه بإتاحة فرصة القيام بالخدمة التدريسيّة في الجامعة الإسلامية الأم في شبه القارة الهندية دارالعلوم/ ديوبند على طلب منها، فقَدِمَها في شوال 1402هـ الموافق أغسطس 1982م. وبقي يقوم بها بهذه الخدمة المشرفة على مدى 34 عامًا، وأتيح لها خلال هذه المدة أن يقوم بتدريس مادة الحديث ولاسيّما المجلد الثاني من صحيح البخاري كما سبق أن قام بتدريس كامل مجلدي صحيح البخاري في دارالعلوم/مئو، فسعد بتدريس الحديث النبوي طوال أكثر من 50 عامًا. وتلك هي السعادة الكبرى التي يَتَطَلَّع كلُّ عالم صالح في هذه الديار أن ينالها، ولاينالها إلا من يقدرها الله له.

     كما قام في جامعة دارالعلوم/ديوبند إلى جانب تدريس المجلد الثاني من صحيح البخاري، بتدريس «مشكاة المصابيح» في الحديث لمحمد بن عبد الله الخطيب العمري التِّبريزي أبي عبد الله ولي الدين المتوفى 741هـ/1340م و«نخبة الفكر» في أصول التفسير للعلامة ابن حجر العسقلاني أحمد بن علي أبي الفضل المتوفى 852هـ/1449م «والأشباه والنظائر» في أصول الفقه لابن نجيم زين الدين بن إبراهيم بن محمد الفقيه الحنفي المصري المتوفى 970هـ/1563م، والتفسير المظهري في التفسير للقاضي ثناء الله الباني بتي الهندي (1143-1225هـ = 1730-1810م) وتفسير البيضاوي للعلامة البيضاوي عبد الله بن عمر أبي الخير ناصر الدين المتوفى 685هـ/1286م المسمى بـ«أنوار التنزيل وأسرار التأويل» وموطإ الإمام مالك في الحديث.

     وقد كان في تدريسه لشتى مواد العلوم الشرعيّة يصدر دائمًا عن تحضير مسبق للدروس ودراسة عميقة لما يتصدّى لتدريسه من الكتب؛ فكانت دروسه مُشْبِعَةً للطلاب، وكان يشرح الموضوعات المقتضية للشرح شرحًا وافيًا، كما كان يوجز إيجازًا غير مُخِلٍّ في الأمكنة التي كان يراها لاتحتاج إلى كبير شرح وطويل إيضاح. وكان الطلاب مُعْجَبين بصلاحه فمُعْجَبِين بدروسه؛ لأنه كان يعجن دائمًا محاضراته الدراسيّة بحكايات مثيرة عن صلاح الصالحين وزهد الزاهدين من أساتذته وأساتذهم والسلف الصالحين؛ فلم تكن دروسه مُجَرَّدَ دروس في العلوم، وإنما كانت كذلك دروسًا في التربية وإصلاح النفس، وهو الهدف السامي الذي تتبنّاه هذه المدارس والجامعات الإسلامية الأهلية في هذه الديار.

*  *  *

     وكان رحمه الله اتصل لتلقي التزكية والإحسان أولاً بالشيخ الكبير المحدث زكريا بن يحيى الكاندهلوي رحمه الله الذي كان يزوره من وقت لآخر لدى قَدَمَاته من المدينة المنورة إلى الهند، ولاسيّما أيام شهر رمضان الذي كان يلازمه فيه للاعتكاف معه في مسجد جامعة «مظاهر العلوم» بمدينة «سهارنبور» بولاية «أترابراديش» بالهند. وبعد وفاته بالمدينة المنورة في السّاعة الخامسة والأربعين دقيقة من مساء يوم الاثنين غرة شعبان 1403هـ الموافق 24/مايو 1982م، اتصل بنجله الشيخ محمد طلحة حفظه الله ونال منه الإجازة، كما حظي بالإجازة من الشيخ الصالح الحكيم الطبيب بالطب اليوناني العربي الإسلامي الشيخ كليم الله العليكرهي  حفظه الله المتخرج في التزكية والإحسان على الشيخ المربي أبرارالحق الحقي الهردوئيوي (1339-1426هـ = 1920-2005م).

*  *  *

     خلّف رحمه الله بعد وفاته إلى حرمه خمس بنات وسبعــة بنين وهم عبــد الحكيم، والشيخ عبد البر القاسمي، وعبد التواب، والشيخ عبد المنعم القاسمي، وعبد المتعال، وعبد المقتدر، ومحمد أحمد. والبنات كلهن متزوجات، وكذلك البنون قد تزوّجوا، إلّا الثلاثة الصغار وهم عبد المتعال وعبد المقتدر ومحمد أحمد.

     وكانت زوجته الأولى من قرية «بيسان» المجاورة لبلدة «بهولبور» من بلدات «أعظم جراه» بولاية «أترابراديش» وقد ولدت له ابنًا وهو عبد الحكيم وبنتين. وبعد وفاتها تزوّج امرأة أخرى من قرية «ننداؤن» المجاورة لبلدة «سرائي مير» من بلدات المديرية نفسها، وقد ولدت له بنتًا. وبعد وفاتها تزوج ثالثة من مدينة «بنارس» بالولاية، وقد ولدت له بنتين وستة بنين.

*  *  *

     كان الشيخ جهوريَّ الصوت يخاطب التلاميذ والصغار بأسلوب ربما يجعل بعضَهم يظنون أنه غضبان يزجرهم؛ ولكن ذلك كان شيئًا مُرَكَّبًا مع طبعه، ينطق دائمًا بصوت واضح فصل يسمعه المخاطب دونما غموض أو إبهام، وكان كلامه وأسلوبه في التعامل مع الناس رفيقًا، لايخاف مخالطوه أيَّ تصرف منه قد يخافه أبناء المجتمع من كثير من أبنائه، لأن ظاهره وباطنه كانا متفقين لايختلف أحدهما عن الآخر مهما كانت الحال.

     وكان على خلق الصالحين الزاهدين من العلماء، لَيِّن العريكة، منكرًا للذّات، وكان كثير الرماد، يُكْرِم زائريه وضيوفه بأنواع القرى والأكلات الشهيّة، وكان محبوبًا في أوساط العلماء والطلاب وجماهير الناس، وربما كان لايكرهه أو يبغضه أحدٌ من الناس؛ لأنه بدوره كان لا يتعامل مع الناس بالكره والبغض، فكان يُقَابَل منهم بمثل ما يصانعهم به.

     وكان طويل القامة، مفتول الأعضاء، أسمر اللون الضارب شيئا إلى السواد، واسع الجبهة، أشمَّ الأنف، كَثَّ اللحية، يستند إلى العُكَّازة في المشي قبل أن يُضْطَرَّ إلى الكرسي الجوّال، وكان يكون على رأسه قلنسوة مدورة، وكان قميصه فضفاضًا إلى نصف الساقين، وكان يرتدي دائمًا ملابس بيضاء، إلّا أن يكون الفصل شتاء، فربما كان يرتدي ملابس صوفية مُلَوَّنَة، وكان مطبوعًا على البساطة في جميع شؤون الحياة، لايخطر بباله أن يتأنّق أو يتجمّل، فكان يعيش الحياةَ على ما هي عليه سهلةً ميسورةً، فلا يتكلف الانضباطَ الـمُؤْلِم، والانتظام الـمُحْرِج، كان يُقَدِّر من كل أحد حسناته ويتغاضى عن هناته وسيئاته، كان لايعرف الإعجابَ بنفسه أو بعلمه أو بمؤهلاته أو بأي مما أناله الله من التقيّد بأوامر الله ونواهيه أو بالصلاح العامّ الذي كان رمزًا على شخصيّته، وإلى ذلك كان ظريفًا خفيف الروح في رزانة ووقار.

     رحم الله الفقيد الغالي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وأولاده، وجميع ذوي قرباه، ومحبيه ومعارفه وتلاميذه، الصبرَ والسلوان.

     (تحريرًا في الساعة 11 من صباح يوم الأحد: 14/جمادى الأولى 1438هـ الموافق 12/فبراير 2017م)

*  *  *