ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، رمضان - شوال 1438 هـ = يونيو - يوليو 2017م ، العــــــــــــدد : 9-10 ، السنــــــــــــــــــــــة : 41

 

دراسات إسلامية

 

فقه الصيام والزكاة

بقلم: فضيلة الشيخ المفتي/سعيد أحمد البالنبوري

ترجمة: أبو عاصم القاسمي المباركفوري

 

 

 

     قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]

العبادات على نوعين:

     كتب الله تعالى نوعين من العبادات: بدنية ومالية. فالبدنية: ما يرجع إلى البدن أي ما يتم إعمال البدن في القيام بها. ومالية: وهي ما يتم إعمال المال فيها دون البدن. ونوع ثالث: ما يتركب من البدنية والمالية أي يتم إعمال البدن والمال فيها جميعًا. فإذا أدركتم النوعين الأولين تبين لكم الثالث تلقائيًا.

لم كانت العبادات البدنية اثنتين والعبادات المالية واحدة؟

     إن الله تعالى أودع الروح البدنَ. والروح لها صفتان (حالتان ): أحدهما: ملائكية، أي ما في الملائكة من القوة والصلاحية. والثانية: بهيمية أي ما في البهائم من القوة والصلاحية. وبعبارة أخرى: ثمة لمتان: لمة خير، ولمة شر. واللمة هي الأثر. قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس:7] أي أن الله تعالى خلق نفس الإنسان في أحسن خلق. وقال تعالى: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ [الشمس:8]. أي هداه سبيل الصلاح والتقوى وسبيل الفجور. فالروح لها

صفتان: ملائكية، وبهيمية. وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَهَدَيْنٰهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:8] أي فالإنسان بالخيار، فإن سلك طريق التقوى فله الجنة، وإن سلك طريق الفجور فله النار.

     ومعنى قوله ﴿وَهَدَيْنٰهُ النَّجْدَيْنِ: أودع الله في روح الإنسان الخيرَ والشرَ. إذًا يجب أن يتضمن شرع الله تعالى أعمالًا وعبادات تزيد من الملائكية (الصلاح)، ويكبح جماح البهيمية (الفجور). فكتبت الصلاة لِتَزيدَ من الصلاح، وتُنَمِّيَ من لمة الخير. كما فرض الصيام ليحد من هوى النفس، ويزيد من تقوى المرء، ويكبح جماح لمة الشر. وإليه يشير قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.

     فإن قيل: ما بالُ صيامنا لايورث التقوى فينا؟

     قلنا: إنه يورث التقوى، ولكن لاتشعرون. فراجع نفسك قبل دخول رمضان، وبعد مضيه وانقضائه، ستجد فرقا - يسيرًا أوكثيرًا - بين الحالتين. ويشعر به كل واحد. نعم هذا الفرق لايلوح بجلاء إلا بالنظر و التفكير الواعي، ولايدرك بالحس.

     ويرجع عدم إدراك هذا الفرق بالحس إلى أمرين:

     الأول: أننا نتوسع في الأكل ما وسعنا ذلك، سواء في الإفطار أو السحور. فدأبنا هذا في الوجبات الغذائية تحول دون الشعور بالنور الذي يتصف به الصيام. وثمة كتيب صغير الحجم عمله شيخ الحديث محمد زكريا رحمه الله، سماه «اكابر كا رمضان» (السلف في رمضان) عليكم مراجعته ودراسته. وسيتبين لكم الكمية التي كانوايتناولون في الإفطار والسحور. ألم تكن أنفسهم تشتهي الأكل؟ بلى، إلا أنهم رغبوا في أنوار الصيام، مما لا يتأتى إلا بالتقليل من الطعام والشراب. ويحكي الكتيب هذا عن الشيخ الكبير الشاه عبد الرحيم الرائ فوري أنه كان يكتفي في سحور رمضان بفنجان من الشاي وبيضة نصف مقلية. وأما في الإفطار فكان يقول: لا آخذ إلا ما يقطع علي صوم  الوصال؛ لإن صوم الوصال نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. وأنا في غنى عنه.

معنى النهي عن صوم الوصال؟

     كان النبي صلى الله عليه وسلم  يواصل الصوم أسبوعين، فلما بلغ ذلك أصحابه واصلوا الصوم فقال: لا تواصلوا. قالوا: فإنك تواصل يارسول الله؟ قال: إني لست كأحدكم إن ربي يطعمني ويسقيني. 

     ورغم ذلك كان عمروعائشة وعبد الله بن الزبير يواصلون الصوم إلى أسبوع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وعللت عائشة -رضي الله عنها- نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقولها: «إبقاء عليهم».  أي أن صوم الوصال مباح في نفسه،وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم شفقة عليهم. وكانت عائشة تواصل الصوم أسبوعًا، فهل كان ذلك لأنها لم تكن تجد ما تأكله؟ أبدًا، إلا أنهم كانوا يطمعون في تحقيق غاية الصوم فكانوا يقللون من الطعام.

     ومن حِكَم الصوم تذكر مسكنة الفقراء والمساكين، إلا أننا لا نذكرهم طوال رمضان، لأننا نشبع نفوسنا ما وسعنا ذلك. وهذا أيضا مما يقلل من الشعور بالأنوار في الصيام.

     والوجه الثاني: يجب صيانة الصوم من المعاصي واللغو. هب أنك دخلت الحمام لتغتسل، ولم تفتح «مطلق البخار» (exhauster) فإن البخار يغطي المرآة فلاتكاد ترى شيئا فيها، وأما إذا فتحته ثم اغتسلت فإنه يتراءى لك في المرآة نفسك حين تقوم إليها. وقِسْ عليه صيامنا،حيث إننا نصوم دون أن نفتح «مطلق البخار» فنكذب ونحن صيام، ونتسابّ ونحن صيام، و نغتاب ونحن صيام، ونرمي الناس ونتهمهم ونحن صيام، وكل ذلك نأتيه صباح مساء، فلاشك أن المرآة تتكدر، و يشوه وجهها. فإذا تشوهت المرآة  فأنى ننال أنوار الصيام. ومن ثم نصّ الحديث النبوي الشريف: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). فدل على أن المطلوب ليس فقط أن يدع الطعام والشراب، بل يجب أن يدع اللغو. فإذا صمت صياما خالصًا من هذا كله فلاجرم أنك تشعر بأنوار الصيام. وأما عدم وجداننا لأنوار الصيام فيرجع إلى أمرين.

     والحاصل أن الصيام - هي عبادة بدنية - فرض لكبح جماح البهيمية ولمة الشر.  ليتقي المرء ويخاف. والصلاة عبادة بدنية كذلك تهدف إلى خلق الأنوار في المرء، وليتجلى فيه الملائكية، وينمو الخير، ويتقرب إلى الله تعالى، ويذكره. قال الله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَر [العنكبوت:45]. وذكر الله من أعظم فوائــد الصلاة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء(1).

     والحاصل أن هذا هدف الصلاة، وذاك هدف الصيام. وبما أنه لاتوجد عبادة بدنية تحقق الهدفين هذين، فجعل العبادة البدنية اثنتين، وجعل العبادة المالية واحدةً؛ لأن المال لا يتضمن هدفين. و العبادة المالية هذه هي الزكاة. وأما صدقة الفطر والصدقات النافلة فمن هذا الباب.

الحج عبادة بدنية أم مالية؟

     قال الإمام مالك: الحج عبادة بدنية. وقال الأئمة الثلاثة: عبادة مركبة من المال والبدن. و عليه ذهب الإمام مالك إلى وجوب الحج على من يتصف بالاستطاعة البدنية، أي يستطيع المشي إلى مكة، ولايشترط له الزاد والراحلة. فقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا حمله الإمام مالك على الاستطاعة البدنية. وقال غيره من الأئمة: الاستطاعة البدنية بجانب الراحلة التي تمكنه من السير إلى مكة، وكذلك نفقة عياله من خروجه إلى عودته إلى البيت، فإن فقد شرط من ذلك لم يجب عليه الحج. واستدلوا بما ورد في الحديث من أنه قيل: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: «الزاد والراحلة». 

     وضعف الإمام مالك هذا الحديث فلم يأخذ به. وأما غيره من الأئمة فقالوا: ليس هذا استنباط الحكم من الحديث، وإنما بيان معنى قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. ولا بأس بتفسير الآية بالحديث الضعيف. فهؤلاءلايثبتون الحكم بهذا الحديث، وإنما أخذوا منه أن قوله تعالى ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا لايدل على الاستطاعة البدنية فحسب وإنما يدل كذلك على الاستطاعة المالية. فالإمام مالك يرى أن الحج عبادة بدنية محضة، ويرى غيره من الأئمة أنه يجمع بين الأمرين: البدن والمال.

     والحاصل أني كنت أقول: إن الله تعالى فرض من العبادة البدنية اثنتين ومن العبادة المالية واحدة، فما سببه؟ قلنا: إنما فُرِض من العبادة البدنية اثنتان، لأن الروح تتصف بصفتين، تتطلب كل واحدة منهما عبادة  بمفردها، تزيد أحدهما من مَلَكية البشر، والثانية تقهر البهيمية. و أما المال  فلا يتصف بصفتين، فكانت العبادة المالية واحدة.

الزكاة في المال العام لا في الخاص:

     وقد راعى الشرع الإسلامي في العبادة المالية أمورًا هي:

     1. فرض الزكاة في المال المتوفر لعامة الناس، لا فيما يخص ببعضهم دون بعض. فالشاة و البقرة والجاموس تتوفرعند عامة الناس حيث يقتنونها. وكذلك عملات الذهب و الفضة كانت تتوفرعند عامة الناس حين كانت سائدة. وأما الألماس واليواقيت فلايملكها إلا خاصة الناس. وأنا  ابن سبعين سنة ولم أرَ بعيني الألماس. فهذا الألماس و هذه الجواهر لاتجب فيها الزكاة رغم غلائها وارتفاع أثمانها. فالشرع الإسلامي راعى في فرض الزكاة أن يكون المال متوفرًا لدى عامة الناس دون ما يخص ببعضهم؛ إذ لا زكاة فيه.

     2. اعتبار الغناء في الزكاة: كما راعى الشرع في فرض الزكاة الغناء، أي فرض الزكاة فيما فضل عن حاجة المرء. وأما المشغول في حاجة المرء فلم يفرض فيه الزكاة. كما اعتبر مقدارا معينًا أي النصاب الذي يجب أن يبلغه المال الذي يجب فيه الزكاة. فمن يملك عشرة دولارات لايحصل له الغناء بها. فإذا استمر هذا النصاب طوال السنة دل على أنه فاضل عن حاجته. والغناء عبارة عن كونه فاضلًا عن حاجته الأصلية. وهذا هو الثراء. فمن غدا عليه مئتا ألف، فما أمسى حتى أنفقه، لم يطلق عليه «الغناء».

لازكاة في أصل المال، بل في نماء المال:

     أوجب الشرع الإسلامي الزكاة في نماء المال لا في أصله. فمن يملك أربعين شاة، وحال عليها الحول في ملكه، وأنتجت خلال السنة وبلغت الزيادة خمس عشرة مثلًا، فأمرالشرع بإخراج واحدة  منها، وبإخراج اثنتين منها إذا بلغت الزيادة عشرين، وذلك بعد ما حال على المال الحول. وهذا القدر لايجد به المزكي حرجًا في صدره  حيث لم يفرض عليه شاة بمجرد حصولها في ملكه، بل اعتبر حولان الحول عليها. وقِس عليها الجواميس. فالشرع الإسلامي أخذ الزكاة من نماء المال لا من أصله.

     بل اشترط - كذلك- أن تكون الماشية سائمة، أي كانت مكتفية برعي العشب المباح  في أكثر الحول فيجب فيها الزكاة. فإذا كانت علوفة أي علفه عشبًا زرعه في حقله، أو اشتراه بالثمن، فلا زكاة فيها.

     وكذلك العوامل- أي ما يستخدم في الركوب والحرث، وجر العربات، فلا زكاة فيها و لو كانت أنثى.

     و كذلك لو كانت الماشية صغيرة لاتصلح للإنتاج فلا زكاة فيها؛إذ لا يتحقق النماء فيها.

     فإن قيل: إن الماشية تلد وتنتج فما معنى الزكاة في الذهب والفضة والعملات التي لاتلد و لاتنتج؟ نعم، إن مال التجارة ينمو ويتضاعف، وهذه الأشياء الثلاثة غير نامية؟

     قلنا: اعتبر فيها الشرع النماء تقديرًا،فإن الذهب والفضة والعملات مما يجب استثماره، و تصريفه في التجارة حتى تنمو وتتضاعف، فمن أودعها البنوك والخزانات فقد قصّر وأساء، فلا لوم إلا عليه.

تخفيف الزكاة في الأموال الدائرة:

     الرابع: ثم إن الشرع راعى  أمرا آخر وهو التخفيف في مقدار الزكاة في الأموال الدائرة، وأما غير الدائرة فمقدار الزكاة فيها أكثر بالنسبة إلى غيرها. فمثلًا إذا أخرجت الأرض عشرة أمنانٍ ففيها العشر وهو مَنٌ واحدٌ، أي عشرٌ في المئة. وأما الذهب والفضة والعملات و أموال التجارة ففيها واحد من أربعين فإن الأرض لاتخرج في السنة إلا مرة أومرتين، فزاد مقدار الواجب في خارجها، وأما الذهب وغيره من الأموال فإنها تدور طوال السنة، فخفف مقدار الواجب فيها حتى لا يثقل على الناس أداء الواجب فيها.

نصاب الذهب والفضة وأموال التجارة:

     من كان له فضة مفردة فإن نصابها ست مئة واثنا عشر غرامًا وهو يعادل مئتى درهم وزنًا، أي اثنين وخمسين «تولا»(2). ومن له ذهب بمفرده فقال البعض: إن الذهب يقاس على الفضة يعني إذا كان قيمة الذهب تعادل قيمة ست مئة غرام من الفضة، فقد ملك النصاب. إذًا فليس للذهب نصاب محدد. وإليه جنح الشاه ولي الله رحمه الله، وسبقه بذلك غير واحد من المتقدمين، وكان الدينار مقومًا بعشرة أي الدينار الواحد يعادل عشرة دراهم. فالعشرون دينارًا - التي نصت عليها الأحاديث - كانت قيمتها مئتى درهم. ثم تغير التقويم، وسقطت  الفضة كثيرًا، وارتفع  الذهب ارتفاعًا فاحشًا، ورغم ذلك فإن العبرة بنصاب الفضة.

     هذا، والفتوى في المذاهب الأربعة على أن نصاب الذهب غير نصاب الفضة. فنصاب الذهب: سبعة «تولا» ونصف (عشرون مثقالًا) يعني (87.15) غرامًا. وقد نصت عليه ثلاثة أحاديث، في كل واحد منها ضعف، إلا أنها يتقوى بعضها ببعض.

نصاب الأموال الخليطة:

     من لديه شيء من الفضة، و شيء من الذهب، أو معهما  عملة أخرى، فالعبرة بنصاب الفضة. فمن أراد أن يزكي ماله هذا، فإن عليه أن يرجع إلى السوق، يسأل عن قيمة الفضة، ويسأل عن قيمة الذهب ويسجلهما ثم يضم إليهما العملة النقدية، فإن بلغ مجملها قيمةَ نصاب الفضة (ست مئة غرام) فعليه الزكاة.إذًا فالعبرة حينئذ بنصاب الفضة، لأنه أنفع للفقراء. و الفتوى عليه عند الأئمة الأربعة.

العبرة في العملات القوية بالذهب أوالفضة؟

     العبرة عندي في العملات الثقيلة بنصاب الذهب. فإذا بلغ إجمالي العملة القوية قيمة سبعة وثمانين غرامًا  من الذهب، وحال عليها الحول وجب فيها الزكاة. ولا عبرة عندي في العملات القوية بالفضة، لأن ماليتها لايؤبه بها. والعملات القوية: الجنيه (pound)، و الدولار، والدينار.  والفتوى عند الأئمة الأربعة على أن العبرة بنصاب الفضة.

الأجناس الخمسة في أنصبة الأموال الزكوية، وأعظم الأنصبة:

     الأموال الزكوية لها خمسة أجناس تختلف بعضها عن بعض. ولا يضم بعضها إلى بعض. و لكل جنس نصاب بعينه. وهذا ما يطلق عليه النصاب الأكبر. وثمة نصاب أصغر. والأحكام التي تتعلق بالنصاب الأصغرة خمسة، و الأحكام المتعلقة بالنصاب الأكبر ستة:

     الجنس الأول: من له إبل ترعى كلأً مباحًا في الصحراء أكثرَ الحول (أي السائمة ) و نصابها خمس من الإبل، وليس فيما دونها زكاة.

     الجنس الثاني: البقر والجاموس وهما من فصيلة واحدة. ونصابها ثلاثون بقرة، إذا كانت سائمة غير علوفة، وليس فيما دونها زكاة.

     الجنس الثالث: الشاة والغنم، وهما من فصيلة واحدة. ونصابها أربعون شاة، إذا كانت سائمة. وليس فيما دون الأربعين زكاة.

     الجنس الرابع: الخارج من الأرض. فإن أنفق على سقيها مالًا أو بذل جهدًا فيها، ففيها نصف عشرالخارج، وإن لم ينفق على سقيها، وإنما سقيت بالمطر، ففيها عشر الخارج. وأما النفقة - ما عدا السقي-: كالحرث، و إلقاء البذور، والسماد وغيرذلك فلا عبرة بها. وتسمى هذه الزكاة «العشر». وتقوم الدولة بجبايتها وإنفاقها على من يستحقها من الفقراء.

حكم العشر في أراضي البلاد الإسلامية وغير الإسلامية:

     الدول ثلاث: الأولى  الإسلامية، والثانية: كانت إسلامية ثم خرجت من أيدي المسلمين كالهند مثلًا، والثالثة: ما لم يخضع للحكم الإسلامي، مثل: «كندا» والحكم في أراضيها يختلف من بلد إلى آخر: فالدول الإسلامية أراضيها نوعان: ما سقته الأنهار الطبعية، وظلت في حيازة المسلمين، ففيها العشر، فإن سقته المضخات المائية أوالآبار ففيها نصف العشر.

     والنوع الثاني: ما سقته الأنهار الطبعية إلا أنها كانت في يد الكفار ثم استولى عليها أهل الإسلام، فلاعشر فيها، وإنما فيها الخراج. والدولة تتولى جباية الخراج لينفق معظمها على الجند و في سبيل الرقي بالدولة.

     وأما ما كان في يد المسلمين ثم خرج منهم، كالهند مثلًا، فلا عشر فيها؛ لأن حكومة البلاد تأخذ من أراضيها الخراج، ولا تجتمع المؤنتان على أرض. وإن كان يستحب إخراج العشر من الخارج منها.

     والنوع الثالث: الدول التي لم تخضع للحكم الإسلامي أبدًا، مثل «كندا»، فلَأَن لا يجبَ فيها العشر أولى. فإنه إذا لم يكن العشر في أرض مثل الهند فأنَّى يجب في النوع الثالث من البلاد. وغاية ما فيه  الاستحبابُ. فهذا العشر الذي يؤخذ من الأرض في حكم الزكاة، وهو جنس مفرد بذاته.

     الجنس الخامس: يشمل أربعة أشياء، وهي بمجموعها جنس واحد: الذهب والفضة، والعملات وأموال التجارة. فإن كان الذهب بمفرده فقد سبق شرح نصابه. كما سبق نصاب الفضة إذا كان بمفرده. وأما إذا كان له العملات بمفردها أو أموال التجارة بمفردها، فالعبرة فيها بنصاب الفضة أو بنصاب الذهب؟ مال أهل الإفتاء إلى أن العبرة بنصاب الفضة. وأرى أن العبرة في العملات الثقيلة بنصاب الذهب.

     ومن كان له خليط من الذهب والفضة والعملات وأموال التجارة قُوّم كل واحد منها، فإن بلغ نصاب الذهب أو الفضة وحال عليها الحول وجب فيها الزكاة. فهذه خمسة أجناس، و هي النصاب الأكبر إذا استثنينا الخارج من الأرض. وهذا النصاب يعود إلى القدرة الميسرة.

النصاب الأصغر وما يخصه من أحكام:

     وثمة نصاب أصغر،وهو ما يعود إلى القدرة الممكنة. وهو أن يستثنى ما كان مشغولًا في حاجة الإنسان الأصلية، فما فضل عنها يقوّم، ويدخل في النصاب. فمن له ضيعة يعيش عليها هو أهله، فهي مشغولة في حاجته الأصلية، فما فضل عنها قومت وحُسِبَ في النصاب. ومن له دُورٌ يعيش على كرائها. فالدور التي يعيش على كرائها هو وأهله، يستثنى مـن مـال الـزكاة ومـا فضل عنهـا قوِّم وضم إلى النصاب. ومن لـه كميات كبـيرة مـن أواني البيت، أو حلل نسائية أو رجالية بعدد لا يحصى، فالأواني والحلل المشغولة في حاجته الأصلية عفيت عن الزكاة، وما فضل من الأواني والثياب قُوِّم، وضُمَّ إلى النصاب. فإن بلغت قيمتها نصاب الفضة أو نصاب الذهب، فقد ملك النصاب الأصغر.

ويتعلق بالنصاب الأصغر خمسة أحكام:

     1. وجوب الأضحية عليه.

     2. وجوب صدقة الفطر عليه.

     3. لايحل له أخذ  الزكاة. وهو غني، فمن دفع إليه الزكاة لم تصح.

     4. وجوب الحج عليه، إن كان يجزيه في الحج.

     5. يجب عليه نفقة من لايقدر على الكسب - رجلًا أو امرأة - من قبل أبيه أو أمه.

     ومن له النصاب الأكبر أي له خمس من الإبل، أو ثلاثون من البقرة، أو أربعون من الشاة أو نصاب الذهب أو الفضة أو العملات أو أموال التجارة: لزمته ستة أشياء: الخمسة السابقة بالإضافة إلى وجوب الزكاة عليه.

ما مال التجارة؟

     من اشترى عينًا من الأعيان بنية البيع فهو مال التجارة. وإن لم ينوِ البيع عند الشراء فليس من مال التجارة. فقد يشتري المرء عينًا للمؤاجرة، أو ليستفيد مالًا، فليس للتجارة. أو اشترى أرضًا ليبني عليها الدور لأولاده حين يكبرون ويحتاجون إليها أو يبيعها إن عُرِضَت عليه عروضٌ مغرية. فليس هذا كذلك من مال التجارة. أو كانت أرضه لا تصلح غلاتها للأكل: كالقطن أو الخردل فيُضطر الفلاح إلى بيعه أو كانت حبوبًا تصلح للأكل و تفيض عن حاجتـه، فمثلًا غلة أرضه مئتا منٍّ، وتغنيه منها ثلاثون منًا، فالفلاح يبيع الفائض عن حاجته. فليس هذا من مال الزكاة ولاتجب فيه الزكاة باقيًا ما بقي. فإن باعه، واستلم الثمن، ثم حال عليه الحول، فهذا المال الجديد المستفاد يجب فيه الزكاة. ومن اشترى القطن أو الخردل وأمسكه ليبيعه حين يرتفع ثمنه، فهذا مال التجارة، وكذلك من اشترى دورًا للمؤاجرة - لا للبيع - ونوى أن يبيعها حين تُعرَض عليه عروض مُغرية. فلا زكاة فيها، وأما غلتها فتحسب في مجموع المال، فإن حال عليها الحول وجبت الزكاة على الغلة مضمومة إلى أصل المال.

الدين الذي يستثى أولا يستثنى من الزكاة

     واعلم أنه يجب استثناء الدين من مجموع المال عند حساب الزكاة. فما فضل عنه وجب فيه الزكاة. والدين ثلاثة أنواع:

     1. الدين القوي: هو ما يمكن استيفاؤه أو مطالبته في أي وقت. وهوالقرض الحسن. ومثل هذا الدين يضم إلى أصل المال إن كنت طالبه، ويستثنى من أصل المال إن كان عليك إيفاؤه لصاحبه.

     2. الدين الضعيف:كدين المهر. و المهر على نوعين: معجل، ومؤجل. فدين المهر المعجل قوي، يجب أداؤه بصورة أوأخرى، ودين المهر المؤجل لايطالب به إلإ عند الطلاق أو الموت. فهو دين ضعيف. فلاتضم المرأة مهرها إلى مجموع المال. ولايستثني الزوج من مجموع ماله .

     وتكاثرت الأمثلة اليوم على الدين الضعيف: مثل شراء الدور والماكينات والعقارات و التلفاز وما إلى ذلك بالأقساط والنجوم. فالأقساط الحالة من الدين القوي، والأقساط غير الحالة من الدين الضعيف. ولايستثنى من مجموع المال ولا يضم إليه. لأن هذه الأقساط ما آن أوانُ مطالبتها. وأما الأقساط الحالة - مما يمكن المطالبة به في أي وقت - فهي من الدين القوي.

حكم المصنوعات والمواد الخام:

     هذا، وهناك مصنوعات و منتجات أخرى حيث تقام المصانع الضخمة، و بها المال الخام تبلغ قيمتها آلاف الروبيات. و هذه المواد الخام ليس للبيع، وإنما يصنع منه المصنوعات و المنتجات للتسويق. وهناك مزارع الدواجن لتربية الدجاجات للبيض لا للبيع أو كانت للبيع إذا بلغ وزنها كيلو مثلًا. فهذه كلها من المنتجات والمصنوعات.

     وأصدرت الجامعة الإسلامية دار العلوم/ ديوبند فتوى توجب الزكاة في المادة الخام باعتبارها للبيع، وأرى أن المادة الخام ليس من مال التجارة، فإنه كما لا يجب الزكاة في الماكينات؛ لأنها أدوات و آلات، فكذلك المادة الخام وسيلةٌ من الوسائل،ثم إذا حصلت منه المنتَجَات والمصانع لا يجب فيها الزكاة كما لا يجب الزكاة في المحاصيل الزراعية - كالقمح مثلًا - حتى يتم بيعها. فكذلك المصانع لاتجب  الزكاة في مصنوعاتها ومنتجاتها حتى يتم بيعها، فيضم ثمنها إلى مجموع المال، فإذا حال الحول عليها وجب الزكاة فيها. وأما دارالإفتاء بهذه الجامعة فإنها ترى أن المادة الخام من أموال التجارة، فيجب فيها الزكاة. والأخذ بفتوى دار الإفتاء  أحوط.

     3. الدين المتوسط:وهودين لايجحده المدين ولايقوم بإيفائه. فإن كان المزكي عليه الدفع (مستدينًا)، لم يستثنه من مجموع المال. فإن شاء سلمه لصاحبه وإلا فلا. وإن كان المزكي مستوفيًا، فإنه لا يضمه إلى مجموع ماله، حتى يستوفيه فيزكي عن الأعوام  السابقة.

العبرة في مال التجارة بقيمتها السوقية،أو ثمنها أو ربحها؟

     عند حساب الزكاة نعتبر قيمة أموال الزكاة في السوق أو بالثمن الذي تم شراؤها به،أو بالثمن الذي نبيعه به؟

     فنقول: العبرة بقيمتها السوقية. والقيمة السوقية، وثمن الشراء يتفقان في الغالب إذا لم يمض مدة طويلة على الشراء. فإذا مضى مدة طويلة على الشراء - مثلًا - اشترى قطعة من الأرض، واستقرت عنده ثلاث سنوات، فإن القيمة السوقية تختلف، فقد ترتفع وقد تنزل. و أما إذا اشترى المال اليوم، وتم العقد عليه في نفس الشهر، فإن قيمته السوقية وثمن الشراء يتفقان في الغالب. وأما المال الذي يريد بيعه بربح، مثلًا باع بروبية ونصف ما شراه بروبية واحدة، فإن هذا الربح (نصف روبية) لايعتبر في باب الزكاة، فإنه ربح، يكسبه حين يكسبه، وقد لا يكسبه. فربما يسرق المتاع قبله أو ينزل سعره. إذًا فقيمة السوق والثمن يتوافقان إذا لم يفصل بينهما مدة طويلة. فأما إذا بعد أحدهما عن الآخرفإن العبرة بقيمة السوق، لا ثمن الشراء. فهذه مسائل هامة قدمتها إليكم.

*  *  *

الهوامش:

1-  رواه مسلم في الصلاة [482]

2-      تولا = 0504.12غم (هندي)

*  *  *