ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، المحرم – صفر 1439 هـ = سبتمبر- نوفمبر2017م ، العــــــــــــدد : 1 – 2 ، السنــــــــــــــــــــــة : 42

 

دراسات إسلامية

 

 

أدب الإسلام للطفل فطرة وعبادة

الصلــح خـــــير

أكاديمية شيخ الهند

ودورُها في إثراء اللغة العربية وآدابها بالتراجم

فقه النصيحــــــة

 

أدب الإسلام للطفل فطرة وعبادة

بقلم:  أ. د. علي علي صبح (*)

 

 

 

يهذب الإسلام الطفل منذ مراحله المبكرة بأدب سامٍ، يوقظ فيه كل حين الفطرة المستقيمة، و الخليقة الخالصة النقية، التي تفضل بها الله عز وجل على خلقه في إبداعاته، حين يتلو أو يسمع قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم:30] ، فيسلك المنهج القويم ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّٰى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدٰى [الأعلى: 1-3] ، ويميز بين الطيب والخبيث والهدى والفجور ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوّٰهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوٰهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّٰهَا [الشمس:7-10] ، لتختار من النجدين طريق الخير لا طريق الشر ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنٰهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:8-10] فأقرت النفس البشرية بذلك إيمانا بربها وخالقها ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيٓ آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلٰى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غٰفِلِينَ [الأعراف:172] ، لذلك حث القرآن الكريم في أدبه المعجز العباد على الطريق المستقيم والهدى، والوقاية من الضلال والعذاب ﴿يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوآ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] ، كما حث النبي –صلى الله عليه وسلم- في أدب بليغ يتردد صداه في جوانب النفس وحنايا الوجدان: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».(أخرجه البخاري 1/410).

     ورغب في مخالطة الأخيار، ونهى عن مجالسة الأشرار «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» رواه أبو داود والترمذي والحاكم، وقال أيضا: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة» (رواه مسلم 4/2026).

     وقال أيضا: «لا تصاحب إلا مؤمنا ولا تأكل إلا مع تقي» رواه أبو داود (في 5/167)، والترمذي (برقم 2397)، لذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطٰنُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا [النساء:27]، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوٰﯨﻪُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:28] ، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوٰةَ الدُّنْيَا [النجم:29] ، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يٰلَيْتَنِيْ اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا، يٰوَيْلَتٰى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطٰنُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا [الفرقان:27-29].

     ويقول علي بن أبي طالب- رضي الله عنه-:

     فلا تصاحب أخا الجهل ... وإياك وإياه

     فكم من جاهل أردى ... حليما حين آخاه

     يقاسي المرء بالمرء ... إذا ما المرء ماشاه

     وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه

     وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه(1)

أدب الرحمة بالطفل عبادة وسلوك تربوي:

     إذا عاش الطفل في أسرة تفيض بالحب والرحمة، وفي مجتمع يلفه بالشفقة والعطف والحنان، ينشأ متأدبا بآداب الرحمة متذوقا لأساليب الحب والجمال والخير والحق، فيشب الطفل عاشقا للرحمة والمحبة متخذا صورها الجميلة في قوله ومنهجه وسلوكه؛ لأن أدب الإسلام في جميع صوره حث عليها منذ الصغر على أنها عبادة وطاعة، ومنهج وسلوك، فقد صور القرآن الكريم الرحمة بما يعجز عنه البشر، فلم تخل سورة من تصوير قرآني لها تهتز لها العاطفة، وتبعث فيها الحرارة والصدق والدفء، وتغمر الوجدان فتحييه بالإيمان والإخلاص، والحب والمودة، فأصبح مفتاح كل سورة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ، لأن الله عز وجل ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:133] ، ورحمته وسعت كل شيء ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ [الأنعام:147]، وجعل آية الزواج وثمرتها العجيبة المودة والرحمة في السكن والولد ﴿وَمِنْ اٰيٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21] .

     وفي الحديث الشريف يخبر النبي –صلى الله عليه وسلم- عن رب العزة: «لما خلق الرحم قال تعالى: أنا الرحمن وأنت الرحم شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته»(2)، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك»، قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «فاقرؤوا إن شئتم» ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أخرجه البخاري 10/532، وقد حثت الأحاديث الشريفة على الرحمة بالبنين والبنات وتأديبهم بآدابها البليغة وصورها الأدبية الجميلة، التي تفتح لها منافذ الإدارك في النفس، وفي رواية أبي سعيد الخدري قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «من عال ثلاث بنات فأدبهن ورحمهن وأحسن إليهن فله الجنة» رواه الإمام أحمد 3/98 وفي رواية جابر بن عبد الله قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «من كان له ثلاث بنات يؤدبهن ويكفيهن ويرحمهن فقد وجبت له الجنة البتة» فقال رجل من القوم: وثنتين يا رسول الله؟ قال: «وثنتين» رواه البخاري في الأدب المفرد، وفي رواية أخرى: «وواحدة». وعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم» أخرجه ابن ماجه 291/2 وروى عبد الله بن عمر قال: «أدب ابنك؛ فإنك مسؤول عنه، ماذا أدبته؟ وماذا علمته»؟(3) وعنه أيضا قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته» متفق عليه.. البخاري 718/2.

     وحث الإسلام الكبير على الرحمة بالطفل لضعفه وقلة حيلته، فإذا امتلأت قلوب الأطفال بصور الرحمة الجميلة وأدبها المهذب شبوا قادرين على النهوض بأمة الإسلام، لتكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، قال تعالى: ﴿الْـمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَالْبٰقِيٰتُ الصّٰلِحٰتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:46]، ومن الباقيات الصالحات رعايتهم وتأديبهم، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنٰهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21]، وروى أبو هريرة قال: «قبل –صلى الله عليه وسلم- الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ثم قال: «من لا يرحم لا يرحم» أخرجه البخاري 426/10، وقال أبو قتادة -رضي الله عنه-: «خرج علينا رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه فصلى إذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها» أخرجه البخاري 426/10، وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي-صلى الله عليه وسلم- وضع صبيا في حجره يحنكه فبال عليه فدعا بماء فأتبعه. أخرجه البخاري 433/10، وعن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: «صليت مع النبي-صلى الله عليه وسلم- صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا، قال: وأما أنا فمسح خدي فوجدت يده بردا وريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار».(أخرجه مسلم 1814/4، «وجؤنة العطار: وعاء يعد فيه الطيب»).

     وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن بن علي علي فخذه الآخر ثم يضمهما ثم يقول: «اللهم ارحمهما؛ فإني أرحمهما».( أخرجه البخاري 434/10)، وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله-صلى الله عليه وسلم- كان إبراهيم مسترضعا في عوالي المدينة وكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت وأنه ليدخن وكان ظئره قينا، فيأخذه فيقبله ثم يرجع». (أخرجه مسلم 1808/4، والظئر: زوج المرضعة، وقينا: حدادا).

     وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: خرجت مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم- في طائفة من النهار، لا يكلمني ولا أكلمه، حتى جاء سوق بني قينقاع ثم انصرف حتى أتى خباء فاطمة فقال: «أثم لكع، أثم لكع» «الصغير» يعني حسنا، فظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله وتلبسه سخابا «قلادة الأطفال»، فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «اللهم إني أحبه وأحبب من يحبه» (أخرجه مسلم1782/4)، وعن يعلى بن مرة أنه قال: خرجنا مع النبي-صلى الله عليه وسلم- ودعينا إلى طعام، فإذا حسين يلعب في الطريق، فأسرع النبي-صلى الله عليه وسلم- أمام القوم ثم بسط يديه فجعل الغلام يفر هنا وهنا ويضاحكه النبي-صلى الله عليه وسلم- حتى أخذه، فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى في رأسه، ثم اعتنقه، ثم قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: «الحسين مني وأنا من الحسين، أحب الله حسينا، الحسين سبط من الأسباط» (أخرجه البخاري 459/1).

     عن أم خالد بنت سعيد قالت: «أتيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- مع أبي وعلي قميص أصفر، قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «سنه، سنه» قال عبد الله وهي بالحبشية: حسنة، قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فزجرني أبي قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «دعها»، ثم قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «أبلي وأخلقي» دعا لها باستهلاك ثياب كثيرة، قال عبد الله: فبقيت حتى ذكر.. يعني من بقائها» (أخرجه البخاري 425/10).

     وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير- قال: أحبه قال: كان فطيما- قال: فكان إذا جاء رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «يا أبا عمير، ما فعل النغير بك»؟ قال: «فكان يلعب به» (أخرجه البخاري 426/10)، وقال أبو هريرة: «سمعت أذناي، وبصرت عيناي هاتان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أخذ بيديه جميعا بكفي الحسن والحسين وقدميه على قدم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ورسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: «ارق»، فرقي الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، ثم قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «افتح فاك»، ثم قال: «اللهم أحبه، فإني أحبه» ( أخرجه البخاري 348/1)، وقال الطبراني: قال عليه الصلاة والسلام: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا». وجاء رجل إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- يشكو قسوة قلبه، فقال له: «أتحب أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك يلين قلبك، وتدرك حاجتك» (كنز العمال 173/3).

     ومن القيم الخلقية في الأدب الإسلامي أدب العدالة بين الأطفال، فلا يضارون بصور الظلم وأنواعه من الأسرة أو من المجتمع مما يترك أثرا بناء على تهذيب نفسه وفي رقة مشاعره وعمارة وجدانه، فيشب على المحبة والمودة والتعاطف والتعاون، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ، ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ، ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ، ﴿وَنَضَعُ الْـمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظّٰلِـمُونَ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ، ولقد أنقذ الخضر وموسى - عليهما السلام- حق اليتيمين من مجتمعهما الظالم الشحيح ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْـمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمـَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف:82] هذا ما يجب على المجتمع من رفع الظلم عن المسلم وعن الطفل الضعيف وإرساء العدالة الاجتماعية بينهم، وأما موقف الأسرة من ذلك فقد قال تعالى فيها: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعٰفًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا إلى قوله ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:9-11]، في تصوير قرآني معجز، وكذلك في ضرب مثلين متقابلين، أحدهما يورث المنفق على أهله وغيرهم ابتغاء مرضاة الله عز وجل ولا يكون ذلك إلا بالعدل، والآخر لا يؤدي ذلك في تصوير قرآني يهز أعماق الكبير ووجدان الصغير، فالأول كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين، والآخر كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا، ثم يزيد الآخر توضيحا وتفصيلا وبلاغة وإعجازا فيقول تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰرُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرٰتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة:263-271].

     والأحاديث الشريفة البليغة التي وردت في ذلك كثيرة وهي عامة للأطفال وغيرهم، لكنني سأقتصر على بعض ما يخص الصغار لعدم الإطالة، قال عامر: «سمعت النعمان بن بشير -رضي الله عنه- وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة لأبي: لا أرضى حتى يشهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قال: «أعطيت سائر ولدك مثل هذا»؟، قال: لا، قال: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، قال: فرجع فرد عطيته» (أخرجه البخاري211/5)، وقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل- وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» (أخرجه مسلم 1458/3).

تلاوة الأطفال للقرآن وسماعه تأديب وتربية وتعليم

     قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: «أدبني ربي فأحسن تأديبي»؛ لأنه تأدب بأدب القرآن وتخلق بأخلاق القرآن، فقراءة القرآن وسماعه أو حفظه يعرب اللسان ويهذبه فيكون أعظم بيانا وفصاحة وبلاغة وأدبا: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، ويرقى بالعاطفة فتتسم بالصدق والإخلاص في الإيمان، ويعمر الوجدان بالمشاعر الرقيقة والأحاسيس المرهفة، ويقوم العقل والفكر بقيمه السامية وأخلاقه وتشريعاته الزاكية، وبذلك تتحقق للإنسان السعادة في الدنيا والآخرة، فحينما حفظ الأطفال سورا قصارا بعد وفاة أبيهم رفع الله العذاب عنه في قبره، فقد سألت النبي-صلى الله عليه وسلم- أمهم وزوج المعذب في قبره عما صنعت بعد دفنه، لذلك قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204]، ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنٰهُ تَنْزِيلًا [الإسراء:106] ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتٰبَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلوٰةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:29-30]، ﴿مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء:27]، وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مئتي آية كتب من القانتين، ومن قرأ أربع مئة آية كتب من الحافظين، ومن قرأ ست مئة آية كتب من الخاشعين، ومن قرأ ثمان مئة آية كتب من المخبتين، ومن قرأ ألف آية أصبح له قنطار، والقنطار مئتا أوقية، والأوقية خير مما بين السماء والأرض، أو قال: خير مما طلعت عليه الشمس، ومن قرأ ألفي آية كان من الموجبين» «أي وجبت له الجنة» رواه الطبراني، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» رواه مسلم وغيره.

     وحينما عظم الله عز وجل ثواب القرآن في الدنيا بما تقدم ذكره من قيم السعادة فيها، وفي الآخرة بأعظم وأخلد أنواع السعادة برضوان الله عز وجل لمن قرأه وعمل به، فشفعه فيه وأدخله الجنة -فإنما يحث المؤمن على دوام قراءته وتعليمه لأهله وأولاده ورعيته، فهو مسؤول عنهم، وعن الإنفاق على تعليمهم القرآن وعلومه، كما دلت الآيات السابقة في أدب قرآني معجز، والأحاديث الشريفة في بلاغتها الجامعة في أدب نبوي سام، يترك ذلك أثره البليغ والسريع في تأديب الأطفال وتربيتهم إذا ما تعلموها أو قرؤوها في مراحل تعليمهم، وبالإضافة إلى ما سبق ما رواه جابر -رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «القرآن شافع مشفع، وماحل به مصدق، من جعله أمامه قادة إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار» (رواه ابن حبان).

     وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها» رواه أبو داود وغيره، وما رواه معاذ بن أنس الجهني -رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «من قرأ: قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة» فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: إنا نستكثر يا رسول الله، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «إذا الله أكثر وأطيب» رواه أحمد، وما رواه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «من قرأ القرآن فاستظهره فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار» رواه ابن ماجه والترمذي. وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» رواه الطبراني وابن حبان. لذلك حرص عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما- الذي دعا له الرسول بدعوته المشهورة ووصاه بوصيته المشهورة التي سنذكرها في مقامها هنا، فقد حرص أن يقرأ المحكم ولم يتجاوز عشر سنين، فقال: «توفي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم» مما جعل أطفال المسلمين يتدافعون لحفظ كتاب الله عز وجل وتعلمه حتى ضاقت المساجد بالصبيان، فاضطر الضحاك بن مزاحم -معلم الصبيان ومؤدبهم- إلى أن يطوف على حمار ليشرف على طلاب مكتبه الذين بلغ عددهم ثلاثة آلاف صبي، وكان لا يأخذ أجرا على عمله(4).

     ولهذا أصبح الأزهر الشريف أعظم جامعة وأقدمها في العالم قاطبة لتخريجه علماء أجلاء ينشرون الإسلام وعلومه في بقاع العالم؛ لأنهم كانوا يحفظون القرآن الكريم في مراحل الطفولة المبكرة، ويتأدبون بأدبه السامي وبلاغته المعجزة، وكذلك الحديث الشريف.

     ومما يضطر الأطفال إلى تأديبهم بأدب القرآن والسنة الشريفة أن الإسلام أوجب على الوالد أن يرعى أولاده الأطفال منذ سبع سنين على سبيل الوجوب والإلزام بتعليمهم الصلاة وأن يعينهم على أدائها، وأن يضربهم عليها إذا ما بلغوا عشر سنين وانصرفوا عنه، قال تعالى:

     ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوٰةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوٰى [طه: 123] وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» رواه أبو داود، وعن أبي ثرية سبرة بن معبد الجهني -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «علموا الصبي الصلاة لسبع سنين واضربوه عليها ابن عشر سنين» رواه أبو داود والترمذي، وفي حديث الرسول-صلى الله عليه وسلم- لأبي هريرة -رضي الله عنه: «يا أبا هريرة، مر أهلك بالصلاة؛ فإن الله يأتيك بالرزق من حيث لا تحتسب»، لأن اعتياد الصلاة وتكرارها في اليوم خمس مرات تؤدبهم بما تهدف إليه من قيم أخلاقية كثيرة، وما تشتمل عليه من القرآن والذكر، فتؤدبهم عن طريق حفظ فاتحة الكتاب وترديدها، وحفظ كثير من السور القرآنية وبعض الآيات التي تعقب الفاتحة في الصلاة، وعن طريق سماع القرآن الكريم من الإمام في الصلاة الجهرية، وعن طريق سماع الخطبة في صلاة الجمعة، وهي فن أدبي من فنون النثر الفني، وما اشتملت عليه من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة وأدب الصحابة والتابعين والحكم والأمثال والندوات والدروس التي تلقى في المسجد أثناء مصاحبة الطفل لوالده، أو حضوره بنفسه للمشاركة في صلاة الجماعة أو صلاة الجمعة والعيدين بعد أن يعتاد على الصلاة وحده.

*  *  *

الهوامش:

(1)      الديوان، تحقيق د. محمد عبد المنعم خفاجي.

(2)      بصائر ذوي التمييز 3/53.

(3)      تحفة المودود في أحكام المولود: ابن القيم ص153.

(4)      منهج التربية النبوية للطفل: محمد سويد ص113.

*  *  *

 

ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، المحرم – صفر 1439 هـ = سبتمبر- نوفمبر2017م ، العــــــــــــدد : 1 – 2 ، السنــــــــــــــــــــــة : 42

 

دراسات إسلامية

 

 

 

الصلــح خـــــير

بقلم:  الشيخ عبد الله بن صالح المحسن

 

 

 

إن الناس في هذه الحياة على اختلاف ألوانهم وتباين لغاتهم وتباعد أقطارهم بعضها عن بعض لم يعلم عن أحد منهم في وسط المعمورة ولا في أرجائها أنه لم يحدث بينهم خصومات ومنازعات؛ بل إن الطبيعة الغريزية لتحمل كل إنسان على محبة التغلب والانتصار على منازعه أو خصمه، فإن كانت صالحة فالمرء يريد استيفاء حقه، وإن كانت طالحة فيريد المرء التغلب والانتصار على الخصم بأي طريق، لذا فكثيرًا ما تقع الخصومات والمنازعات بين فرد وآخر وقرية وأخرى؛ فلذا عُني الإسلام بهذا الشأن فأمر بالصلح ورغب فيه وجعل المصلح حاكما نافذا حكمه قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَآئِفَتٰنِ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰىهُمَا عَلَى الأُخْرٰى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ الله فَإِنْ فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات/9]، وقال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء/114]، وقال تعالى في حق الزوجين ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً [ النساء/35]، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة. رواه أبوداود والترمذي، وقال حديث صحيح، و للترمذي: لا أقول تحلق الشعر؛ ولكن تحلق الدين. وقال صلى الله عليه وسلم: «كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين - تصلح بينهما بالعدل- صدقة». رواه البخاري ومسلم.

     وقد أجاز صلى الله عليه وسلم الكذب في الصلح بين الناس؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا». رواه البخاري ومسلم، ولمسلم: «لم يرخص في شيء مما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث»، وذكر منها الإصلاح بين الناس، كل ذلك دافع إلى الصلح في حل المشاكل المتأزمة. فعلى كل مسلم أن يكون رجلا مجاهدًا في أمته وبني وطنه ومن يتصل به من غيرهم بأن يسعى بالصلح إذا وجد نار الغضب والفتنة تتأجج بالخصومات والمنازعات بين أي من الناس فليحاول التدخل فيما بينهما بالصلح ليكون حكما عدلا مصلحا بينهم بأقواله وباذلا في ذلك ما يستطيعه من أفعال ومال، إذا تطلب الأمر ذلك حتى يطفئ تلك الفتنة الملتهبة أو المشاكل المعقدة، ويحل بدلها السلام والوئام ولا يقول: هذا ما يعنيني؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أخبر بأن أهل قباء اقتتلوا حتى ترامو بالحجارة فقال: «اذهبوا بنا نصلح بينهم» رواه البخاري.

     فعلى كل مسلم أن يكون دائما مشاركا في هذه الحياة بنفع إخوانه مسابقًا في ميادين الإصلاح والعمل المثمر مسارعًا إلى ما يؤلف القلوب، ويرفع مستوى أمته؛ ليسمو بين الورى بحسن الثناء، ويسعد في آخرته عند الله، إن الله لايضيع أجر من أحسن عملا ويقول الشاعر:

     لا تزهد الدهر في عرف بدأت به

كل امرئ سوف يجزى بالذي فعلا

     إن الثناء ليحيي ذكر صاحبــــه

كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا

     وعلى المصلح أن يكون الإخلاص هو الدافع له على الصلح، وأن يكون صلحه سائرًا تحت لواء الشريعة فلا ينفذ صلحًا مخالفًا للسنة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه مسلم، مردود عليه لعدم صحته وقد رد صلى الله عليه وسلم الصلح الباطل في قصة العسيف حيث قال: «أما الوليدة والغنم - التي اصطلحتم عليه- فرد عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام» رواه البخاري ومسلم، فيا أيها المسلم الذي وقع في مشكلة مع غيره عليك بقبول الصلح لما فيه من الخير الكثير والابتعاد من الشرالمستطير ومن أعظم الأدلة على ذلك قصة صلح الحديبية الذي ظاهره النقص والضرر على المسلمين، وفي باطنه ما تجلى من المنافع العظيمة التي ظهرت لكل واحد، ولما في قصة الزبير مع خصمه قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «اسق يا زبير، ثم أرسل -الماء- إلى جارك»، مريدًا بذلك الصلح، فلم يوافق الخصم على ذلك، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «اسق -يعني الزبير- ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر». رواه البخاري، مستوعبا في ذلك حق الزبير في صريح الحكم، فلو قبل الخصم الصلح لكان له فيه خير، وقد تكرر الأمر بالصلح والترغيب فيه كما سبق لما يحصل في الخصومات والمشاهدات من الأضرار العظيمة من سفك الدماء وذهاب الحقوق وتجسم العداوات والإساءة والإيذاء من آثارها مع ما يبذل في سبيل ذلك من الأقوال بحق، وبدون حق مع أنها محرقة للقلوب، داعية للهموم، ومضيعة للوقت من دون جدوى ولا فائدة غالبا؛ بل ضرر ظاهر وعذاب و ابتلاء قد يكون مستمرًا فما على المسلم إلا أن يقبل الصلح متسامحًا عن بعض حقه في اعتقاده؛ ليرتاح من عناء تحقيق حقه، وقد يضيع حقه كليا بسبب عدم خوف خصمه من الله، وخصوصًا في هذا الزمان وما فيه من زخرف القول الذي يجعل الباطل حقًا، والحق باطلا مما يخالف قول الله سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

*  *  *

 

ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، المحرم – صفر 1439 هـ = سبتمبر- نوفمبر2017م ، العــــــــــــدد : 1 – 2 ، السنــــــــــــــــــــــة : 42

 

دراسات إسلامية

 

 

 

أكاديمية شيخ الهند

ودورُها في إثراء اللغة العربية وآدابها بالتراجم

بقلم:  الأستاذ آصف إقبال القاسمي الجهان آبادي (*)

 

 

 

تمتاز الهند عن البلاد الأعجمية والدول غير العربية بأعمال بارزة وجهود جبارة قام بها العلماء والباحثون الهنود في شتى مجالات عربية لإثراء اللغة العربية وآدابها في شبه القارة الهندية منذ فجر التاريخ، فإنهم أدوا - ولا يزالون يؤدون - دورًا قياديًا لتعزيز العلاقات التجارية والتفاعلات الثقافية بأعمالهم القيمة في مجال التصنيف والتأليف والترجمة من وإلى العربية، كما لعبت المدارس الإسلامية والمعاهد العلمية والمؤسسات والأكاديميات الأدبية دورًا أساسيًا في إنعاش هذه العلاقات، وفي مقدمتها الجامعة الإسلامية دارالعلوم بديوبند، التي لها فضل كبير في نشر الدعوة والثفاقة الإسلامية، كما يتجلى دورها البارز في ترويج اللغة العربية وآدابها في الهند وخارجها، فقد أقبل علماؤها على خدمة لغة الضاد من خلال حركة التأليف والتدوين والتعريب والترجمة منذ بداية تأسيسها، بابتكارات لغوية وإنتاجات علمية وإنجازات بحثية، كما يعتني عديد من المؤسسات الأدبية والأكاديميات التأليفية التابعة لدارالعلوم بديوبند بخدمات تاريخية لنشر هذه اللغة الكريمة، وعلى رأسها «أكاديمية شيخ الهند» التي تتولى مسؤولية  علمية  وأدبية للنشر وللحفاظ على الكتب والرسائل والمخطوطات العلمية ذات الأهمية البالغة لمشايخها من خلال التأليف والتدوين والترجمة من وإلى اللغة العربية، فتعتني هذه الأكاديمية عناية تامة منذ أول يومها بطبع وإصدار مؤلّفات المشايخ القيّمة المترجمة إلى اللغة العربية خاصة بأسلوب يتهيأ للعرب والعارفين بالعربية به الإطلاعُ على الخدمات الأدبية الجليلة والإنتاجات العلمية التي قام بها علماء ديوبند في مختلف المجالات العلمية، فقد قامت هذه الأكاديمية حتى اليوم بطبع بضعة خمسين مؤَلفًا علميًا وأدبيًا من خلال التأليف والترجمة في عمره يقل عن أربعين عامًا.

ما هي الترجمة:

     الترجمة Translation هي نقل الكلام من لغة إلى أخرى، وجاء في المنجد: ترجم الكلام، أي: فسّره بلسان أخر، ومعنى التفسير يتناول التفهم والأخذ بالكلام المترجم عنه بشكل ناجح، وإلا تكون الترجمة ألغازًا يَحار فيها قارئها ويرتبك مغزاها(1).

     وتعتمد الترجمة على نقل الكلمات والمعاني معًا من لغة إلى أخرى بشكل لايفوت فيه المعنى المطلوب، ولذا تعدّ الترجمة من الفنون الصعبة التي تحتاج إلى دراية شاملة وحس مرهف في المترجم، بحيث لايسير المترجم طليقا في اختيار معانيه وألفاظه وتراكيبه أثناء عمل ترجمته، بل يكون أسيرًا لمعاني غيره ومضطرًا إلى إيرادها كما هي، فيُستدعى من المترجم أن يكون ملمًا بالخلْفية الفكرية والثقافية والعلمية للموضوع المطروح للترجمة(2). فمن الصعب أن يقوم الحاسب الآلي بترجمة النص ترجمة صحيحة بدون المخ الإنساني رغم ظهور بعض برامج وتقنية الترجمة الحديثة، فنظرًا إلى أهمية هذا الفن ودقته، يتقيد المترجم الأمين بتوافر عدة شروط في نفسه، وهي البراعةُ في كلتا اللغتين، والأمانةُ في الترجمة، والقدرةُ على إبراز الحقيقة وفحوى الكلام في العبارة المنقولة إليها وما إلى ذلك من الشروط.

أهمية الترجمة وحاجتها في العصر الحديث:

     لعبت الترجمة دورًا بالغ الأهمية في نقل المعارف والحضارات بين الشعوب والأمم، وإن الترجمة هي الأداة التي تُمكنُنّا من مواكبة الحرَكة الفكرية والثقافية في العالم، ولها فضل كبير في التقريب بين المجتمعات المختلفة والوحدات العديدة، ومن الحق أن يُقال: «لولا الترجمة لضاعت حكمة اليونان»(3). وخير ما يدل على أهمية الترجمة أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- حثّ أصحابه على تعلّم اللغات الأجنبية مثل الفارسية والعِبرِيّة، حيث كُلّف زيد بن ثابت كاتبُ الوحي أن يتعلم لغة اليهود(4). ولا يخفي على ملم بقواعد اللغات أن الترجمة كما هي أداة لنقل العلوم والثفافات بين الأمم، كذلك هي وسيلة ناجحة لإثراء اللغة وتطويرها من خلال المعاني الجديدة والمصطلاحات الحديثة، واللغة التي لاتستطيع أن تواكب متطلبات الزمان ومقتضيات المكان، لا بد لها من أن تموت وتتلاشى.

دارالعلوم ديوبند ومساهمتها في تطوير اللغة العربية بالتراجم:

     تتميز جامعة دارالعلوم، ديوبند بدورها الريادي في نشر الدين والدعوة والإبقاء على الهوية الإسلامية في شبه القارة الهندية، ولها مكانة مرموقة في كافة مجالات اللغة العربية والعلوم الإسلامية والحركات الدينية خدمةً واعتناءً، فقد ركزت دارالعلوم اهتمامها البالغ على تطوير اللغة العربية وإنمائها في إطار لا تتسرب إليه ركاكةُ الأسلوب وغرابةُ الألفاظ وتوحشُ المعاني، وتتجلى هذه السمات الأدبية والميزات اللغوية من خلال أعمالها وإنجازات علمائها في جميع مجالات اللغة العربية من النثر والشعر والتصنيف والتدوين والتراجم ووضع المعاجم وما إلى ذلك من الأنواع العربية الفنية الأخرى(5)، ولا يمكن حصرها ولا عدها في هذا المختصر.

     ومثلما تعتني هذه الجامعة بسائر الفنون العربية، كانت الترجمة من العربية إلى اللغات الهندية وبالعكس تحظي بعناياتها الخاصة منذ بداية العهد على أيدي البارعين في اللغة العربية، فقد ترجموا كثيرًا من الكتب والرسائل القيمة عبر التاريخ، ولكن العقود الأخيرة للجامعة شهدت تدفقًا كبيرًا في هذا المجال، وازداد إقبال متخرجيها على ترجمة كتب مشايخهم ونقل تراثهم العلمي والعربي إلى اللغات الأجنبية عامةً والعربية خاصةً، فأسهموا بقسط كبير في إثراء الأدب العربي بالمعاني الجديدة والمصطلحات العلمية عن طريق تراجمهم(6).

أكاديمية شيخ الهند، تأسيسها وأغراضها:

     تعكف جامعة دارالعلوم ديوبند منذ تأسيسها على نشاطات متشعبة ترمي إلى إثراء اللغة العربية بالتدريس والتصنيف والتأليف والترجمة، وتتجلى تفاعلاتها العلمية وإسهاماتها الأدبية ونشاطاتها العربية في مئات الآلاف من الكتب العربية القيمة النافعة للأجيال الحاضرة والآتية. فقد أَلَّفَ علماءُ ديوبند في شتّى الموضوعات الإسلاميّة الأساسيّة وغير الأساسيّة، وفي موضوعات الدفاع عن الدين، من الكتب ما كَوَّن مكتبةً غنيّةً ثريّة باللغة العربيّة والأرديّة والفارسيّة والهندية وغيرها من اللغات، بحيث تحتضن في طياتها من العلوم والبحوث والمعارف المهمة ما لا يضارعه الغير، ولو تمّ نقلها إلى اللغات الحيّة العالميّة لدُهِشَ العالم كلُّه من علمهم الغزير، وفكرهم الثاقب، وذكائهم العجيب(7). فقد عبّر غير واحد من العلماء والمثقّفين العرب الذين زاروا هذه الجامعة وعثروا على خِزانتها العلمية ومآثرها الأدبية عن اقتراحاتهم بأنه لا بُد أن يٌترجم هذا التراث العلمي إلى اللغات العالمية الحية عامة واللغة العربية خاصةً، حتى يتسع نطاق المستفيدين إلى العالم أجمع، وعلى رأسهم الداعية الكبير والعالم الشهير الشيخ عبد الفتاح بن محمد أبو غدة الحلبي (1336- 1417هـ)، زار الشيخ الجامعة سنة 1382هـ، وأشار على القائمين على الجامعة بترجمة المصنفات والأعمال الدينية والأدبية لمشايخها إلى العربية إشارةً بالغة التأكيد، وصف بأن مصنفات علماء هذه الجامعة العريقة وفيوضاتهم العلمية وخدماتهم الأدبية من أهم ما شهدت المكتبات الإسلامية في جميع أرجاء العالم، يفوح منها أريج العلم والمعرفة وتنبعث منها روح التفاني والإخلاص، فلوكانت مصنفات هولاء العلماء المحققين تُرجمت من الأردية إلى العربية، لكانت هي أكثر نفعًا وأوسع تأثيرًا على العالم العربي، وإلا فأعتقد هذا كالحرمان العلمي لعلماء غير هنود، فأكرر طلبي وأملي لأبناء الجامعة أن يقوموا بترجمة هذه المصنفات إلى اللغة العربية كذلك ويتحملوا هذه المسؤلية الكبيرة(8). وكانت الجامعة تحس بهذه الضرورة الدينية أشد الأحساس، فيقول فضيلة الشيخ مرغوب الرحمن رئيس الجامعة الأسبق: «وقد ظل ذلك- نقل التراث العلمي لمشايخ الجامعة إلى اللغة العربية وغيرها من اللغات الحية- حُلمًا لذيذًا يُراود قلوبنا نحن القائمين على هذه الجامعة، وذلك شعورًا منا بأن إنتاجاتهم تحمِل من العلوم والحكم المعانيَ اللطيفة التي قد لا تحملها مؤلفاتُ بعض العلماء الكبار من معاصريهم ومَن سبقهم، وعلمًا منا بإن الإخوة العرب في حاجة إلى أن يعرِفوا أعمالًا مشكورة غير مطروقة في خدمة الدين والدعوة والثقافة الإسلامية العربية»(9). فأنشأت الجامعةُ درالعلوم ديوبند أكاديميةً علمية بحثيةً تأليفيةً تستقل نشاطاتها العلميـة وحركاتها الأدبية، تلبيةً لهذه الحاجة الدينية وتكملةً لهذه الضرورة العلمية الأدبية سنة 1403هـ/1982م، وسميت باسم «أكاديمية شيخ الهند» وتمّ بناؤها على أهداف وأغراض كما يليه(10):

     * الحفاظ على تراث علماء دارالعلوم ديوبند العلمي والأدبي.

     * صياغة أفكار علماء ديوبند بصيغة حديثة ونشرها في قالب يتقارب للنَشءِ الجديد.

     * نقل التراث العلمي لمشايخها إلى اللغات العالمية الحيّة واللغة العربية بالأخص.

     * إطلاع العرب والعارفين بالعربية على الخدمات العربية والإنجازات البارزة والإنتاجات العلمية القيمة التي قام بها علماء ديوبند بلغتهم وبأسلوبهم المتداول.

     * نشر الكتب والمقالات المتعلقة بالموضوعات الإسلامية والأدبية المختلفة بعد المراجعة.

     * تدريب الطلبة والدارسين على البحث والتحقيق وإعدادهم لمواكبة التيار السائد في مجالات العلم والأدب(11).

     ويقول فضيلة الشيخ مرغوب الرحمن رحمه الله رئيس الجامعة الأسبق، وهو يشرح هدف تأسيس الأكاديمية: «وقد كان الغرض أساسا من المجمع العلمي الذي أسّسته الجامعة منذ سنوات طويلة باسم ﴿أكاديمية شيخ الهند تحقيق وطبع وتوزيع مؤلفات أبنائها الكبار، بلغتها التي وُضعتْ فيها، ثم نقلها إلى غيرها من اللغات الحية من العربية والإنجليزية والهندوسية، كما كان الغرض إعداد كتب وكتيبات ورسائل ومطويات بأسلوب عصري، وخطاب حديث، وطراز جديد للتعريف بالإسلام ونشر دعوته في العالم»(12).

دور الأكاديمية في إثراء اللغة العربية بالتراجم:

     قد قامت أكاديمية شيخ الهند تمشيًا مع أهداف تأسيسها وتلبيةً لهذه الحاجة الدينية، بترجمة عشرات كتب دينية علمية أدبية إلى اللغة العربية ترجمةً تتسم لغتها وأسلوبها بالحسن والجودة والسلاسة والثقة، وقد قام وظل يقوم كبار الأساتذة والمترجمين البارعين ببذل قصارى جهودهم لإنجاز هذه الوظيفة المهمة. يقول فضيلة الشيخ مرغوب الرحمن: «فإن أكاديمية شيخ الهند بالجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند مازالت ولاتزال تنشر-بحمد الله ومنّه- مؤلفات مشايخ الجامعة باللغتين-الأردية والعربية- وقد بلغت منشوراتها نحو 42كتابًا حتى الآن»(13).

      فأذكر هنا عددًا من الكتب ذات الأهمية البالغة التي تمت تراجمها إلى اللغـة العربية حتى الآن، وصدرت مطبوعةً بعناية هذه الأكاديمية، وهي كما يلى:

     1.  «علماء ديوبند اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي» للعالم الكبير المعروف بحكيم الإسلام الشيخ المقري محمد طيب، والتعريب: للكاتب الإسلامي المعروف فضيلة الشيخ نور عالم خليل الأميني، رئيس التحرير لمجلة الداعي العربية، وأستاذ الأدب العربي بالجامعة.

     2.  «الإسلام والعقلانية» للداعية الكبير المعروف بحكيم الأمة الشيخ أشرف على التهانوي، التعريب: الباحث الإسلامي والأديب البارع نور عالم خليل الأميني.

     3. «لآلي منثورة» للشيخ أشرف علي التهانوي، وعربّه الأديب والمترجم القدير نور عالم خليل الأميني.

     4. «بحوث في الدعوة والفكر الإسلامي» للعالم الكبير المعروف بشيخ الإسلام حسين أحمد المدني، وعربّه الأديب نور عالم خليل الأميني تعريبا يُعجب القُرّاء والمتذوقين بالعربية.

     5. «الحالة التعليمية فيما قبل عهد الاستعمار الإنجليزي وفيما بعده في الهند» لشيخ الإسلام حسين أحمد المدني، وقام بتعريبه سماحة الأديب نور عالم خليل الأميني.

     6. «الصحابة ماذا ينبغي أن نعتقد عنهم» للشيخ حسين أحمد المدني، وعربّه الأديب والمؤلف الفاضل محمد ساجد القاسمي، أستاذ الأدب العربي بالجامعة.

     7. «محاورات في الدين» للعلامة المحقق الكبير المعروف بـ«حُجة الإسلام» ومؤسس جامعة ديوبند الشيخ محمد قاسم النانوتوي، وعربّه الأديب محمد ساجد القاسمي.

     8. «ردود على الاعتراضات الموجهة إلى الإسلام» لصاحبه الشيخ محمد قاسم  النانوتوي، وعربّه الأديب محمد ساجد القاسمي.

     9. «حجة الإسلام» لمحمد قاسم النانوتوي، تعريب الأستاذ محمد ساجد القاسمي.

     10. «العقل والنقل» للفاضل الشهير والمتضلع من بيان أسرار الشريعة الشيخ العلامة شبير أحمد العثماني، وقد عربّه الأديب الفاضل عبد الرشيد البستوي، أستاذ الجامعة  سابقًا.

     11. «الفتنة الدجالية» للباحث الإسلامي والعالم الكبير الشيخ السيد مناظر أحسن الكيلاني، وقد عربّه الأديب والفاضل النبيل محمد عارف جميل القاسمي الأعظمي، أستاذ قسم اللغة العربية بالجامعة.

     12. «الإمام قاسم النانوتوي كما رأيته» للعالم التقي الشيخ يعقوب النانوتوي، أول رئيس الشؤون التعليمية  للجامعة، وعربّه محمد عارف جميل القاسمي الأعظمي.

ميزات هذه التراجم الأدبية:

     وأما الموضوعات التي يعالج كل من هذه الكتب لهـؤلاء العلمـاء والباحثين المرموقين، فترجع إلى مختلف المجالات الدينية والعلمية والاجتماعية وغيرها من الموضوعات ذات الأهمية البالغة التي تليق بأن تُنقل إلى لغات عديدة حية وينشر ما فيها من العلم والخِبرة والفلسفة الإسلامية وما إلى ذلك بين المجتمعات المتشعبة على كرة الأرض. وأما بيان نهج الترجمة وأصولها التي تتبناها الأكاديمية أثناء عمل الترجمة تحت إشراف وعناية المترجمين البارزين أنها تمارس تسهيل المواد العلمية والعبارات الدقيقة للكتب المترجمة وتحاول تقريبها إلى مستوى فهم القراء المعاصرين بلغة سلسة وبأسلوب ساذج بدون حذف وإضافة وترميم، وهذا لأن أكثر الكتب لمشايخها تكون مشتملة على الاصطلاحات الدقيقة والمباحث العلمية الصعبة، والإيجاز المرهق بحيث تكون إساغتها صعبةً على عامة الناس والمثقفين الثقافة العصرية. يقول المؤلف الفاضل محمد ساجد القاسمي أستاذ الأدب بالجامعة وواحد من المكثرين من الترجمة مبينًا لنهج التراجم التي مارسها خلال ترجمة عدة كتب للإمام النانوتوي: «وقد اتبعت أدب الترجمة العلمية الأمينة الدقيقة في هذين الكتابين-كغيرهما من الكتب للإمام (قاسم النانوتوي)، محاولًا أن لايتغير مراد المؤلف؛ فهي أقرب إلى الترجمة الحرفية منها إلى الترجمة الحرة»(14).

     ولا أقصد استعراض كل من هذه الكتب المترجمة في هذا المقال، فإن لذلك مقالا آخر يستوعب اتجاهات الترجمة وأساليب التعريب من كثب، ولكن حيمنا أمعن النظر في هذه التراجم، تتجلى ميزات هذه التراجم وخصائصها من إجادة اللغة العربية وفصاحة أسلوبها ومتانة تراكيبها وتأدية المعنى المقصود للمؤلف وغير ذلك، كما تخلو من الغرابة والتوحش والركاكة وتنقيص المعاني وما إلى ذلك من العيوب والنقائص، فهذا النوع من التراجم هي كنز من الكنوز الإسلامية والعلمية والأدبية التي لابد من نشرها وبثها على الصعيد العالمي حين تسود المناقشة العلمية والحوارات الفكرية والتفاعلات الحضارية على الجو العلمي العالمي.

أهم نتائج البحث:

     فيتضح من خلال ما ذُكر أن أكاديمية شيخ الهند التابعة لدارالعلوم ديوبند تلعبت دروا بارزا يلفت أنظار المترجمين والباحثين الشبان في مجال الترجمة، فهي تعكف على ترجمة منتخبات من مصنفات مشايخها في صمتٍ ولكن متواصلا بعناية نخبة من الأدباء والأساتذة والمترجمين البارعين، ليعم فوائـد هذا التـراث العلمي ويطلع عليـه العلماء من العرب والغرب، ويعجبني أن ألخص هذه الورقة بقول الكاتب الإسلامي والأديب والمترجم القدير نور عالم خليل الأميني في ترجمة «الإسلام والعقلانية» إلى العربية بيانًا لأهمية هذا الكتاب وضرورة نقله إلى اللغة العربية «ولكون الكتاب يحمل هذه القيمة في إثبات حقية الحقائق الدينية ومصداقية الشرائع الإسلامية، قمنا بنقل الكتاب من الأردية إلى العربية، حتى ينتفع به القراء العرب والعارفون بالعربية وحتى يدوم نفع الكتاب؛ لأن العربية باقية بقاء كتاب الله عزّ وجلّ وبقاء هذا الدين، والأردية وغيرها من اللغات معرضة للفناء كسنة الله في الكون وما فيه من المخلوقات»(15). فأخيرًا أدعو الباحثين والمترجمين إلى أن يقوموا بإنعاش هذا العمل الجليل، والتوسع فيه حتى يعم نفع كتاب مشايخنا التي يحتل كل منها مكانةً ساميةً في المصادر العلمية والمراجع الأدبية.

*  *  *

الهوامش:

(1)      أسس الترجمة للدكتور عزالدين محمد نجيب، ص: 7.

(2)      فنون الأدب العالمي للدكتور نبيل راغب، ص:262 .

(3)      اللغة العربية في الهند،ط: مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي، ص: 175.

(4)      البخاري، ص، 85.

(5)      مساهمة دارالعلوم في الأدب العربي، الدكتور زبير أحمد الفاروقي، ص:14.

(6)      مساهمة دارالعلوم في الأدب العربي، الدكتور زبير أحمد الفاروقي، ص:14.

(7)      موقع الإنترنت لدارالعلوم، من خصائص الجامعة.

(8)      تاريخ دارالعلوم،لسيد محبوب رضوي ج، 2، ص: 396.

(9)      الإسلام والعقلانية المعرّب، ص: 6.

(10)    موقع الإنترنت لدارالعلوم، من باب المكاتب وأقسام الشؤون.

(11)    نفس المصدر.

(12)    الإسلام والعقلانية، ص: 7.

(13)    الفتنة الدجالية، لمناظر أحسن الكيلاني، المعرب، ص: 3.

(14)    محاورات في الدين، ص: 11-12.

(15)    الإسلام والعقلانية، ص: 19.

*  *  *

 

ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، المحرم – صفر 1439 هـ = سبتمبر- نوفمبر2017م ، العــــــــــــدد : 1 – 2 ، السنــــــــــــــــــــــة : 42

 

دراسات إسلامية

 

 

 

فقه النصيحــــــة

بقلم:  الأستاذ: محمد أبو صعيليك

 

 

 

نصيحة الإمام البيهقي للجويني

     كان الحافظ البيهقي معاصرًا لأحد أئمة مذهب الشافعية الكبار، وهو والد إمام الحرمين الجويني، وقد بدأ هذا بتصنيف كتاب في الفقه، سماه المحيط، وكان هذا الرجل عالمًا بالفقه والأصول وعلم الكلام، ولم يكن عالمًا بالحديث، فوقع في الأجزاء التي ألفها من هذا الكتاب أحاديث ضعيفة، ووصل خبر هذا الكتاب إلى الإمام البيهقي، واطلع على ما فيه، فبعث إلى إمام الحرمين ينصحه برسالة قال فيها:

     أما بعد، سلام الله ورحمته على الشيخ الإمام، وإني أحمد إليه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم، عصمنا الله بطاعته، وأكرمنا بالاعتصام بسنة خيرته من بريته، وأعاننا على الاقتداء بالسلف الصالحين من أمته، وعافانا في ديننا ودنيانا، وكفانا كل هول دون الجنة بفضله ورحمته، إنه واسع المغفرة والرحمة، وبه التوفيق والعصمة.

     فقلبي للشيخ أدام الله عصمته، وأيد أيامه مقتد، ولساني له بالخير ذاكر، ولله تعالى على حسن توفيقه إياه شاكر، والله جل ثناؤه يزيده توفيقًا وتأييدًا وتسديدًا.

     وقد علم الشيخ، أدام الله توفيقه، اشتغالي بالحديث، واجتهادي في طلبه، ومعظم مقصودي منه في الابتداء بالتمييز بين ما يصح الاحتجاج به من الأخبار، وبين ما لا يصح، حتى رأيت المحدثين من أصحابنا(1) يرسلونها في المسائل على ما يحضرهم من ألفاظها من غير تمييز منهم بين صحيحها وسقيمها.

     ثم إذا احتج عليهم بعض مخالفيهم بحديث شق عليهم تأويله، أخذوا في تعليله بما وجد في كتب المتقدمين من أصحابنا تقليدًا، ولو عرفوه معرفتهم، لميزوا بين صحيح ما يوافق أحوالهم من سقيمه، ولأمسكوا عن كثير مما يحتجون به، وإن كان يطابق آراءهم، ولاقتدوا في ترك الاحتجاج برواية الضعفاء، والمجهولين بإمامهم(2).

     فشرطه فيمن يقبل خبره عند من يعتني بمعرفته مشهور، وهو بشرحه في كتاب الرسالة مسطور(3)، وما ورد من الأخبار بضعف روايته، أو انقطاع سنده كثير، والعلم به على من جاهد فيه سهل يسير.

     وقد احتج في ترك الاحتجاج بالمجهولين بما أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبوالعباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا الشافعي قال: حدثنا سفيان عن محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني، ولا تكذبوا علي»(4).

     قال الشافعي: «أحاط العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر أحدًا بحال أبدًا(5) أن يكذب على بني إسرائيل، ولا على غيرهم، فإذا أباح الحديث عن بني إسرائيل، فليس أن يقبلوا الكذب(6) على بني إسرائيل(7)؛ لأنه يروى عنه أنه قال: «من حدث بحديث، وهو يراه كذبًا، فهو أحد الكاذبين»(8)، وإنما أباح قبول ذلك عمن حدث به ممن يحتمل صدقه وكذبه(9).

     قال(10): «وإذا فرق بين الحديث عنه، والحديث عن بني إسرائيل فقال: حدثوا عني، ولا تكذبوا علي: فالعلم، إن شاء الله، يحيط أن الكذب الذي نهاهم عنه هو الكذب الخفي، وذلك الحديث عمن لا يعرف صدقه»(11).

     ثم حكى الشافعي في رد حديث الضعفاء عن ابن عمر، وعن عروة بن الزبير، وسعد بن إبراهيم.

     وحكاه في كتاب «العمري» عن عطاء بن أبي رباح وطاووس، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، ثم قال: «ولا لقيت، ولا علمت، أحدًا من أهل العلم بالحديث يخالف هذا المذهب».

     قال الشيخ الفقيه أحمد: وإنما يخالفه بعض من لا يعد من أهل الحديث، فيرى قبول رواية المجهولين، ما لم يعلم ما يوجب رد خبرهم.

     وقد قال الشافعي - رضي الله عنه- في أول كتاب الطهارة، حين ذكر ما تكون به الطهارة من الماء، واعتمد فيه على ظاهر القرآن، وقد روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث يوافق ظاهر القرآن: في إسناده من لا أعرفه(12)، ثم ذكر حديثه عن مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في البحر(13)، وعسى لم يخطر ببال فقيه من فقهاء عصرنا ريب في صحة هذا الحديث، وإمامه يقول: في إسناده من لا أعرفه، وإنما قال ذلك؛ لاختلاف وقع في اسم المغيرة بن أبي بردة، ثم وصله بذكر أبي هريرة مع إيداع مالك بن أنس إياه كتابه الموطأ(14)، ومشهور فيما بين الحفاظ أنه لم يودعه رواية من يرغب عنه إلا رواية عبد الكريم بن أبي أمية(15)، وعطاء الخرساني(16)، فقد رغب عنهما غير مرة.

     وتوقف الشافعي في إيجاب الغسل من غسل الميت، واعتذر بأن بعض الحفاظ أدخل بين أبي صالح وأبي هريرة إسحاق مولى زائدة، وأنه لا يعرفه(17). ولعله يكون ثقة، وتوقف في إثبات الوقت الثاني لصلاة المغرب مع أحاديث صحاح، رويت فيه(18) بعد إمامة جبريل عليه الصلاة والسلام النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يثبت عنده من عدالة رواتها ما يوجب قبول خبرهم.

     وكأنه وقع لمحمد بن إسماعيل البخاري - رحمه الله- بعده ما وقع له، حتى لم يخرج شيئًا من تلك الأحاديث في كتابه(19)، ووقف مسلم بن الحجاج على ما يوجب قبول خبرهم، ووثق بحفظ من رفع المختلف في رفعه منها فقبله، وأخرجه في الصحيح(20)، وهو في حديث أبي موسى وبريدة وعبد الله بن عمرو(21). واحتج الشافعي في كتاب «أحكام القرآن» برواية عائشة في: أن زوج بريرة كان عبدًا، وإن بعض من تكلم فيه قال له: هل يروون عن غير عائشة أنه عبد؟ قال الشافعي في المعتقة: وهي أعلم به من غيرها.

     وقد روي من وجهين قد أثبت أنت ما هو أضعف منهما، ونحن إنما نثبت ما هو أقوى منهما، فذكر حديث عكرمة عن ابن عباس، وحديث القاسم العمري، عن عبد الله بن دينار، عن أبي عمرو: أن زوج بريرة كان عبدًا وحديث عكرمة عن ابن عباس قد أخرجه البخاري في الصحيح(22) إلا أن عكرمة مختلف في عدالته(23)، كان مالك بن أنس - رحمه الله تعالى- وأبان لا يرضاه، وتكلم فيه سعيد بن المسيب وعطاء وجماعة من أهل العلم بالحديث(24)، ولذلك ترك مسلم بن الحجاج الاحتجاج بروايته في كتابه، والقاسم العمري ضعيف عندهم.

     قال الشافعي لخصمه: نحن إنما نثبت ما هو أقوى منهما، وقال في أثرين ذكرناهما في كتاب الحدود(25): «وهاتان الروايتان، وإن لم تخالفانا، غير معروفتين، ونحن نرجو أن لا نكون ممن تدعوه الحجة على من خالفه إلى قبول خبر من لا يثبت خبره بمعرفته عنده». وله من هذا أشياء كثيرة يكتفي بأقل من هذا من سلك سبيل النصفة، فهذا مذهبه في قبول الأخبار، وهو مذهب القدماء من أهل الآثار.

     قال البيهقي - رضي الله عنه-: وكنت أسمع رغبة الشيخ - رضي الله عنه- في سماع الحديث، والنظر في كتب أهله، فأشكر إليه، وأشكر الله تعالى عليه، وأقول في نفسي، ثم فيما بين الناس: قد جاء الله عز وجل بمن يرغب في الحديث، ويرغب فيه من بين الفقهاء، ويميز فيما يرويه ويحتج به الصحيح من السقيم من جملة العلماء، وأرجو من الله أن يحيي سنة إمامنا المطلبي في قبول الآثار، حيث أماته أكثر فقهاء الأمصار بعد من مضى من الأئمة الكبار، الذين جمعوا بين نوعي علمي الفقه والأخبار، ثم لم يرضَ بعضهم بالجهل به، حتى رأيته حمل العامل به في الوقوع فيه، والازدراء به، والضحك منه، وهو مع هذا يعظم صاحب مذهبه، ويجله ويزعم أنه لا يفارق في منصوصاته قوله، ثم يدع في كيفية قبول الحديث ورد طريقته، ولا يسلك فيها سيرته، لقلة معرفته بما عرف، وكثرة غفلته عما عليه وقف، هلا نظر في كتبه، ثم اعتبر باحتياطه في انتقاده لرواة خبره، واعتماده فيمن اشتبه عليه حاله على رواية غيره، فترى سلوك مذهبه مع دلالة العقل والسمع واجبًا على كل من انتصب للفتيا(26)، فإما أن يجتهد في تعلمه، أو يسكت عن الوقوع فيمن يعلمه، ولا يجتمع عليه وزران حيث فاته الأجران، والله المستعان وعليه التكلان.

     ثم إن بعض أصحاب الشيخ أدام الله عزه وقع إلى هذه الناحية، فعرض علي أجزاء ثلاثة مما أملاه من كتابه المسمى بالمحيط، فسررت به، ورجوت أن يكون الأمر فيما يورده من الأخبار على طريقة من مضى من الأئمة الكبار، لائقًا، بما خص به من علم الأصل والفرع، موافقًا لما ميز به من فضل العلم والورع، فإذا أول حديث وقع عليه بصري الحديث المرفوع في النهي عن الاغتسال بالماء المشمس(27)، فقلت في نفسي: يورده ثم يضعفه، ويضعف القول فيه، فرأيته قد أملى(28): «والخير فيه ما روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة».

     فقلت: هلا قال: روي عن عائشة، أو روي عن ابن وهب عن مالك، أو روي عن مالك، أو روي عن إسماعيل بن عمرو الكوفي عن ابن وهب عن مالك؟ أو روى خالد بن إسماعيل أو وهب بن وهب أبو البحتري عن هشام بن عروة، أو روى عمرو بن محمد الأعسم عن فليح عن الزهري عن عروة، ليكون الحديث مضافًا إلى ما يليق به مثل هذه الرواية، ولا يكون في مثل هذا على مالك بن أنس ما أظنه يبرأ إلى الله تعالى من روايته ظنًا مقرونًا بعلم.

     ثم إني رأيته، أدام الله عصمته، أول حديث البسلمة(29)، وضعف ما روي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن في تأويله بحديث شهد به على الأعمش أنه رواه عن شقيق بن سلمة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن توضأ وسمى، وفيمن توضأ ولم يسم(30).

     وهذا حديث تفرد به يحي بن هاشم السمسار(31) عن الأعمش، ولا يشك أحد في ضعفه، ورواه أيضًا عبد الله بن حكيم عن أبي بكر الزاهري عن عاصم بن محمد عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا(32)، وأبو بكر الزاهري ضعيف لا يحتج بخبره(33). وروي من وجه آخر مجهول عن أبي هريرة ولا يثبت(34).

     وحديث التسمية قد روي من أوجه، ما وجه من وجوهها إلا وهو مثل إسناد من أسانيد ما روي في مقالته، ومع ذلك فأحمد بن حنبل يقول: لا أعلم فيه حديثًا ثابتًا(35).

     فقلت في نفسي: قد ترك الشيخ، حرس الله مهجته، القوم فيما أحدثوا من المساهلة في رواية الأحاديث، وأحسبه سلك هذه الطريقة فيما حكي له عند مسح وجهه بيديه في قنوت صلاة الصبح، وأحسن الظن برواية من روى مسح الوجه باليدين بعد الدعاء(36)، مع ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو بكر الخراجي، قال: حدثنا سارية، حدثنا عبدالكريم السكري، قال: حدثنا وهب بن زمعة، أخبرنا علي النسائي قال: سألت عبد الله بن المبارك عن الذي إذا دعا مسح وجهه، فلم يجب. قال علي: ولم أره يفعل ذلك، قال: وكان عبد الله يقنت بعد الركوع في الوتر، وكان يرفع يديه في القنوت.

     وأخبرنا أبو علي الروذباري، حدثنا أبو بكر بن داسة قال: قال أبو داود السجستاني: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف(37) أيضًا، يريد به حديث عبد الله بن يعقوب عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «سلوا الله أكفكم، ولا تسألوه بظهورها، فذا فرغتم، فامسحوا بها وجوهكم»(38).

     وروي ذلك من أوجه أخر كلها أضعف من رواية من رواها عن ابن عباس، وكان أحمد بن حنبل ينكرها(39)، وحكي عنه أنه قال في الصلاة: ولا بأس به في غير الصلاة.

     قال الفقيه: وهذا لما في استعماله في الصلاة من إدخال عمل عليها لم يثبت به أثر، وقد يدعو في آخر تشهده ثم لا يرفع يديــه، ولا يمسحهما بوجهه، إذ لم يرد بهما أثر، فكذا في دعاء القنوت يرفع يديه لورود الأثر(40) به، ولا يمسح بهما وجهه؛ إذ لم يثبت فيه أثر، وبالله التوفيق.

     وعندي أن من سلك من الفقهاء هذه الطريقة في المساهلة أنكر عليه قوله، مع كثير ممن روى هذه الأحاديث في خلافه، وإذا كان هذا اختياره، فسبيله أدام الله توفيقه يملي في مثل هذه الأحاديث روي عن فلان، ولا يقول: روى فلان؛ لئلا يكون شاهدًا على فلان بروايته من غير ثبت، وهو إن فعل ذلك وجد لفعله متبعًا، فقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الوليد الفقيه يقول: لما سمع أبو عثمان الحيري(41) من أبي حنيفة أن كتابه المخرج على كتاب مسلم كان يديم النظر فيه، فكان إذا جلس للذكر يقول في بعض ما يذكر من الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول في بعضه: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فنظرنا فإذا به قد حفظ ما في الكتاب، حتى ميز بين صحيح الأخبار وسقيمها.

     وأبو عثمان الحيري يحتاط في هذا النوع من الاحتياط فيما يورد من الأخبار في المواعظ وفي فضائل الأعمال، فالذي يوردها في الفرض والنفل، ويحتج بها في الحرام والحلال، أولى بالاحتياط وأحوج إليه، وبالله التوفيق.

     قال الفقيه(42): قد رأيت بعضًا ما أوردت عليه شيئًا من هذه الطريقة فزع في ردها إلى اختلاف الحفاظ في تصحيح الأخبار وتضعيفها، ولو عرف اختلافهم، لعرف أنه لا فرج له في الاحتجاج به، كما لا فرج لمن خالفنا في أصول الديانات في الاحتجاج علينا باختلافنا في المجتهدات، واختلاف الحفاظ في ذلك لا يوجب رد الجميع، ولا قبول الجميع، وإن من سبيله أن يعلم أن الأحاديث المروية على ثلاثة أنواع(43):

     1- نوع اتفق أهل العلم به على صحته.

     2- ونوع اتفقوا على ضعفه.

     3- ونوع اختلف في ثبوته، فبعضهم يضعف بعض رواته بجرح ظهر له، وخفي على غيره، أو لم يظهر له من عدالته ما يوجب قبول خبره، وقد ظهر لغيره، أو عرف منه معنى يوجب عنده رد خبره، وذلك المعنى لا يوجبه عند غيره، أو عرف أحدهما علة(44) حديث ظهر بها انقطاعه، أو انقطع بعض ألفاظه، أو إدراج(45) لفظ من ألفاظ من رواه في متنه(46)، أو دخول إسناد حديث في إسناد غيره، خفيت تلك العلة على غيره، فإذا علم هذا، وعرف بمعنى رد منهم خبرًا أو قبول من قبله منهم هذا الوقوف عليه، والمعرفة به إلى اختيار أصح القولين.

     قال الفقيه: وكنت -أدام الله عز الشيخ- انظر في كتب بعض أصحابنا، وحكايات من حكى منهم عن الشافعي - رضي الله عنه- نصًا، فانظر اختلافهم في بعضها، فيضيق قلبي بالاختلاف مع كراهة الحكاية من غير ثبت، فحملني ذلك على نقل مبسوط ما اختصره المزني(47) على ترتيب المختصر، ثم نظرت في كتاب التقريب(48)، وكتاب جمع الجوامع(49)، وعيون المسائل(50) وغيرها، فلم أر أحدًا منهم فيما حكاه أوثق من صاحب التقريب، وهو في النصف الأول من كتابه أكثر حكاية لألفاظ الشافعي منه في النصف الأخير، وقد غفل في النصفين جميعًا مع اجتماع الكتب له، أو أكثرها، وذهاب بعضها في عصرنا، عن حكاية ألفاظ لابد لنا من معرفتها، لئلا نجري على تخطئة المزني في بعض ما يخطئه فيه، وهو منه بريء، ونتخلص بهذا من كثير من تخريجات أصحابنا.

     ومثال ذلك من الأجزاء التي رأيتها من كتاب المحيط من أوله إلى مسألة التفريق: أن أكثر أصحابنا - والشيخ، أدام الله عزه، معهم- يوردون الذنب في تسمية البحر بالمالح إلى أبي إبراهيم المزني. ويزعمون أنها لم توجد للشافعي، - رحمه الله تعالى-(51). وقد سمى الشافعي البحر مالحًا في كتابين، قال الشافعي في أمالي الحج في مسألة كون المحرم في صيد البحر كالحلال: والبحر إما العذب وإما المالح. قال الله تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ (الفرقان:53)(52).

     وقال في كتاب المناسك الكبير: في الآية دليل على أن البحر العذب والمالح(53).

     وذكر الشيخ أبقاه الله(54)، حدثنا الشيخ أبوبكر - رحمه الله- قول الشافعي، في أكل الجلد المدبوغ على ما بني عليه، ثم ذكر الشيخ - حفظه الله- تصحيح القول بمنع الأكل من عند نفسه بإيراد حجته.

     وقد نص الشافعي في القديم، وفي رواية حرملة(55) على ما هداه إليه خاطره المتين، قال الزعفراني: قال أبو عبد الله الشافعي في كلام ذكره: يحل أن يتوضأ في جلدها إذا دبغ، وذلك الذي أباحه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، فأبحناه كما أباحه، ونهينا عن أكله بحمله أنه ميتة، ولم يرخص في غير ما رخص فيه خاصة، ثم قال: وليس ما حل لنا الاستمتاع ببعضه بخبر الذي يبيح لنا ما نهينا عنه من ذلك الشيء بعينه بخبر: ألا ترى أنا لا نعلم اختلافًا في أنه يحل شراء الحمر والهر، والاستمتاع بها، ولا يبيح أكلها، وإنما نبيح ما يبيح، ونحظر ما حظر.

     وقال في رواية حرملة: يحل الاستمتاع به بالحديث، ولا يحل أكله بأصل، إنه ميتة.

     ورأيته أدام الله عصمته، اختار في تحلية الدابة بالفضة جوازها، وأظنه علم كلام الشافعي في كتاب مختصر البويطي والربيع، ورواية موسى بن أبي الجارود حيث يقول: وإن اتخذ رجل أو امرأة آنية من فضة أو من ذهب، أو ضببا بهما آنية، أو ركباه على مشجب(56). أو سرج فعليهما الزكاة، وكذلك اللجم والركب، هذا مع قوله في روايتهم: لا زكاة في الحلي المباح، وحيث لم يخص به الذهب بعينه، فالظاهر أنه أراد به كليهما جميعًا، وإن كانت الكناية بالتذكير يحتمل أن تكون راجعة إلى الذهب دون الفضة كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله (التوبة:34).

     فالظاهر عند أكثر أهل العلم أنه أراد به كليهما معًا، ون كانت الكناية بالتأنيث يحتمل أن تكون راجعة إلى الفضة دون الذهب.

     وقد علم الشيخ -أبقاه الله- ورود التحريم في الأواني المتخذة من الذهب والفضة عامة(57)، ثم وردت الإباحة في تحلية النساء بهما، وتختم الرجال بالفضة خاصة، ووقف على اختلاف الصدر الأول - رضي الله عنهم- في حلية السيوف، واحتجاج كل فريق منهم لقوله بخبر، فنحن، وإن رجحنا قول من قال بإباحتها بنوع من وجوه الترجيحات، ثم حظرنا تحلية السيف، والسرير وسائر الآلات، ولم نقسها على التحريم بالفضة، ولا على حلية السيوف، فتصحيح إباحة تحلية الدابة بالفضة من غير ورود أثر صحيح مما يشق ويتعذر، وهو أدام الله توفيقه أهل أن يجتهد ويتخير.

     وما استدل به من الخبر بأن أبا سفيان أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرًا برته(58) من فضة فغير مشتهر، وهو إن كان فلا دلالة له في فعل أبي سفيان؛ إذ لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تركه ثم ركبه، أو أركبه غيره، وإنما الحديث المشهور عندنا ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه جملًا لأبي جهل في أنفه برة فضة ليغيظ به المشركين(59).

     أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا ابن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، الحديث(60).

     وكان علي بن المديني يقول: كنت أرى هذا من صحيح حديث ابن إسحاق، فإذا هو قد دلسه.

     حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني من لا أتهم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس فإذا الحديث مضطرب.

     أخبرنا بهذه الحكاية محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن صالح الهاشمي، حدثنا ابن جعفر السبيعي، حدثنا عبد الله بن علي المديني قال: حدثني أبي فذكرها. وقد روي الحديث عن جرير بن حازم، عن ابن أبي نجيح، ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس، وليس بالقوي(61)، وقد أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، أخبرنا أبو عبد الله الصفار، حدثنا أحمد بن محمد المزني القاضي، حدثنا محمد بن المنهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى جملًا لأبي جهل يوم الحديبية كان استلبه يوم بدر، وفي أنفه برة من فضة، وكذلك رواه أبو داود السجستاني في كتاب السنن عن محمد بن المنهال: برة من ذهب(62).

     أخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا أبو بكر بن داسة، حدثنا أبو داود فذكره، وقال: عام الحديبية، ولم يذكر قصة بدر(63).

     وقد أجمعنا على منع تحلية الدابة بالذهب، ولم ندع فيه ظاهر الكتاب بإيجاب الزكاة فيه، وعده إذا لم يخرجها من الكنوز بهذا الخبر، وكذلك لا ندعه في الفضة، وليس في الحديث، إن ثبت في الفضة، صريح دلالة في المسألة، وبالله التوفيق والعصمة.

     وقد حكى لي عن الشيخ - أدام الله عزه- أنه اختار جواز المكتوبة على الراحلة الواقفة، إذا تمكن من الإتيان بشرائطها مع ما في النزول للمكتوبة في غير شدة الخوف من الأخبار والآثار الثابتة، وعدم ثبوت ما روي في مقابلتها دون الشرائط التي اعتبرها.

     وقد قال الشافعي - رضي الله عنه- في الإملاء: «ولا يصلي المسافر المكتوبة بحال أبدًا إلا حالًا واحدًا إلا نازلًا في الأرض، أو على ما هو ثابت على الأرض، لا يزول بنفسه مثل البساط والسرير والسفينة في البحر»(64).

     فلما وصلت الرسالة إلى أبي محمد قال: هذه بركة العلم ودعا للبيهقي، وترك إتمام ذلك التصنيف(65)، وقال في البيهقي: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي فإنه ناصر مذهبه(66).

فقه نصيحة البيهقي

     بعد ذكر هذه النصيحة المطولة بتمامها نورد بعض دلالاتها كما يلي:

     1- حوت هذه النصيحة معالم أدب التعامل بين العلماء، مع ذكر حسن نيتهم، إلى مودة صادقة، إلى حرص على توالي التوفيق والخير، إلى دعاء بالتوفيق للمنصوح، بما يجعلها معلمة نصح وإرشاد للناصحين.

     2- جرت النصيحة في مسائل علمية بين عالمين فحلين من فحول المذهب، وإمامين من أئمة ذلكم الزمان بكل أريحية وتقبل.

     3- يلحظ في الرسالة حرص البيهقي على إصابة أبي محمد للصواب، وتحريه للدقة.

     4- كان جواب النصيحة جميلًا، اعترافًا بفضل، ودعوة صالحة، والإقلاع عما نصح فيه.

     5- لقد كانت النصيحة شهادة حق حفظت لهذين الإمامين، فما ذكر النصح إلا ذكرا معه، وما ذكر الوقوف عن الحق إلا تعلم الناس منهما.

     6- النصيحة مملوءة تواضعًا وخضوعًا وذلًا للمؤمنين، وعدم تعالٍ، ولا تهجم على شخص المنصوح وعلمه، وهذا من الأمور المفقودة عند الناصحين في زماننا هذا.

نصيحة الإمام الغزالي لأحد حكام عصره

     الإمام أبو حامد الغزالي أحد علماء زمانه، ولقد نصح أهل زمانه عامة وخاصة، ولقد كان من نصحه رسالة بعث بها إلى أحد حكام عصره، وهو فخر الملك، قال فيها:

     «اعلم أن هذه المدينة (مدينة طوس) خراب بسبب المجاعات والظلم، ولما بلغ الناس توجهك من أسفرائين ودامغنان خافوا، وبدأ الفلاحون يبيعون الحبوب، واعتذر الظالمون إلى المظلومين واستسمحوهم، لما كانوا يتوقعون من إنصاف منك، واستطلاع للأحوال، ونشاط في الإصلاح.

     أما وقد وصلت إلى طوس، ولم ير الناس شيئًا، فقد زال الخوف، وعاد الفلاحون والخبازون إلى ما كانوا عليه من الغلاء الفاحش والاحتكار، وتشجيع الظالمون، وكل من يخبرك من أخبار هذا البلد بخلاف ذلك، فاعلم أنه عدو دينك.

     واعلم أن دعاء أهل طوس بالخير والشر مجرب، وقد نصح للعميد كثيرًا، ولكنه لم يقبل النصيحة، وأصبح عبرة للعاملين، ونكالًا للآخرين، واعلم يا فخر الملك، أن هذه الكلمات لاذعة مرة قاسية لا يجرؤ عليها إلا من قطع أمله من جميع الملوك والأمراء، فاقدرها قدرها، فإنك لا تسمعها من غيري، وكل من يقول غير ذلك، فاعلم أن طمعه حجاب بينه وبين كلمة الحق»(67).

فقه نصيحة الغزالي

     هذه نصيحة الغزالي تتجلى فيها الدلالات التالية:

     1- الحرص الشديد على إيصال الصورة الحقيقية للبلاد إلى فخر الملك دونما تقصير أو مداهنة أو نفاق.

     2- القوة في الخطاب، وقد وقعت موقعها، وجاءت في موعدها.

     3- الحرقة على أحوال الناس في زمانه من شدة المعاش، إلى مظالم تترى، مما ألزم الغزالي أن يبعث بهذه الرسالة تتضمن هذه النصيحة الصادقة.

الخاتمة

     هذه كلمات في فقه النصيحة التي ألزمنا الله بها، وجعلها رسوله صلى الله عليه وسلم دينًا، وبايع عليها أصحابه، وعليها تعاقدت مواكب المؤمنين، ولانت جوانب الصالحين، وليس لكاتبه فيه إلا الجمع والترتيب، ويرجو به حسن الثواب من الله سبحانه وتعالى، وأن يجعل العمل خالصًا لوجهه الكريم، ويرجو من نظر فيه تطبيق مفرداته على أخطائه إن كانت، إنه على ما يشاء قدير.

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

الهوامش:

(1)      يعني الشافعية، لأن البيهقي، والجويني على مذهب الشافعي رحمه الله.

(2)      يعني الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.

(3)      الرسالة الشافعية: 370 – 272.

(4)      رواه أحمد في مسنده: 2/474 – 502، والحديث صحيح [المجلة].

(5)      ليست في الطبقات، وقد استدركناها من الرسالة للشافعي.

(6)      في الطبقات: الحديث الكذي، وما أثبتناه في الرسالة.

(7)      الرسالة: 398/399.

(8)      رواه مسلم في صحيحه: 1/5.

(9)      الرسالة: 399، وفيه يجهل بدل يحتمل.

(10)    أي الشافعي.

(11)    الرسالة: 400.

(12)    الأم: 1/3.

(13)    الأم: 1/3.

(14)    الموطأ: 1/52 – 53 بشرح الزرقاني.

(15)    عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية، المعلم البصر، نزيل مكة، واسم أمية طارق، وقيل فيه: ضعف. انظر التقريب: 1/516، والميزان: 2/646 – 647.

(16)    عطاء بن أبي مسلم الخراساني، واسم أمية ميسرة، وقيل عبد الله، صدوق، يهم كثيرًا، أو يرسل ويدلس، من الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين لم يصح أن البخاري أخرج له. انظر التقريب:2/22. والتهذيب: 7/190-192.

(17)    الأم: 1/266.

(18)    الأم: 1/73-74).

(19)    لم يخرج البخاري شيئًا من أحاديث صلاة جبريل بالنبي .

(20)    صحيح مسلم: 5/107 – 108).

(21)    الأحاديث في صلاة جبريل بالنبي وردت من طريق أكثر من صحابي كما يلي:

          1- عن جابر عند ابن حبان والحاكم وأحمد والنسائي.

          2- عن ابن عباس عند الترمذي وأحمد وأبو داود وابن خزيمة.

          3- وعن أبي هريرة عند الترمذي والنسائي.

          4- وعن بريدة عن الترمذي.

          5- وعن أبي موسى عند مسلم وأبي داود.

          6- وعن أبي مسعود عند مالك.

          7- وعن أبي سعيد الخدري عند أحمد في مسنده.

          8- وعن البراء ذكره ابن أبي خيثمة.

          9- وعن أنس عند الدارقطني.

          10- وعن ابن عمر عند الدارقطني.

          11- وعن مجمع ابن جارية عند أبي حاتم.

          انتهى من نيل الأوطار: 1/300 – 302.

(22)    رواه البخاري برقم: 5280.

(23)    انظر في الكلام فيه: التقريب: 2/30. والتهذيب.

(24)    انظر المصادر آنفة الذكر على سبيل المثال لا الحصر.

(25)    الأم: 6/140.

(26)    إن كان المقصود باتباع طريقته في التحري والتوثيق، فنعم، وإن كان المقصود تقليده في الفروع فليس هناك في السمع ولا العقل ما يوجب تقليده. والله أعلم.

(27)    رواه الدارقطني. والبيهقي: 1/6. وقال: هذا لا يصح. وله طرق عن عائشة انظر إرواء الغليل: 1/50-54.

(28)    كذا في الطبقات والرسائل المنبرية، ولعل فيها سقطًا. والله أعلم.

(29)    يشير إلى حديث أبي سعيد، «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». وقد رواه أحمد: 2/418، وأبو داود برقم: 101. وابن ماجة برقم: 399، والبيهقي: 1/43.

(30)    رواه المصنف في السنن الكبرى: 1/44. وقال: وهذا ضعيف.

(31)    أشار إلى هذا المصنف في السنن الكبرى، ويحي هذا: كذبه ابن معين، وقال النسائي: متروك. انظر الميزان: 4/412.

(32)    رواه المصنف في الكبرى: 1/44. وقال: وهذا أيضًا ضعيف.

(33)    أبو بكر الزاهري، عبد الله بن حكيم قال أحمد: ليس بشيء، وقال الجوزجاني كذاب. انظر الميزان: 2/410 – 411.

(34)    رواه المصنف في الكبرى: 1/45، وقال عنه. روي من وجه ضعيف عن أبي هريرة مرفوعًا.

(35)    انظر اختصار السنن للمنذري: 1/88. ونيل الأوطار:1/135.

(36)    رواه أبو داود برقم: 1485- 1486.

(37)    سنن أبي داود: 2/78.

(38)    رواه أبو داود برقم: 1485، والحاكم: 1/526، وابن ماجة برقم: 1181، 3866، والطبراني في الكبير برقم: 10779.

(39)    انظر مختصر كتاب الوتر لابن نصر: 152، والمغني: 1/449، ومسائل أحمد لأبي داود: 71.

(40)    يريد لثبوت هذا في الصحابة، وانظر في هذا مختصر الوتر: 139 – 140. والمغني: 1/449، وابن أبي شيبة: 2/307، 316.

(41)    أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن منصور السابوري الحيري، ولد بالري سنة 230هـ، وسمع من محمد بن مقاتل، وموسى بن نصر، وغيرهما، روى عنه الرئيس أبو عمر بن نصر، مات سنة 298هـ. انظر السير: 14/63-66.

(42)    أي البيهقي نفسه.

(43)    هذا التقسيم قد تابع فيه المصنف شيخه الحاكم، ففي «المدخل إلى الإكليل» تقسيم للحديث بما يقارب ما هنا، وانظر المدخل إلى الإكليل: 33-50.

(44)    العلة: هي الأمر الخفي القادح الذي يمنع من صحة الحديث. انظر تدريب الراوي: 1/252، والباعث الحثيث: 65.

(45)    الإدراج: هو أن تزاد لفظة في متن الحديث في كلام الراوي. انظر الباعث: 73.

(46)    المتن هو: ألفاظ الحديث الذي تقوم بها معانيه. انظر أصول الحديث لعجاج: 32.

(47)    المـزني هـو إسماعيـل بن يحـي المــزني، ولـــد سنة 175هـ، وتوفي سنة 264هـ، وكتابه مطبوع متـداول، انظــر مفتاح السعــادة: 3/27 – 271.

(48)    كتاب التقريب. انظر طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: 1/183 – 189.

(49)    جمع الجوامع. انظر طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: 1/138 – 139.

(50) كتاب عيون المسائل لأبي بكر أحمد بن الحسين الفارسي، انظر طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: 1/123 – 124.

(51)    أضفتها ليتم السياق.

(52)    الأم: 2/181 – 182.

(53)    الأم: 2/203.

(54)    يعني والد إمام الحرمين.

(55)    انظر مذهبه في الاقناع: 1/24.

(56)    المشجب: خشبات موثقة تنصب، فينثر عليها الثياب. انظر «المصباح المنير»: 2/305.

(57)    يشير إلى حديث أم سلمة: الذي يشرب ويأكل في آنية الذهب والفضة فكأنما يجرجر بطنه في نار جهنم، وهو في صحيح مسلم : 14/ 27 – 30.

(58)    البرة: حلقة تجعل في أنف البعير ليذل ويأتلف، انظر «شرح الخشني»: 3/444.

(59)    رواه أبو إسحاق في «السيرة»: 3/444، وأحمد في «مسنده»: 1/234، وأبو داود، رقم: 1749، والطبري في «المعجم الكبير»: 11/91-92).

(60)    المستدرك: 1/467، فقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.

(61)    صدوق سيئ  الحفظ جدًا، قال شعبة: ما رأيت أسوأ من حفظه، وقال ابن معين، ليس بذاك. انظر التقريب: 2/184. والمغني في الضعفاء: 2/603.

(62)    سنن أبي داود: 2/145.

(63)    انظر معالم السنن للخطابي: 2/151، والخطابي تلميذ ابن داسة، وراوي نسخته.

(64)    الطبقات: 3/210 – 217، مجموعة الرسائل المنبرية.

(65)    طبقات الشافعية للسبكي: 3/210 – 217.

(66)    الطبقات: 3/210.

(67)    رجال الفكر والدعوة: 238 – 239، نقلًا عن رسائل الغزالي بالفارسية.

*  *  *



(*)     أستاذ الأدب والنقد بجامعة الأزهر الشريف.



(*)               باحث الدكتوراه في قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة دلهي، دلهي-110007،  رقم الجوال: 9953021782

                 Email: iqubalasif2010@gmail.com