ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، رمضان - شوال 1438 هـ = يونيو - يوليو 2017م ، العــــــــــــدد : 9-10 ، السنــــــــــــــــــــــة : 41

 

دراسات إسلامية

 

·     نماذج من نصائح السلف

·     المنن العظام تتوالى في شهر رمضان

·     الصوم جُنّــــــــــــــــــــة وجَنــــــــــــــــــة

·     العلامة شبير أحمد العثماني وكتابه «فتح الملهم»


نماذج من نصائح السلف

بقلم:  الأستاذ: محمد أبو صعيليك

 

 

 

     ولا يكمل ما نريد إيصاله في موضوع النصيحة إلا بذكر أمثلة حية للنصيحة عند سلفنا الصالح -رضوان الله عليهم-، إذ هم أقرب إلى عصر النبوة، وأسلم دينًا، وأصفى نفوسًا، وأرق قلوبًا، وأعمق أخوة، وأكثر ألفة، وأقلّ حظًا للشيطان، ولذا فقد اخترت نماذج من نصح هؤلاء، علّ في ذلك ما يدفع الناصح فينا إلى تحريك النصيحة الصحيحة التي يؤجر المرء بها.

النصيحة الأولى

نصيحة جرير بن عبد الله لمن أراد بيع فرسه

     أخرج الإمام الطبراني في المعجم الكبير بسند صحيح عن إبراهيم بن جرير البجلي عن أبيه قال: غدا أبو عبد الله «أي جرير» إلى الكناسة ليبتاع منها دابة، وغدا مولى له فوقف في ناحية السوق، فجعلت الدواب تمر عليه، فمر به فرس فأعجبه، فقال لمولاه، انطلق فاشتر ذلك الفرس، فانطلق مولاه، فأعطى صاحبه به ثلاث مائة درهم، فأبى صاحبه أن يبيعه، فماتحه(89)، فأبى صاحبه أن يبيعه، فقال: هل لك أن تنطلق إلى صاحب لنا ناحية السوق؟

     قال: لا أبالي، فانطلقا إليه، فقال له مولاه: إني أعطيت هذا بفرسه ثلاث مائة درهم، فأبى، وذكر أنه خير من ذلك، قال صاحب الفرس: صدق، أصلحك الله، فترى ذلك ثمنًا؟ قال: لا، فرسك خير من ذلك تبيعه خمس مئة حتى بلغ سبع مئة درهم أو ثماني مئة، فلما أن ذهب الرجل أقبل على مولاه فقال له: ويحك انطلقت لتبتاع لي دابة، فأعجبتني دابة رجل، فأرسلتك تشتريها، فجئت برجل من المسلمين تقوده، وهو يقول: ما ترى ما ترى؟ وقد بايعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على النصح لكل مسلم(90).

فقه نصيحة جرير بن عبد الله

     إذا أجلنا النظر في هذه القصة، وجدنا فيها دلالات عظيمة نذكرها كما يلي:

     1- لم يقبل جرير -رضي الله عنه- غبن الرجل بشراء فرسه بأقلّ مما يستحق، وإن كان في ذلك زيادة ثمن يدفعها هو، وهذا جانب من جوانب النصح لعامة المسلمين بعدم الغبن والغش لهم في البيع والشراء.

     2- مع زيادة حرصه على غيره أنه أنب مولاه على فعله، ولم يغض طرفه عن الموضوع، ولم يترك القضية لمولاه ليظهر هو بمظهر البريء أمام الناس.

     3- يقول ابن حزم: «والخديعة في البيع جملة بلا شك يدري الناس كلهم أن من أخذ من آخر فيما يبيع منه أكثر مما يساوي بغير علم المشتري ولا رضاه، ومن أعطاه آخر فيما يشتري منه أقل مما يساوي بغير علم البائع ولا رضاه، ومن أعطاه آخر فيما يشتري منه أقلّ مما يساوي بغير علم البائع ولا رضاه، فقد غشّه، ولم ينصحه، ومن غشّ ولم ينصح فقد أتى حرامًا»(91).

     4- وقال ابن حزم أيضًا: «فهؤلاء عمر وابنه، والعباس ، وعبد الله بن جعفر، وأبي، وجرير، ولا مخالف لهم من الصحابة -رضي الله عنهم- يرون رد البيع من الخديعة في نقصان الثمن عن قيمة المبيع»(92).

النصيحة الثانية

نصيحة الحسن والحسين

     رأى الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- رجلًا كبيرًا في السن يتوضأ، وكان لا يحسن الوضوء، فأرادا تعليمه، فذهبا إليه، فادعيا أنهما قد اختلفا أيهما حسن الوضوء، أكثر من أخيه؟ وأرادا منه أن يحكم بينهما، فأمر أحدهما بالوضوء، ثم أمر الآخر بالوضوء، ثم قال لهما: أنا الذي لا أعرف الوضوء، فعلماني إياه(93).

فقه نصيحة الحسن والحسين

     في هذه القصة دلالات طيبة في موضوع النصيحة نذكرها كما يلي:

     1- تحلي الحسن والحسين بلطف الأسلوب في النصيحة حتى إنهما اتخذا وسيلة يمكنهما بها إيصال النصيحة لهذا الرجل، وهي التحاكم إليه في موضوع الوضوء، ولو أتياه بطريقة أخرى لربما تأخرت استجابته لنصيحتهما.

     2- لم يشعرا الرجل بشخصيتهما أو نسبهما، ليكون ذلك مدخلًا لقبول النصح منهما.

     3- لم يؤنبا الرجل على عدم معرفته بالوضوء رغم كبر سنه، ولم يجعلا من ذلك طريقًا للازدراء بالرجل رغم كبر سنه.

     4- لم يعيبا الرجل بالجهل، بل اتجها إلى طريقة يمكنهما بها تعليمه الوضوء دون إحراج له، ودون إساءة له.

     5- كانا دقيقين مع الرجل في حوارهما معه، ونصحهما له، مما جعله يقبل نصحهما، ويدرك أنه أحوج إلى تعلم الوضوء بدل أن يقوم بوظيفة الحكم بين هذين الشابين.

     6- طبقا سنة جدهما (في احترام الكبير والعطف على الصغير.

النصيحة الثالثة

نصيحة الإمام مالك بن أنس لأحد خلفاء عصره

     تكلمنا سابقًا عن النصيحة ومجالاتها، ولقد كان من المجالات الحكام، ولقد حرص علماؤنا على نصح الحكام بما يسدد مسيرة الدولة، ويبرئ ذمة العلماء، وهذا كان منهجًا لعلمائنا -رحمهم الله تعالى-، وقد كان من أولئك الناصحين إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس -رحمه الله-، فقد كتب إلى الخليفة هارون الرشيد رسالة ينصحه فيها، ويقول:

     أما بعد، فإني كتبت إليك بكتاب لم آلك فيه رشدًا، ولم أدخر فيه نصحًا، تحميدًا لله وأدبًا عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فتدبره بعقلك، وردّد فيه بصرك، وأرعه سمعك، ثم أعقله قلبك، وأحضر فهمك، ولا تغيبن عنه ذهنك، فإن فيه الفضل في الدنيا وحسن ثواب الله في الآخرة.

     اذكر نفسك في غمرات الموت وكربه ما هو نازل بك منه، وما أنت بموقوف عليه بعد الموت من العرض على الله سبحانه، ثم الحساب، ثم الخلود بعد الحساب.

     وأعدّ لله عزّ وجلّ ما يسهل عليك أهوال تلك المشاهد، وكربها؛ فإنك لو رأيت سخط الله تعالى، وما صار إليه الناس من ألوان العذاب، وشدة نقمته عليهم، وسمعت زفيرهم في النار، وشهيقهم مع كلوح(94) وجوههم، وطول غمهم، وتقلبهم في دركاتها(95) على وجوههم، لا يسمعون، ولا يبصرون، ويدعون بالويل، والثبور، وأعظم من حسرة إعراض الله عنهم، وانقطاع رجائهم، وإجابته إياهم بعد طول الغم بقوله: ﴿اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ (المؤمنون: من الآية108).

     ثم قال له: لا تأمن على شيء من أمرك من لا يخاف الله، فإنه بلغني عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: «شاور في أمرك الذين يخافون الله».

     احذر بطانة السوء وأهل الردى على نفسك؛ فإنه بلغني عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ما من نبيّ ولا خليفة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف، وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالًا)(96).

     ثم قال: لا تجرّ ثيابك؛ فإن الله لا يحب ذلك، فقد بلغني عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من جرّ ثيابه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)(97).

     اطع الله في معصية الناس، ولا تطع الناس في معصية الله، فقد بلغني عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»(98).

فقه نصيحة الإمام مالك

     تلكم هي فقرات من نصيحة الإمام مالك لهارون الرشيد، والناظر فيها يجد أن ثمة دلالات يمكن أن تلمح في هذه النصيحة، ومن هذه الدلالات نذكر ما يلي:

     1- كانت النصيحة المسداة هنا شاملة تحوي كل معاني الإيمان، وفي هذا يقول الأستاذ عبد العزيز البدري -رحمه الله-: «احتوى هذه الرسالة على كل معاني الإيمان، والدعوة إلى التمسك بأحكام الإسلام وحدوده وآدابه»(99).

     2- هذه النصيحة خالصة لله صادقة خرجت من قلب صادق، يقول البدري في وصفها:

     «وهي موعظة حقًا تجل منها القلوب، ونصيحة صادقة تذرف منها العيون، وتقرب المسلم من ربه لينال رضاه، إن انتصح بها، واستمع إليها، وجعلها موضع التطبيق والتنفيذ»(100).

     3- قوبلت هذه النصيحة بالقبول من المنصوح وهو هارون الرشيد، وهذه ثمرة النص المرجوة منه.

     4- نصيحة الحاكم أعمق أثرًا، وأشدّ خطرًا من نصيحة أفراد الرعية، وبخاصة إذا صدرت من عالم ورع تقي، وفي هذا يقول الأستاذ البدري: «وكانت النصيحة وانتصاحهم للحاكم في مقدمة المنتصحين؛ لأن نصيحتهم فيها الخير كل الخير لهم، ولمن يتولون أمرهم»(101).

     5- جوانب النصح للحاكم عند مالك متعددة، وفي هذا يقول العلامة محمد أبو زهرة -رحمه الله-: «ولم يقتصر في نصائحه على المخاطبة، بل ينصحهم أيضًا بالمكاتبة برسائل يرسلها إليهم»(102).

النصيحة الرابعة

رسالتان متبادلتان بين الإمامين مالك والليث بن سعد

     كان مالك عالم أهل الحجاز، وكان الليث بن سعد عالم أهل مصر، وقد كان في درجة مالك في العلم، حتى قال فيه الشافعي: «الليث أفقه من مالك غير أن أصحابه لم يقوموا به»(103).

     ولقد تبادل الإمام مالك النصح مع الليث، فكتب مالك إلى الليث رسالة ينصحه فيها، ورد عليه الليث برسالة كذلك، ولذا فمن الأمانة العلمية أن نثبت نص رسالة مالك أولًا على طولها، ثم رسالة الليث كذلك، ثم نعقب بعد ذلك بذكر دلالات هاتين النصيحتين المكتوبتين.

نص رسالة الإمام مالك

بسم الله الرحمن الرحيم

     من مالك  بن أنس إلى الليث بن سعد، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، عصمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإياك من كل مكروه.

     كتبت إليك وأنا ومن قبلي من الولدان والأهل على ما تحب، والله محمود، أتانا كتابك، تذكر من حالك، ونعمة الله عليك الذي أنا به مسرور، أسأل الله أن يتم عليّ وعليك صالح ما أنعم علينا وعليك، وأن يجعلنا له شاكرين.

     وفهمت ما ذكرت في كتب بعثت بها لأعرضها لك، وأبعث بها إليك، وقد فعلت ذلك وغيرت منها ما غيرت حتى صح أمرها على ما يجب، وختمت على كل قنداق(104)، (أو قال يحي: غنداق) منهال بخاتمي ونقشته حسبي الله ونعم الوكيل، وكان حبيبًا إليّ حفظك، وقضاء حاجتك، وأنمت لذلك أهل وجيرة، وصرت لك نفسي في ساعة لم أكن أعرض فيها لأن أنجح ذلك، فتأتيك مع الذي جاء في بها، حتى دفعتها إليه، وبلغت من ذلك الذي رأيت أنه يلزمني لك في حقك وحرمتك، وقد نشطني ما استطلعت مما قبلي من ذلك في ابتدائك بالنصيحة لك، ورجوت أن يكون لها عندك موضع، ولم يكن منعني من ذلك قبل اليوم إلا أن يكون رأيي لم يزل فيك جميلًا، إلا أنك لم تذاكرني شيئًا من هذا الأمر، ولا تكتب فيه لي.

     واعلم، رحمك الله، أنه بلغني أنك تفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا، وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاء منك حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه، فإن الله عزّ وجلّ يقول في كتابه ﴿وَالسّٰبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْـمُهٰجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسٰنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّٰتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهٰرُ خٰلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة:100). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ y7Í´¯»s9'ré& الَّذِينَ هَدٰﻬُﻢْ اللهُ وَy7Í´¯»s9'ré& هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (الزمر:18).

     فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن، وأحلّ الحلال، وحرّم الحرام، إذ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيتبعونه، ويسنّ لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله، واختار له ما عنده.

     ثم قام من بعده أتبع الناس له من أمته، ممن ولّي الأمر من بعده، فما نزل بهم مما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم علم فيه سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا  في ذلك اجتهادهم، وحداثة عهدهم، فإن خالفهم مخالف، أو قال امرؤ: «غيره أقوى منه وأولى، ترك قوله، وعمل بغيره».

     ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبل، ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرًا معمولًا به، لم أر خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة، التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل ببلدنا، وهذا الذي مضى عليه من مضى منا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يجز لهم من ذلك مثل الذي جاز لهم، فانظر -رحمك الله- فيما كتبت إليك فيه لنفسك، واعلم أني لأرجو ألا يكون دعاني إلى ما كتبت إليك إلا النصيحة لله، والنظر إليك، والضن بك، فأنزل كتابي منك منزله، فإنك إن تفعل تعلم أني لم آلك نصحًا، وفقنا الله وإياك بطاعته، وطاعة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في كل أمر، وعلى كل حال، والسلام عليك ورحمة الله(105).

نص رسالة الليث بن سعد

بسم الله الرحمن الرحيم

     «من الليث بن سعد إلى مالك بن أنس: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، عافانا الله وإياك، وأحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وقد بلغني كتابك، تذكر فيه من صلاح حالك الذي يسرني، فأدام الله ذلك لكم، وأتمه بالعون على الشكر له وبه، والزيادة في أحسنه، وذكرت نظرك في الكتب التي بعثت إليك بها، وإقامتك إياها، وختمك عليها بخاتمك.

     وقد أتتنا فآجرك الله فيما قدمت منها، فإنها كتب انتهت إليّ عنك، فأحببت أن أبلغ تحقيقها بنظرك فيها.

     وذكرت أنه قد نشطك ما كتبت إليك فيه من تقويم ما أتاني عنك إلى ابتدائي بالنصيحة، وأنك ترجو أن يكون لها عندي موضع، (أو قال يحي: موقع)، وأنه لم يمنعك من ذلك فيما خلا إلا أن يكون رأيك فينا جميلًا، إلا أني لم أذاكرك مثل هذا، وأنه بلغك أني أفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وأنه يحق علي الخوف على نفسي، لاعتماد من قبلي على ما أفتيهم به، وأن الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن.

     وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك، إن شاء الله، ووقع مني بالموقع الذي تحب، وما أجد أحدًا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا، ولا أشد تفضيلًا، (أو قال: تفصيلًا) لعلم أهل المدينة الذين مضوا، ولا أخذا بفتياهم فيما اتفقوا عليه مني والحمد لله.

     وأما ما ذكرت من مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزول القرآن عليه بين ظهراني أصحابه، وما علمهم الله منه، وأن الناس صاروا تبعًا لهم، فكما ذكرت، وأما ما ذكرت من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالسّٰبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْـمُهٰجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسٰنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّٰتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهٰرُ خٰلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة:100).

     فإن كثيرًا من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله، فجنّدوا الأجناد، واجتمع إليهم الناس، وأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة رسوله، ولم يكتموهم شيئًا علموه، فكان في كل جند منهم طائفة يعملون بكتاب الله، وسنة نبيه –صلى الله عليه وسلم- ولم يكتموهم شيئًا علموه ويجتهدون رأيهم فيما لم يفسره لهم القرآن والسنة، ويقومهم عليه أبو بكر وعمر وعثمان، الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأجنادهم ولا غافلين عنهم، بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير لإقامة الدين، والحذر من الخلافة لكتاب الله، وسنة نبيه –صلى الله عليه وسلم-، فلم يتركوا أمرًا فسره القرآن، أو عمل به النبي –صلى الله عليه وسلم- أو ائتمروا فيه، إلا علموه، فإذا جاء أمر عمل به أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان، لم يزالوا عليه حتى قبضوا لم يأمروهم بغيره.

     فلا نراه يجوز لأجناد المسلمين أن يحدثوا اليوم أمرًا لم يعمل به سلفهم من أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- والتابعين لهم، حتى ذهب أكثر العلماء، وبقي منهم من لا يشبه من مضى، مع أن أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قد اختلفوا بعده في الفتيا في أشياء كثيرة، لولا أني عرفت أن قد علمتها، كتبت إليك بها.

     ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- سعيد بن المسيب ونظراؤه، أشد الاختلاف.

     ثم اختلف الذين كانوا بعدهم، حضرناهم بالمدينة، وغيرها، ورأيتهم يومئذ في الفتيا: ابن شهاب، وربيعة بن أبي عبد الرحمن رحمة الله عليهما فكان من خلاف ربيعة تجاوز الله عنه لبعض ما مضى، وحضرت وسمعت قولك فيه، وقول ذوي السن من أهل المدينة: يحي بن سعيد، وعبيد الله بن عمر، وكثير بن فرقد، وغير كثير، وممن هو أسن منه، حتى اضطرك ما كرهت من ذلك إلى فراق مجلسه.

     وذاكرتك أنت وعبد العزيز بن عبد الله بعض ما نعيب على ربيعة من ذلك، فكنتما موافقين فيما أنكرت، تكرهان منه ما أكره، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الإسلام، ومودة صادقة لإخوانه عامة، ولنا خاصة، رحمه الله، وغفر له، وجزاه بأحسن عمله(106).

     وكان يكون من ابن شهاب اختلاف كثير إذا لقيناه، وإذا كاتبه بعضنا، فربما كتب في الشيء الواحد على فضل رأيه وعلمه بثلاثة أنواع، ينقض بعضها بعضًا، ولا يشعر بالذي مضى من رأيه في ذلك الأمر، فهو الذي يدعوني إلى ترك ما أنكرت تركي إياه.

     وقد عرفت أن مما عبت إنكاري إياه أن يجمع أحد من أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة، بما لا يعلمه إلا الله -عز وجل-، ولم يجمع إمام منهم قط في ليلة المطر، وفيهم خالد بن الوليد، وأبو عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وقد بلغنا أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: (أعلمكم بالحلال والحرام معاذ)(107). ويقال: يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة(108)، وشرحبيل بن حسنة، وأبو الدرداء، وبلال بن رباح.

     وقد كان أبو ذر بمصر، والزبير بن عوام، وسعد بن أبي وقاص، وبحمص سبعون من أهل بدر، وبأجناد المسلمين كلها، وبالعراق ابن مسعود، وحذيفة، وعمران بن حصين، ونزلها علي بن أبي طالب سنتين، بمن كان معه من أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط(109).

     ومن ذلك القضاء بشهادة الشاهد ويمين صاحب الحق، وقد عرفت أنه لم يزل يقضى به بالمدينة، ولم يقض به أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بالشام ولا مصر ولا العراق، ولم يكتب به إليهم الخلفاء المهديون الراشدون: أبو بكر، وعمر وعثمان.

     ثم ولّي عمر بن عبد العزيز، وكان كما قد علمت في إحياء السنن، وقطع البدع، والجد في إقامة الدين، والإصابة في الرأي، والعلم بما مضى من أمر الناس، فكتب إليه رزيق بن الحكيم: إنك تقضي بذلك بالمدينة بشهادة الشاهد، ويمين صاحب الحق، فكتب إليه عمر: إنا قد كنا نقضي بذلك في بالمدينة، فوجدنا أهل الشام على غير ذلك، فلا نقضي إلا بشهادة رجلين عدلين، أو رجل وامرأتين(110). ولم يجمع بين المغرب والعشاء قط في المطر، والسماء تسكب عليه في منزله الذي كان يكون فيه بخناصره(111) سكبًا.

     ومن ذلك أن أهل المدينة يقضون في صدقات النساء أنها متى شاءت أن تكلم في مؤخر صداقها تكلمت، يدفع ذلك إليها، وقد وافق أهل العراق أهل المدينة على ذلك. وإن أهل الشام وأهل مصر لم يقض أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولا من بعـدهم لا امرأة بصداقها المؤخر، إلا أن يفرق بينهما الموت أو الطلاق، فتقوم على حقها.

     ومن ذلك قولكم في الإيلاء: إنه لا يكون عليه طلاق حتى يوقف، وإن مرت الأربعة أشهر، وقد حدثني نافع عن عبد الله، وعبد الله الذي كان يروي عنه ذكر التوقف بعد الأربعة أشهر، أنه كان يقول في الإيلاء الذي ذكر الله في كتابه: لا يحل للمولى، إذا بلغ الأجل، إلا أن يفي كما أمره الله، أو يعزم الطلاق، وأنتم تقولون: وإن لبث شهرًا بعد الأربعة أشهر التي سمّى الله، ولم يوقف لم يكن عليه طلاق.

     وقد بلغنا عن عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وقبيصة بن ذؤيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهم قالوا: في الإيلاء إذا مضت الأربعة أشهر فهي تطليقة بائنة(112)، وقال سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، وابن هشام، وابن شهاب: إذا مضت الأربعة فهي تطليقة، وله الرجعة في العدة(113).

     ومن ذلك أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا ملك الرجل امرأته، فاختارت زوجها، فهي تطليقة، وإن طلقت نفسها ثلاثًا فهي تطليقة(114)، وقضى به عبد الملك بن مروان وكان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول: وقد كان الناس يجتمعون على أنها إن اختارت زوجها، لم يكن فيه طلاق، وإن اختارت نفسها واحدة أو اثنتين، كانت له عليها رجعة، وإن طلقت نفسها ثلاثًا بانت منه، ولم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، فيدخل بها، ثم يموت عنها، أو يطلقها، إلا أن يردعها في مجلسه فيقول: إنما ملكك واحدة، فيستخلف، وخلى بينه وبين امرأته(115).

     ومن ذلك أن عبد الله بن مسعود كان يقول: أيّما رجل تزوج أمة، ثم اشتراها زوجها، فاشتراؤه إياها ثلاث تطليقات، وكان ربيعة يقول ذلك، وإن تزوجت الحرة عبدًا، فاشترته فمثل ذلك(116).

     وقد بلغتنا عنكم أشياء من الفتيا، فاستنكرناها، وقد كتبت إليك في بعضها، فلم تجبني في كتابي، فتخوفت أن تكون قد استثقلت ذلك، فتركت الكتاب إليك في شيء مما أنكرت، وفيما أردت فيه علم رأيك، وذلك أنه بلغني أنك أمرت زفر بن عاصم الهلالي(117)، حين أراد أن يستسقي أن يقدم الصلاة قبل الخطبة، فأعظمت ذلك؛ لأن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، كهيئة يوم الجمعة، إلا أن الإمام إذا دنا فراغه من الخطبة حول وجه إلى الخطبة، فدعا، وحول رداءه ثم نزل فصلى.

     وقد استسقى بين ظهرانيكم عمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وغيرهما(118)، فكلهم يقدم الخطبة والدعاء قبل الصلاة، فاستهتر الناس الذي صنع زفر بن عاصم من ذلك واستنكروه.

     ومن ذلك أنه ذكر لي أنك تقول: إن الخليطين في المال لا يجب عليهما الزكاة، حتى يكون لكل واحد منهما ما يجب فيه الصدقة، وفي كتاب عمر بن الخطاب أنه يجب عليهما الصدقة، ويتزادان بالسوية(119)، وقد كان ذلك الذي يعمل به في ولاية عمر بن عبد العزيز قبلكم، والذي حدثنا به يحي بن سعيد، ولم يكن بدون أفاضل العلماء في زمانه، فرحمه الله، وغفر له، وجعل الجنة مصيره.

     ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول: إذا أفلس الرجل، وقد باعه رجل سلعة، فتقاضى طائفة من ثمنها شيئًا، أو أنفق المشتري طائفة منها، أنه يأخذ ما وجد من متاعه، وكان الناس على أن البائع إذا تقاضى من ثمنها شيئًا أو أنفق المشتري منها شيئًا، فليست بعينها(120).

     ومن ذلك يذكر أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- لم يعط الزبير إلا لفرس واحد، والناس كلهم يحدثون أنه أعطاه أربعة أسهم لفرسين، ومنعه سهم الفرس الثالث، والأمة كلهم على هذا الحديث: أهل الشام، وأهل مصر، وأهل أفريقية، وأهل العراق، ولا يختلف فيه اثنان، فلم يكن ينبغي، وإن كنت سمعته من رجل مرضي، أن يخالف الأمة أجمعين(121).

     وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذه، وأنا أحب توفيق الله إياك، وطول بقائك لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف أن يكون من المضيعة، إذا ذهب مثلك، مع استثنائي بمكانك، وإن نأت الدار، فهذه منزلتك عندي، ورأيي فيك، فاستيقنه، والسلام»(122).

فقه الرسالتين المتبادلتين بين الإمامين

     هذه رسالة الإمام الليث إلى الإمام مالك بن أنس، وقد سقنا قبلها رسالة الإمام مالك إلى الإمام الليث، وبعد هذا نعرض لبعض دلالات هاتين الرسالتين فنقول:

     1- تجلت في الرسالتين مظاهر الأخوة الصادقة والمحبة العظيمة المتبادلة، التي تبدو في السؤال عن حال الأهل والولد، والاستعداد لبذل المعونة، وتمني دوام السلامة، والثناء الطيب المتبادل بما يشعر القارئ بأنها أقرب إلى رسائل الإخوة المتحابين المتصافين من كونها نصيحة علمية متبادلة بين إمامين عظيمين، لهما المكانة الكبيرة عند أهل بلديهما.

     2- في الرسالتين نفحة صادقة من فقه النصح عند السلف الصالح - رضوان الله عليهم-، فالمحبة للطرف الآخر من كل منهما أساس، والتواضع، والثناء الطيب، وإنزال الناس منازلهم، طريق ميسر موصل إلى القلوب.

وترك الشدة والغلظة والمخاصمة والمجادلة معالم أخوة، وحسن الظن. وعدم اتهام النوايا، والتماس الأعذار الحسنة، وعدم التشهير، ضوابط عظيمة تضبط النصيحة، وتوقعها الموقع الصحيح. كل هذه الأمور وسواها معالم بارزة في النصح، تساق في هاتين الرسالتين لتكونا نموذجًا يحتذى في نصح المتناصحين، وأدب العلماء المختلفين في المسائل العلمية.

     3- يصف العلامة محمد أبو زهرة هاتين الرسالتين وصفًا جامعًا، فيقول: «والرسالتان فوق ذلك أدب جمّ، وبحث قيم، ومودة صادقة، ومخالفة في طلب الحق هادية، لا لجاج فيها ولا خصام، بل محبة وولاء ووئام»(123).

     4- الرسالتان تحملان في ثناياهما توجيهًا نبيلًا لأولئك الناصحين في زماننا، الذي يعوزهم فقه السلف في النصح للآخرين، ولأولئك الصغار الذين يقحمون أنفسهم في خلافات أكبر منهم؛ ليعلم أولئك كيف يكون خلاف الأكابر في العلم، ولأولئك المدعين للأخوة والصفاء كيف يكون الود والصفاء بين الرجال على تباعد الأقطار، ونأي الأمصار «ولأولئك المتعلمين كيف يكون التعلم والتعليم والمعرفة على أصولها».

*  *  *

الهوامش:

(89)    ماتحه: هو من المماسكة: وهي المكالمة في النقص من الثمن. انظر تهذيب الأسمار: (3/141).

(90)    المعجم الكبير برقم: (2395)، والمحلي: (8/440 – 441).

(91)    المحلي: (8/44).

(92)    المحلي: (8/441).

(93)    لم يسند المؤلف رعاه الله هذه الحكاية، ولم نعثر لها على سند، ومعناها صحيح والله أعلم. [المجلة].

(94)    الكلوح: تكشر في عبوس. انظر مختار الصحاح: (ص576).

(95)    دركاتها: أي منازل أهلها. انظر مختار الصحاح: (ص203). الدركات عكس الدرجات، فالدركات هو التدرج إلى الأسفل، والدرجات هو التدرج إلى الأعلى لذا فالجنة درجات والنار دركات. [المجلة].

(96)    رواه البخاري: برقم: (7198)، والترمذي برقم: 2369. والخبال: الفساد، انظر مختار الصحاح: (ص168).

(97)    رواه البخاري برقم: (5784)، وأبو داود برقم: 40845).

(98)    رواه أحمد في مسنده: (1/409)، والحديث صحيح [المجلة].

(99)    الإسلام بين العلماء والحكام لعبد العزيز البدري رحمه الله (ص106 – 107).

(100)  نفسه: (ص107).

(101)  نفسه: (ص104).

(102) مالك: (ص66).

(103) تهذيب التهذيب: (8/415).

(104) القنداق: صحيفة الحساب. انظر تاج العروس: (7/51).

(105) تاريخ ابن معين: (4/498، 501)، وترتيب المدارك: (1/64)، والمعرفة والتاريخ للبسوي.

(106) انظر إلى خلاف الأكابر وتعلم منه، فلم يمنع خلاف الليث لربيعة من ذكره بالخير بما يحسن، وحفظ عرضه، والثناء عليه، ماذا يقال لأولئك الذين يقعون في عرض غيرهم، إذا خالفوهم.

(107) رواه الترمذي برقم: (3790)، وقال حسن غريب.

(108) الرتوة: مسافة بعيدة قدر مد البصر، انظر أساس البلاغة: (ص220). أخرجه ابن أبي شيبة في تاريخه، وابن عساكر، كما في الإصابة : (3/437)، والأثر في فضل معاذ ثابت صحيح [المجلة].

(109) يرى مالك وأهل المدينة الجمع بين المغرب والعشاء بعذر المطر، وقد وافقهم على ذلك سواهم، فهو قول الفقهاء السبعة، والأوزاعي، وأحمد، ومنع الليث من الجمع بين الصلاتين لأجل المطر، وهو مذهب أصحاب الرأي، انظر في هذه المسألة المغني: (2/116)، والزرقاني على الموطأ: (1/12631). وبداية المجتهد.

(110) اختلف العلماء في القضاء بالشاهد واليمين، فيرى الجمهور جوازه، ويرى أهل الرأي ومعهم الليث منعه، ولهم تفصيلات وأدلة تنظر في مظانها. وانظر ما يلي: المغني: (12/11). أعلام الموقعين: (3/185). سنن البيهقي: (10/175).

(111) خناصرة: بليدة بالشام من أعمال حلب. انظر معجم البلدان: (3/467).

(112) المحلي: (10/45، 46)، والمغني مع الشرح: (8/467).

(113) المحلي: (10/46)، المغني: (8/528)، وبداية المجتهد: (82).

(114) انظر شرح الزرقاني على الموطأ: (3/36).

(115) انظر المصادر السابقة.

(116) المغني: (7/402).

(117) ولاه المهدي على المدينة سنة 106هـ، روى عنه مسالك، وروايته عن عمر بن عبد العزيز منقطعة. انظر التاريخ الكبير: (3/430)، والجرح: (3/607).

(118) الفتح: (2/499)، والمغني: (2/287).

(119) بداية المجتهد: (1/258).

(120) المغني: (4/456).

(121) المغني: (10/443)، والمحلي: 7/231.

(122) تاريخ ابن معين: (4/487 – 497)، وأعلام الموقعين: (3/83 – 88).

(123) مالك: (ص111).

*  *  *

قال تبارك وتعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيْ أُنْزِلَ فِيْهِ الْقُرْآنُ

هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنٰتٍ مِنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ..﴾ صدق الله العظيم

المنن العظام تتوالى في شهر رمضان

شعر:  عمرموسى موسى البرعي

 

 

 

لشهر الصوم أفضال عظام

بها قد فاز أخيار كرام

ففيه نصر بدر ثم فتح

به قد أسلم البلد الحرام

وفيه ليلة القدر استفاضت

بشائرها وعمّ بها السلام

وحيث الله أنزل خير ذكر

به رجعت إلى الحق الأنام

كتاب للورى فيه صلاح

وقرآن هو المسك الختام

فيا لك من شهور العام شهرا

لديه المذنبون قد استقاموا

وحسبك أنهم فيه أنابوا

إلى الرحمن حيث لهم زمام

لقد ضاءت قلوبهم وكانت

من العصيان يغشاها الظلام

يصومون النهار به احتسابا

وفي الليل التهجد والقيام

تنزه صومهم عن كل زور

فمن أمثالهم حسن الصيام

أطاعوا الله إخلاصا وحبا

وشأنهم المحبة والسلام

وأفنوا ليلهم لله ذكرا

فلست تصيب منهم من ينام

أفاء الله بالنعمى عليهم

وفي رضوانه لهم مقام

تعالى مَن إلى التقوى هداهم

وعمتهم فواضله الجسام

إذا ما الصوم خالطه آثام

أضاع ثوابه ذاك الأنام

وما جدوى صيام دون تقوى

إذا ترك الشراب أو الطعام

فيا شهر الصيام لك التحايا

فعندك تطلب المنن العظام

*  *  *

فضل العشر الأواخر من رمضان وليلة القدر

بقلم: د/ طه عبد السلام خضير (*)

 

 

 

          لقد حظي شهر رمضان بتفضيل الله له على غيره من سائر شهور العام، إذ بارك أيامه ولياليه، وأفاض فيها الكثير من الخير والبر، والرحمة، وضاعف فيها المثوبة والأجر، وجعلها موسما للعبادة، يتنافس فيها الجادون المخلصون، وخص العشر الأواخر من أيامه ولياليه بمزيد من الفضل ترغيبًا في إحياء هذه الليالي المباركة، والإكثار فيها من التقرب إلى الله بالذكر والصلاة وقراءة القرآن، وما إلى ذلك من ألوان العبادات والخيرات.

     ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدي اهتماما للعشر الأواخر من رمضان أكثر مما يبديه في أيام أُخر، وذلك لأن العشر الأواخر من رمضان هي مظنة ليلة القدر.

     ومن مظاهر الحفاوة بالعشر الأواخر من رمضان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف فيها من كل عام، ويحث أهله على الاعتكاف، والقيام والذكر والصلاة، وقراءة القرآن فيها تعليما لأمته حتى يسيروا على منواله.

     وقد جاءت الأحاديث تؤكد هذا النهج لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر تعني الأواخر من رمضان شد مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله.

     ومعنى شد مئزره: لفظ للدلالة على الجد والتشمير في العبادة.

     وقالت أيضًا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها.

     وكان يعتكف صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله عز وجل، وكذلك كانت زوجاته رضوان الله عليهن من بعده، فطوبى وهنيئًا لمن ختم هذه الأيام المباركة والليالي الطيبة الكريمة بألوان الذكر والصلاة، وقراءة القرآن، وطوبى لمن اتخذ القرآن جليسه، وسعد به أنيسه، فشغل به ليله ولا سيما ليالي رمضان اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ليلة القدر:

     وليلة القدر قد شرفها الله تعالى بنزول القرآن الكريم فيها، وجعل لها سورة باسمها في الكتاب الكريم وجعلها خيرًا من ألف شهر كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنٰهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْـمَلٰئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلٰمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (القدر: 1-٥) وحُقَّ ليلة نالت هذا الشرف أن يحتفى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تحتفي بها أمته، لأنه قدوتها والأسوة التي يجب علينا أن نتبعها ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (الأحزاب:٢١).

     والقدر مأخوذ إما من القضاء والتقدير وإما من الشرف والعظمة، وكلا المعنيين هنامراد.

     فأما على معنى التقدير فلأنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنٰـهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (الدخان:3-4) أي في ليلة تقدير الأمور وقضائها. قال مجاهد: في ليلة القدر، ليلة الحكم.

     وأما على معنى الشرف والعظمة فلشرفها وفضلها على سائر الليالي من قولهم: لفلان قدر، أي شرف ومنزلة؛ فإنها الليلة التي نزل فيها القرآن الكريم فشرف بنزوله الرسول الذي أنزل عليه والأمة التي أنزل إليها.

     وقيل: سميت بذلك لأن للطاعات فيها قدرًا عظيمًا وثوابًا جزيلاً وقال الخليل: سميت ليلة القدر؛ لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة كقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ (الطلاق:7) أي ضُيِّق.

     ولقد تحدث بعض العلماء عن سر تكرار كلمة القدر ثلاث مرات في السورة الكريمة فقال: لقد تكررت كلمة القدر ثلاث مرات؛ لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر، على لسان ملك ذي قدر، على أمة لها قدر.

     وليلة القدر هي الليلة التي نزل فيها القرآن الكريم؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنٰهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وهي إحدى ليالي شهر رمضان؛ لقول الله (عز وجل): ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنٰتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (البقرة:١٨٥) وليست قيمة الأيام بساعاتها، ولا قدر الليالي بطولها وعددها، وإنما قيمة الأوقات بما يحدث فيها من خير وسعادة للناس.

     لقد رفع الله شأن هذه الليلة فجعلها خيرًا من ألف شهر، تتنزل فيها ملائكة الرحمن تشارك المسلمين احتفالهم بها وحفاوتهم بشرفها؛ فمن حديث أورده المنذري في (الترغيب والترهيب) أن جبريل عليه السلام ينزل في تلك الليلة في كوكبة من الملائكة يسيحون في الأرض فيسلمون على كل قائم وراكع وساجد من المسلمين، ويأمِّنون على دعائهم، فإذا ما طلع الفجر نادى جبريل: معاشر الملائكة، الرحيل الرحيل.

     فتقول الملائكة: يا جبرائيل، ما صنع الله في حوائج أمة أحمد؟

     فيقول: نظر إليهم فرحمهم.

     ثم ما سر إخفاء هذه الليلة وعدم تعيينها؟

     لقد أخفى الله عز وجل أشياء كثيرة عن عباده لفوائد جليلة؛ فأخفى قبول التوبة ليداوم الناس ويواظبوا على الطاعات والتوبة، وأخفى ساعة قبول الدعاء حتى يستمر الناس في الدعاء والتضرع إلى الله في جميع الأوقات، وأخفى كذلك وقت الساعة ليقلع الناس عن السيئات، وليسارعوا إلى الطاعات، وكذلك أخفى هذه اليلة العظيمة القدر؛ ترغيبًا في إحياء ليالي شهر رمضان، لا سيما العشر الأواخر، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان».

     وأرجى هذه الليالي موافقة ليلة القدر الأوتار: ليلة الحادي والعشرين والثالث والعشرين والخامس والعشرين والسابع والعشرين والتاسع والعشرين؛ لما روى البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر».

     أيها الصائمون، أيها الفائزون: الأعمال بالخواتيم، فاغتنموا هذه الليالي الكريمة عسى أن ينفعكم الله عز وجل بموافقة هذه الليلة فتسعدوا بالخير كله، كمافي الحديث الصحيح: «في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها».

     جعلنا الله وإياكم من عتقاء هذا الشهر الكريم من النار، ووفقنا إلى أن نسعد بهذه الليلة الكريمة، وهدانا سواء السبيل.

     ولله أفراح المحبين عندما

يكلمهم من فوقهم ويسلم

     ولله أبصار ترى الله جهرة

فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم

     فيا نظرة أدت إلى الوجه نضرة

                           أضاء لها نور من الفجر أعظم

*  *  *

الصوم جُنّــــــــــــــــــــة وجَنــــــــــــــــــة

بقلم: أ/ محمد إبراهيم الخطيب (يرحمه الله)

 

 

 

          * الصوم هو أحد الأركان الخمسة في الإسلام يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة:١٨٣).

     ومعنى هذا أن تشريع الصوم ليس جديدًا في الشرائع السماوية، وإنما هو تشريع قديم شرع للأمم السابقة أيضا، وفي هذا ما فيه من راحة للنفوس وتيسير للقبول والطاعة وعدم الشعور بالحرج؛ لأن المسلمين ليسوا منفردين بما يطالبون به.

     والهدف من الصوم هو أن يكون وقاية تقي الإنسان من الميول المرذولة ومن كل المنكرات، وإذا كانت هذه الوقاية للمجتمع في مجموعه.. وفي البداية نذكر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الصوم جنة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم».

     ولكن في أي مجال تكون هذه الوقاية؟ إنها تقيه من الغفلة عن الله ونسيانه، وتعده لمراقبته والخشية منه.. ذلك لأن أمر الصيام موكول إلى نفس الصائم حيث لا رقيب عليه إلا الله فإذا ترك هذا الصائم شهواته التي تعرض له أثناء صومه امتثالا لأمر الله الذي يراه وإن كان لا يراه، وشعورًا منه بأنه يطلع على سر نفسه، وإذا تكرر منه هذا الموقف مع الشهوات شهرًا كاملا تكونت عنده ملكة مراقبة الله وخشيته.. والحياء من أن يراه الله حيث نهاه.. وبهذا يكون قادرًا على ترك ملذات يجمل به أن يتركها، ثم إن مراقبة الله هذه قادرة على أن تؤهله لكل أعمال الخير، وأن تحول بينه وبين كل ألوان الشر، فإذا كان لا يخدع ولا يُخدع ولا يغش ولا يقبل أن يُغش ولا يَظلم ولا يُظلم ولا يهضم حقا ولا ينصر باطلا، ولا يسعى أبدًا بالفساد في الأرض، وهو بهذا السلوك الراقي يبرهن في صورة عملية على أن مجرد الإمساك عن الطعام والشراب بعيدًا عن مراقبة الله أمر غير مقصود من الصوم الذي فرضه الله على عباده المؤمنين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

     ويقي الصوم الصائم من خطر شهوته التي هي أم المعاصي حيث يخففها عنه.. وبهذا يضعه على طريق الطاعة، ويدفع به إلى الاستقامة في كل صورة من صورها.. وقد قرر رسولنا صلى الله عليه وسلم هذا الدور للصوم حين قال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة أي القدرة على الزواج فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء أي وقاية».

     ويقي الصوم أيضًا من سلطان العادة، تلك التي يبلغ تأثيرها عند بعض الأفراد حد الاستعباد فمثلا إذا تأخر الطعام عن موعده وعضهم الجوع ثاروا، وانفعلوا، وساءت أخلاقهم وقد يكون هؤلاء مستعبدين لعادات المكيفات من القهوة والشاي والتدخين، ومثل هؤلاء إذا طلب منهم تغيير نظام حياتهم لم يستطيعوا فيفشلوا أمام التبعات التي يلقيها الزمن عليهم، فإذا جاءالصوم وأضعف سلطان هذه العادات فقد أدى دورًا عظيمًا في بناء الإنسان والمجتمع.

     ولا شك أن الخلاص من ضغط الشهوة وسلطان العادة تقف وراءهما بصورة واضحة قوة الإرادة التي يقوم الصوم بها دون أدنى شك.. ذلك لأن الصائم يواجه حرمانا ماديا في نهاره يستعين عليه بقوة إرادته التي تجعله يتفوق على هذا الحرمان أو هذه الشهوة أو العادة بتفوقه على نفسه الأمارة بالسوء، ولا عجب في هذا؛ لأن الصيام حقا هو كف النفس بجميع حواسها عن كل ما لا يليق بالمسلم: فإطلاق اللسان بلغوٍ في أعراض الناس وسلوكهم بحق وبدون حق جرم ينافي الصيام، وكذلك إطلاق العين وراء ما لا يحل للإنسان أن يراه أيا كان نوعه وأيضًا استراق السمع والتجسس على الناس، ومد الأيدي إلى ما يحرم من كل ما يملكه الغير ولم يسمح به، والمشي بالقدمين إلى الشر، واستخدام المال أو الصحة أو الفراغ أو الشباب في غير ما يتفق ووضع الصائم، كل أولئك وما إليه جرم ينافي الصيام. وهكذا نجد أن الصائم في مسيس الحاجة إلى إرادة قوية يتمكن بها من ضبط نفسه ذلك الذي يتجلى في مواجهة نفسه الأمارة بالسوء، وفي مواجهته لغيره من السفهاء، وتربية إرادة الصائم تقتضي أن يواجه الحياة والمجتمع بعيدًا عن الانعزالية والسلبية المطلقة، وما يقال على ألسنة العامة من أن «نوم الصائم عبادة» وهذا القول يعد أمرًا بعيدًا عن الصواب، لأن في سلسلة رواته كما يقول «الحافظ العراقي» في تخريجه لأحاديث «إحياء علوم الدين»: «سليمان بن عمر النخعي أحد الكذابين»، وهذا هو الصواب؛ لأن الصوم يجب أن يدفع إلى العمل وإلى تربية إرادة الصائم ولن تتوفر هاتان الناحيتان إذا ركن الصائم إلى النوم بحجة أن نوم الصائم عبادة.

     ثم ماذا؟ إن الصوم يقي من القسوة والغلظة ويفجر الصائم ينبوع العطف والرحمة على الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات؛ لأن الصائم عندما يجوع يتذكر من هذا حاله في عموم الأوقات فيحمله هذا التذكر على رحمة المساكين والضعفاء، لأن الرحمة في الإنسان تنشأ عن الألم، والصيام طريقة عملية لتربية الرحمة في النفس، والحقيقة أنه متى تحققت رحمة الغنى للفقير الجائع أصبحت للكلمة الإنسانية الداخلية سلطانها النافذ لهذا روي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان).

     ثم ماذا؟ إنه يقي الصائم أيضًا من الرغبة في التسلط والتكبر ويشعره بالمساواة فلا فرق في الصوم بين غني وفقير؛ لأن هذا الصوم نظام عملي من أقوى وأبدع الأنظمة التي شرعها الله تعالى لعباده وفرضها عليهم ليتساوى الجميع في بواطنهم وليشتركوا في الإحساس بالألم الواحد وهنا يتعاطفون. وهذا الذي ذكرت يمثل بعض الصور التي جعلت الصوم جنة (بضم الجيم) وجعلته بلا ريب علاجا ناجعا لكثير من الأمراض النفسية والبدنية والاجتماعية.

     * ولا شك أن صيام المسلمين بصورته الواقية التي عرضت لها سريعا إنما هو صورة من صور رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين؛ لأنه خير لهم في دنياهم وممهد لهم بإذن الله ومشيئته طريقهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين وقوا أنفسهم من كل ما حرم الله وحذر منه.

     وها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن في الجنة بابا يقال له الريان لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلا يدخل منه أحد» ويقول: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر غفر له ما تقدم من ذنبه». وقد قرن الرسول عليه الصلاة والسلام الصيام بتلاوة القرآن الكريم فقال فيما رواه أحمد والحاكم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان». وها هو ذا يقول أيضًا في بيان ثمرة الصيام الذي يرضى عنه الله تعالى: «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، قال الله تعالى في حديث قدسي: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».

     وأقف أمام هذه العاقبة التي أعدها الله للصائمين حقًا وصدقًا لأقول وأؤكد أنها لا يمكن أن تكون نتيجة الامتناع عن الشهوات والمنكرات فقط دون القيام بعمل إيجابي يقرب العبد من ربه أكثر فأكثر، ولكن لماذا؟

     لأن عبادة الصوم في الإسلام ذات شطرين؛ فهي في شطرها الأول كف وانتهاء وابتعاد واجتناب ووقاية من المنكرات، ولكنها في شطرها الآخر إقبال واقتراب وإنشاء وبناء فتح الإسلام فيه بابين للأرواح تتدفق منهما: أما أحدهما فباب إنساني، وأما الآخر فباب رباني .. ومن هنا نرى الصائم الصادق يطعم الجائع، ويسقي الظمآن، ويفتح لنفسه مسالك متعددة للطاعات: فهو في تسبيح وتحميد وتكبير وتمجيد وهو راكع ساجد قائم مشمر ناهض، وهو في مناجاة الله بكلامه وفي مدارسة كتابه كما كان يفعل رسول الله مع جبريل عليهما السلام، كل هذا العمل الإيجابي وغيره إنما هو مكمل للشطر الأول الذي وقى ومهد وأعد الأرض لتنبت نباتا حسنا مباركا.

     * وهنا ندرك تمام الإدراك سر حفاوة وفرحة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهر رمضان.. لأنه نعمة كبرى للمسلمين وللإسلام وللفرد والمجتمع.

     روى ابن خزيمة عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان قال: «أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعًا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء».

     وكان صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان ويقول: «قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك كتب عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغلّ الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر» وهو القائل: «لو علمت أمتي ما في شهر رمضان من الخير لتمنت أن يكون رمضان السنة كلها».

     وكان عليه السلام إذا رأى الهلال قال: «اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله تعالى» وكان يقول أيضًا إذا نظر إليه: «اللهم اجعله هلال يمن ورشد، وآمنت بالله الذي خلقك فعدلك، فتبارك الله أحسن الخالقين».

     وبعد فإن الصيام رحمة فيجب أن نتراحم، وإن الصيام محبة فيجب أن نتحاب، وإن الصيام رفع لدرجة الإنسانية إلى مرتبة الملائكة فيجب أن نكون فوق الحيوانية وفوق الغرائز الجشعة والشهوات الثائرة.

     إن الصيام جُنة فيجب أن نقي أنفسنا من كل شر، وإن الصيام جنة فتزودوا لها بأعمالكم، فإن خير الزاد التقوى، والله من وراء القصد يهدي ويعين.

*  *  *

العلامة شبير أحمد العثماني وكتابه «فتح الملهم»

بقلم: الأستاذ أشرف عباس القاسمي (*)

 

 

 

          لقد من الله تعالى على الهند إذ شهدت طلائع النهضة الحديثية في القرن الثاني عشر بعد ما خمدت ريح هذا الفن الشريف في الدول الإسلامية، وفضل هذه النهضة يرجع إلى الإمام الأكبر ومسند الهند الشاه ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي.

     سافر الإمام الدهلولي إلى الحجاز، وأخذ الحديث الشريف عن الشيخ أبي طاهر محمد بن إبراهيم المدني الكردي (ت 1145هـ) ولازمه مدة طويلة، ورجع إلى الهند وبدأ يدرس الأمهات الست وغيرها من الكتب الحديثية، وغيّر مناخ الهند العلمي الذي كان متجهًا إلى العلوم الفلسفية وشيء من الفقه؛ إلى حديث الرسول الكريم عليه الصلاة والتسليم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. فقد أفاد وأجاد وأعدَّ رجالا بارزين رفعوا راية السنة المطهرة في جميع نواحي البلاد، وخلفه أبناؤه وتلاميذه الذين خدموا الدين المتين، وأقاموا دولة الحديث النبوي الشريف في هذه البلاد النائية عن مهبط الوحي، ولم يزل كذلك إلى أن تم استيلاء الإنكليز على البلاد وحكموا المسلمين وحاولوا القضاء على دينهم وثقافتهم وهويتهم، فقام عدد وجيه من العلماء الغيارى بالثورة عام 1857م، ولكنها باءت بالإخفاق، وأسسوا جامعة ديوبند الإسلامية سنة 1283هـ التي قامت بمواجهة التحديات المعاصرة، وأنجبت شخصيات بارة هبَّت للدفاع عن الإسلام والمسلمين ولإيجاد الثقة فيهم، وجادت بخيرات العلم والدين منذ ذلك الوقت إلى أيامنا هذه، وممن تخرج في الجامعة على أجلة الأساتذة فضيلة الشيخ المحدث الناقد المفسر الفقيه شبير أحمد العثماني رحمه الله تعالى رحمة واسعة الذي أخذ الحديث عن الشيخ محمود حسن الملقب بشيخ الهند (ت 1339هـ) الذي كان من أكبر الممثلين في عصره للمدرسة الفكرية للشاه ولي الله المحدث الدهلوي نشرا للحديث النبوي الشريف وتطهيرا للوطن من براثن الاستعمار، وحفاظًا على الكيان الإسلامي في الهند.

     وهذا مقال وجيز يدور حول حياة الشيخ العثماني وما قام به من عمل جليل في خدمة الحديث النبوي الشريف. وقد وزعناه على فصلين:

     الفصل الأول في التعريف بالعلامة شبير أحمد العثماني. والفصل الثاني في التعريف بكتابه «فتح الملهم».

الفصل الأول: التعريف بالعلامة شبير أحمد العثماني

     اسمه ونسبه:    هو الإمام العلامة شبير أحمد بن الشيخ فضل الرحمن أحد مؤسسي دارالعلوم ديوبند العثماني الديوبندي، ولد في 10 من المحرم الحرام سنة 1305هـ/1889م في بلدة بجنور، أترابراديش، الهند، حيث كان والده رئيس دائرة شؤون التعليم، وينتهي نسبه إلى الخليفة الثالث أمير المؤمنين سيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، كما ساقه بتمامه فضيلة الشيخ أنوار الحسن الشيركوتي في كتابه (حيات عثماني).

نشأته العلمية ومراحل دراسته المختلفة:

     قرأ القرآن الكريم على الحافظ نامدار علي مدرس دارالعلوم وغيره، ثم درس الكتب الأردية وغيرها على والده وغيره.

     ومن عام 1319هـ بدأ في دراسة العلوم الإسلامية والعربية، فتلقّاها عن مشايخ الهند وأساتذة دارالعلوم ديوبند، من بينهم: شيخ العالم ومسند العصر الشيخ محمود حسن الديوبندي المعروف بشيخ الهند، والشيخ الفقيه النابغة عزيز الرحمن الديوبندي، والشيخ غلام رسول الهزاروي، والشيخ الحافظ محمد أحمد نجل حجة الإسلام الإمام محمد قاسم النانوتوي وغيرهم من الأجلة رحمهم الله تعالى رحمة واسعة ونال شهادة الفضيلة حائزًا مرتبة الشرف الأولى سنة 1325هـ وهو ابن 20 سنة.

نشأته بعد التخرج:

     وفي عام 1331هـ إثر تخرجه مباشرةً عيّن مدرسًا في دارالعلوم نظرًا إلى تفوقه العلمي وبالغ ذكائه، ثم أرسله بعد عدّة أشهر مديرُ دارالعلوم الشيخ حبيب الرحمن العثماني أخوه لأبيه إلى مدرسة فتحفوري بدهلي كرئيس هيئة التدريس على طلب ملحّ من القائمين على المدرسة، فأقام بها سنتين يدرس أمهات الكتب من الحديث والعلوم الأخرى ثم أعاده أعضاء المجلس الاستشاري لدارالعلوم في شوال عام 1338هـ فجعل يدرس الشيخ في دارالعلوم حتى تولى تدريس صحيح مسلم وسنن أبي داود من عام 1338هـ في حياة شيوخه الأجلة.

     ولما استقال من دارالعلوم ديوبند سنة 1347هـ - لأسباب يطول ذكرها رحل إلى مدرسة تعليم الدين بدابيل بولاية غجرات مع إمام العصر الشيخ السيد محمد أنور شاه الكشميري وتولى الشيخ بها تدريس صحيح مسلم وغيره من الكتب الجليلة. ولما توفّي الشيخ الكشميري سنة 1352هـ فوّض إليه تدريس الجامع الصحيح للإمام البخاري، وأثناء إقامته بجامعة دابيل عيّنه أعضاءُ دارالعلوم الرئيسَ الأول لها عام 1354هـ فأدّى واجب المنصبين. ولحقه مرض وجع المفاصل سنة 1363هـ وامتدّ إلى سنة كاملة، وبعد أن عافاه الله تعالى لم يرجع إلى «دابيل» ولم يتمكن من القيام بالتدريس في جامعة لاشتغاله بالأعمال السّياسيّة التي كانت أمة الإسلام بحاجة شديدة إليها.

فكره السياسي ودوره في تأسيس دولة باكستان:

     لما خرجت الهند واستقلت من الاحتلال الإنجليزي الغاشم، اختلف العلماء والشعب في قضية تقسيم الهند إلى دولتين: الهند وباكستان؛ فبعضهم كان لا يرى تقسيم الهند مفيدًا وضروريًّا؛ بل ضررًا وخطرًا على الدعوة الإسلامية، وأن المسلمين سيفقدون نفوذهم السياسي وتأثيرهم الديني في الهند، ورأى البعض الآخر أنّ التقسيم لابدّ منه، وكان يفضّل دولةً مستقلةً تكون للمسلمين وحدهم وتقوم على أساس الكتاب والسنة، لأن السّلطة ستكون للمسلمين فقط لايشاركهم فيها غيرهم، ويعيش المسلمون فيه حياة العزّ والكرامة، فمن أبرز من أيّد فكرة التقسيم فضيلة الشيخ العلامة شبير أحمد العثماني، فلذلك قام بأعمال مجيدة وخدمات مشكورة في تأسيس دولة باكستان.

     ولما تأسّست باكستان سنة 1366هـ/1948م التمس منه رئيسها القائد الأعظم محمد علي جناح أن يكون هو أوّل من يرفع رايتها لأوّل مرة في تاريخ باكستان، فرفعها. وكان عضوًا في برلمان الدولة الجديدة الإسلامية الشرقية الكبرى وشيخًا ومشرفًا عامًا على شؤون الجامعة العباسية في بهاولفور بباكستان.

وفاته:

     وافته المنية يوم الثلاثاء 21 من صفر سنة 1369هـ الموافق 13 من ديسمبر عام 1949م في بلدة بهاولفور، وكان سافر إليها لافتتاح الجامعة الإسلامية بها ثم نقل نعشه إلى كراتشي، وصلى عليه جمع حاشد أمّهم العلامة المفتي محمد شفيع رحمه الله تعالى.

ثناء العلماء عليه:

     قال حكيم الأمّة الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى : «هذا أصغر مني سنًا؛ ولكني أعتقده أكبر مني».

     ووصفه إمام العصر الشيخ محمد أنور شاه الكشميري رحمه الله تعالى : «علامة عصره محدثه ومفسره ومتكلّمه».

     ويقول الشيخ الإمام العلامة محمد زاهر الكوثري رحمه الله تعالى : «الجهبذ الحجة الجامع لأشتات العلوم محقق العصر صاحب المؤلفات المشهورة في علوم القرآن والحديث والفقه والرد على المخالفين».

     وقال الشيخ محمد بدر عالم الميروتي في مقدمة «فيض الباري شرح صحيح البخاري»: «محقق العصر الشيخ العلامة شبير أحمد نظير نفسه ونسيج وحده وصاحب التصانيف الجليلة والملكات الباهرة».

     وقال الشيخ العلامة محمد يوسف البنوري: «فقد كان ذا علم صحيح وكان محققَ عصره وكان مفكر أمة وخطيب الإسلام».

     ويقول الشيخ عبد الفتاح أبوغدة: «محقق العصر المفسر المحدث الفقيه البارع مولانا شبير أحمد العثماني الهندي ثم الباكستاني أحد أعلام الفكر الإسلامي بالهند وباكستان في القرن الرابع العشر».

     (هذا كله مقتبس من كتاب «مبادئ علم الحديث وأصوله» صدر حديثا بتعليق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وهو في الأصل مقدمة لكتاب «فتح الملهم»).

     وقال الشيخ السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي: «كان حامل لواء الإسلام، والملقب بحق بشيخ الإسلام رحمه الله تعالى وجزاه على خدمة الإسلام والمسلمين» (من تقريظه لكتاب «تكملة فتح الملهم» 1/15).

تآليفه:

     وأشهر تآليفه: «الفوائد التفسيرية المعروفة بتفسير عثماني» باللغة الأردية بأبدع أسلوب وأفصح تعبير، وهي حواشٍ علمية على ترجمة القرآن الكريم لشيخه شيخ الهند محمود الحسن رحمه الله تعالى وقد طبعها ووزّعها بكمية كبيرة مجمعُ الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ثم توقف طبعها.

     (2) فتح الملهم بشرح صحيح مسلم: كتاب ممتاز ومعروف في الأوساط العلمية لمزايا وخصائص سنذكرها قريبًا.

     (3) «تاليفات عثماني»: مجموع مقالات علمية رفيعة كتبها في مناسبات شتّى.

     (4) فضل الباري بشرح صحيح البخاري: مجموع أماليه في درس صحيح البخاري بلغة أردو ويعدّ من أحسن الشروح للجامع الصحيح.

     (5) خطبات عثماني: مجموع بعض خطبه المهمة، رتّبها العلامة محمد أنوار الحسن الشيركوتي.

الفصل الثاني: التعريف بكتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم:

     قد اعتنى المحدثون والمؤلفون قديمًا وحديثًا بكتاب صحيح مسلم لما يملك من مكانة سامية بين أصول الإسلام فمنهم من ألّف مستخرجات عليه، ومنهم من ألّف في رجاله خاصّةً ومنهم من عُني بمواضع النقد عند بعض أهل النقد سندًا ومتنًا. ومنهم من سعى في إيضاح مخبّئات معانيه، وشرحِ وجوه دلائله وكشف ما أغلق في أسانيده.

     فمن جملة الشارحين لهذا الكتاب الجليل: الإمام أبو عبد الله محمد بن علي المازري صاحب «المعلم في شرح صحيح المسلم» - ومنهم القاضي عياض بن موسى اليحصبي مؤلف «إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم» ومنهم: أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي مصنف «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم»- ومنهم: أبو زكريا محي الدين يحيى النووي صاحب «المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج» - استمد من الكتب الثلاثة التي ذكرناها ومن الأعلام «أعلام السنن في شرح المشكل من أحاديث البخاري» و«معالم السنن للخطابي». (مقتبس من مقالات الكوثري، ص82).

     ومن أشهر مختصراته تلخيص كتاب مسلم وشرحه لأحمد بن عمر القرطبي، ومختصر الإمام زكي الدين عبد العظيم المنذري، ومختصر زوائد مسلم على البخاري لسراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي، ولأبي بكر أحمد بن علي الأصبهاني كتاب في أسماء رجال مسلم.

     وكذلك شرَحَه أبو عبد الله محمد بن خليفة الأبي تم طبعه مع «مكمل إكمال الإكمال»لأبي عبد الله محمد بن محمد السنوسي، ولكن رغْم هذه الشروح المتكاثرة كانت الحاجّة ماسّة إلى شرح جديد يفي صحيح مسلم حقه من الشرح والإيضاح، فظهر في عالم الوجود «فتح الملهم بشرح صحيح مسلم» للشيخ المحقق شبير أحمد العثماني الذي سدّ الفراغ، وشفى الطالبين وكفاهم من كل ناحية.

التعريف بالكتاب:

     اسمه: «فتح الملهم بشرح صحيح مسلم» وكتب له الشيخ مقدمة حافلة نافعة للغاية، قد أفردها المحدث الشيخ عبد الفتاح أبوغدّة، وطبعتها دارالبشائر الإسلامية باسم «مبادئ علم الحديث وأصوله» في 691 صفحةً.

     والجدير بالذكر أنّ الشيخ العثماني لم يتمكن من إتمام هذا الشرح النافع الممتع فقد وصل فيه المؤلف إلى آخر كتاب الطلاق ثم لم يتمكن من المضي في العمل وإتمامه لشواغل وعوائق، وتم طبعه أوّل مرة في «بجنور» الهند سنة 1352هـ طبعًا حجريًا، وبالتالي في كراتشي وديوبند. وأكمل شرح باقي الكتاب فضيلة الشيخ المحدث الفقيه محمد تقي العثماني حفظه الله ورعاه، فقد صدرت من تكملته ستة مجلدات كبار من كراتشي. ثم طبع الكتاب مع التكملة كاملا في بيروت عن دارالقلم سنة 1427.

الباعث على تأليف الكتاب:

     إنّ صحيح مسلم مما عكف عليه المحدثون، وشرحوا له شروحًا نافعةً وجيزة وطويلةً، من أشهرها: شرح الإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي؛ ولكن رغم هذه الشروح الكثيرة كان الكتاب في حاجة ملحّة إلى خدمته من جديد؛ لأنّ هذه الشروح لم تف حق صحيح مسلم من جميع النواحي فإنها تذكر ناحيةً فتهمل أخرى، فجاء هذا الشرح العظيم والسفر العلمي الفخم الذي يشفي غلّة الباحث في جلّ المطالب من شرح الحديث شرحًا وافيًا متنًا وسندًا وتوضيح ما يتعلق بسائر المذاهب عملًا واعتقادًا وإبراز ما فيه من الفقه والحكمة.

     يقول الشيخ العلامة الناقد محمد زاهد الكوثري:

     وتجد بين الشراح من يترك الكلام على الرجال بالمرة؛ مع أن الباحث في حاجة شديدة إلى ذلك في مواضع النقد المعروفة، فإذا أعجبك أحدُ تلك الشروح من بعض الوجوه تجده لا يشفي غلتك من وجوه أخر وهكذا سائر الشروح، وهذا فراغ ملموس كنا في غاية الشوق إلى ظهور شرح لصحيح مسلم في عالم المطبوعات يملأ هذا الفراغ، وها نحن أولاء قد ظفرنا بضالتنا المنشودة ببروز «فتح الملهم بشرح صحيح مسلم» بثوبه القشيب وحلله المستملحة في عداد المطبوعات الهندية، وقد اغتبطنا جدّ الاغتباط بهذا الشرح الضخم والفخم صورةً ومعنىً حيث وجدناه قد شفى وكفى من كل ناحية. (مقالات الكوثري، ص83، مبادئ علم الحديث وأصوله، ص39).

     وكذلك من شرَحَ صحيح مسلم؛ جلُّهم من السادة الشافعية، فربما شرحوا الأحاديث بما يلاقي مذهبهم بدافع المعرفة والدراسة لمذهبهم فجاءت الحاجة إلى شرح يجمع المذاهب مع إيضاح مذهب الحنفية وذكر أدلتها دون تعصب وانحياز.

أسلوبه:

     وأما أسلوبه في شرح الحديث فكما هو المعروف لدى أهل العلم، أي يأخذ اللفظ المراد شرحُه من الحديث ويبدأ مباشرةً في شرحه ويستوفي ضبط الأسماء وشرح الغريب والكلام على الرجال، ويسرد أدلة المذاهب في المسائل ويقارن بينها ويقوي القوي ويوهّن الواهي بكل نَصَفة.

مزايا هذا الكتاب:

     قد تميز هذا الكتاب الممتع بمزايا نادرة تفرد بها ونذكر فيما يلي بعضًا منها.

(1) استهلال الكتاب بمقدمة عظيمة ممتعة:

     استهل الشيخ شبير أحمد العثماني كتابه «فتح الملهم بشرح صحيح مسلم» بمقدمة كبيرة في أوله تاسيًا بالإمام مسلم في كتابه «الصحيح» وقال في فاتحته: هذه فصول نافعة مهمة في بيان مبادئ في علم الحديث وأصوله التي يعظم نفعها ويكثر دورانها (مبادئ علم الحديث وأصوله، ص43).

     يقول العلامة الكوثري وهو يعرّف بهذه المقدمة النافعة: يجد الباحث مقدمة كبيرة في أوله تجمع شتات علم أصول الحديث بتحقيق باهر يصل آراء المحدثين النقلة في هذا الصدد بما قرره علماء أصول الفقه على اختلاف المذاهب، غير مقتصر على فريق دون فريق، فهذه المقدمة البديعة تكفي المطالع مؤنة البحث في مصادر لانهاية لها (مقالات الكوثري83).

     وقد أشاد العلامة الشيخ عبدالفتاح أبو غدة بهذه المقدمة إشادة بالغة وذكر بعض مزاياها المهمة تفرد بها من بين كتب المصطلح منها: حسن انتقاء مؤلفه وسمو اختياره فيما ينقله عن غيره ودقة نظره وجودة قريحته فيما يفيده من عنده، ومنها: الاهتمام بذكر مذهب الحنفية في كثير من المسائل المختلف فيها مع أدلتها عندهم ومنها: الجمع بين مباحث السنة فقهًا وحديثًا إلى أن قال «وهذه المزايا وغيرها هي التي حدتني إلى خدمة هذا الكتاب وإعادة طبعه مفردًا في بلادنا ليسهل وصوله إلى أيدي العلماء وطلاب العلم في البلاد العربية وغيرها» (راجع مبادئ علم الحديث وأصوله، ص17-20).

(2) ترجمة أبواب مسلم:

     إن الإمام مسلم لم يذكر تراجم الأبواب كما ذكرها الإمام البخاري وغيره من المحدثين، فقد قرأ «صحيح مسلم» على جامعه مع خلو أبوابه عن التراجم، وأما العناوين والتراجم المثبتة في النسخة التي نتداولها؛ فقد وضعها الإمام النووي رحمه الله تعالى- وقال: إن مسلما رتب كتابه على أبواب، فهو مبوب في الحقيقة ولكنه لم يذكر تراجم الأبواب فيه لئلا يزداد حجم الكتاب أو لغير ذلك. وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم، بعضها جيد وبعضها ليس بجيد إما لقصور في عبارة الترجمة أو لركاكةٍ في لفظها وإما لغير ذلك، وأنا أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق بها في مواطنها (شرح مسلم 1/21).

     ولكن يقول الشيخ العثماني معلقا عليه: «والإنصاف أنه لم يترجم إلى اليوم كما يليق بشأن هذا المصنف الجليل. ولعل الله يوفق عبدا من عباده لما يؤدي حقه، وبيده التوفيق انتهى». (مبادئ علم الحديث، ص632) ولعل الشيخ العثماني هو العبد الموفق؛ فإنه قد ترجم الأبواب من جديد بدقة نظره وسعة فكره، فأتى بما تنشرح به الصدور وتقر به العيون.

(3) التعريف بالراوي:

     يترجم الشيخ العثماني ترجمة مختصرة تكفي لإعطاء القارئ فكرة موجزة عن شخص الراوي وحاله، ملخصًا ذلك من كتب التراجم والرجال مع التنبيه على ما لابد منه، مثاله: ترجمة الأعمش والرد على كونه مدلسا؛ فإنه قال: قوله: عن الأعمش عن أبي سفيان الخ الأعمش سليمان بن مهران أبو محمد، وأبو سفيان طلحة بن نافع، قال الشارح: وقول الأعمش عن أبي سفيان مع أن الأعمش مدلس، والمدلس إذا قال عن، لا يحتج به إلا أن يثبت سماعه من جهة أخرى؛ وقد قدمنا في الفصول وفي شرح المقدمة أن ما كان في الصحيحين عن المدلسين بعن فمحمول على ثبوت سماعهم من جهة أخرى. والله أعلم. (فتح الملهم 1/178، ط: ديوبند)

(4) شرح الحديث كاملا:

     لم يهمل الشارح المفضال أمرا يتعلق بالحديث في الأبواب كلها، بل وفّاه حقه من التحقيق والتوضيح فاستوفى ضبط الأسماء، وشرح الغريب والكلام على الرجال وتحقيق مواضع أورد عليها بعض أئمة هذا الشان وجوهًا من النقد من حيث الصناعة. (من كلام الشيخ الكوثري في مقالاته، ص:82-84).

(5) بيان المذاهب والخلافيات مع العناية بالمذهب الحنفي:

     ساد منذ قرون في شبه القارة الهندية التمذهب بالمذهب الحنفي، ودرج على ذلك العلماءُ والعوام هناك قرونًا كثيرة، ولكن أكثر الشروح التي برزت كانت لأتباع المذاهب الأخرى، فشرحوا الأحاديث بمايلاقي مذهبهم. فذكر المؤلف في هذا الكتاب مذهب الحنفية إلى جنب غيره من المذاهب، واتجه إلى خدمة المذهب الحنفي بتقرير وتحقيق مسائله مع عرض أدلته في الخلافيات، وبيان أن أدلته تكافئ أدلة أصحاب المذاهب الأخرى ليطمئن المتمسكون بالمذهب الحنفي أنهم يتعبدون الشريعة الغراء على علم وحجة وبرهان كغيرهم من أهل المذاهب الأخرى. (من كلام الأستاذ محمد يحيى بلال منيار في دراسته عن معارف السنن، ص511).

(6) فوائد ولطائف في ثنايا الشرخ:

     قال العلامة الكوثري: وكم أثار في ثنايا الأحاديث المشروحة فوائد شاردة، وحقائق عالية، لا ينتبه إليها إلا أفذاذُ الرجال وأرباب القلوب. (مقالات الكوثري، ص83) ويقول الشيخ عبد الفتاح أبوغدة: وأمّا مايفيده المؤلف في أثناء النقول من نتائج أفكاره شرحًا لقول أو إضافة إليه أو تعقيبًا له أو تاييدًا، فلا تسأل عن جودته ولطافته ورزانته ومتانته لما آتاه الله تعالى من موهبة فائقة وقريحة فياضة وفهم دقيق غواص في الحقائق والدقائق. (مبادئ علم الحديث، ص18).

     أعرض عليكم مثالًا لذلك يبين حقيقة ما قاله العبقريان الجليلان. إن الشيخ العثماني ذكر قول السيوطي في تسمية الحديث ثم قال: والذي يظهر للعبد الضعيف والله تعالى أعلم أن إطلاق الحديث على مايضاف إليه صلى الله عليه وسلم مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ فإنه سبحانه وتعالى عد أولًا في سورة الضحى منته العظيمة على نبيه صلى الله عليه وسلم من إيوائه بعد يتمه، وإغنائه بعد عيله، وهدايته بعد ما وجده ضالا، ثم رتب على هذه المنن الثلاثة أمورًا ثلاثة أي النهي عن قهر اليتيم، والنهي عن نهر السائل، والأمر بتحديث النعمة. حاصل المعنى أنك كنت يتيمًا وضالًا وعائلًا، فآواك وهداك وأغناك، فمهما يكن من شيء فلا تنس نعمة الله تعالى عليك في هذه الثلاث، واقتد بالله تعالى فتعطف على اليتيم وترحم على السائل؛ فقد ذقت اليتمَ والفقر، وقوله تعالى ﴿وأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ هو في مقابلة قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَى أي حق هذه النعمة الجسيمة التي هي الهداية بعد الضلال ليس إلا أن تحدث بها عباد الله تعالى وتشيعها فيهم، وتبين لهم ما نزل إليهم. وظاهر أن أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم التي سميناها أحاديث؛ إنما جلها شرح وتبيين لما هداه الله تعالى بها، وتحديث وتنويه لما أنعم الله عليه من صنوف الهداية، وفنون الإرشاد. والله تعالى أعلم بالصواب (مبادئ علم الحديث، ص44-45).

(7) الرد على صنوف أهل الزيغ وتفهيم الحقائق الدينية:

     يقول الشيخ العلامة محمد يوسف البنوري رحمه الله تعالى : كان الشيخ شبير أحمد العثماني وحيدًا في الأمة في تفهيم الحقائق الدينية ببلاغة بديعة في خطاباته وتقريبها إلى أذهان المنكرين من غير أي تبديل يدخل جوهره وصميمه أو تاويل يلجأ إليه كثيرٌ من العلماء، وكان غيورًا على سياج الدين وحقائقه» (مبادئ علم الحديث وأصوله، ص30).

     وكتابه «فتح الملهم» خير شاهد عليه؛ فإنه لا يكتفي بشرح الحديث بل ربما يسوق بحثًا علميًا ويأتي بدلائل عقلية مقنعة تنطق بحقية الإسلام وترسي دعائمه مثلًا: يقول في التوحيد ضمن حديث «بني الإسلام على خمس»: التوحيد هو رأس الطاعات ولب الاعتقادات وأم العبادات وأس القربات، والملل معظمها وإن اتفقت على إقرار نوع من التوحيد إلا أن التوحيد الصحيح الخاص العام التام المشتمل على توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية وتوحيد الصفات لايوجد في شيء من المذاهب غير الإسلام، فالدين عند الله الإسلام، ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. والدليل العقلي على إثبات التوحيد هو برهان التمانع المصرح في القرآن، ثم شرح تقرير التمانع مع الخلاف فيه إلى أن قال «وقد قرر شيخ شيخنا قاسم العلوم والخيرات في كتابه الهندي «تقرير دل پذير» - الخطبة المقبولة لدى القلب هذا البرهان بأحسن تقرير وأسهله، ولخصناه في فوائد القرآن فليراجع» (فتح الملهم 1/178-179).

     وأنا أكتفي بذكر هذه المزايا والخصائص التي تتجلى من خلالها مكانة الكتاب وسمو شأنه وما فيه من بحوث علمية قيمة ودرر بهية، وأحببت أن أنهى مقالي الوجيز بكلمة الشيخ يوسف البنوري في رسالةٍ له إلى العلامة محمد زاهد الكوثري: «أمامكم كتابه فتح الملهم، ولكنه يكشف ناحية من علمه وكماله، وربما تكون ضئيلةً بالقياس إلى غيره من مفاخره السائرة في بسيط الهند والسند» (مبادئ علم الحديث وأصوله، ص30).

     رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

 

*  *  *

 



(*)          أستاذ بجامعة الأزهر.

(*)          أستاذ بالجامعة.