ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، ربيع الآخر 1439 هـ = ديسمبر2017م - يناير2017م ، العــــــــــــدد : 4 ، السنــــــــــــــــــــــة : 42

 

إلى رحمة الله

 

رحيل فضيلة الشيخ الفهّامة / رياست علي البجنوري

أستاذ الحديث النبوي بالجامعة الإسلامية: دار العلوم/ديوبند- الهند

بقلم:  الأستاذ عبد الرؤوف خان الغزنوي الأفغاني(*)

 

 

     اتصل بي هاتفيًّا يوم السبت 23/8/1438هـ الموافق 20/5/2017م بعد صلاة الفجر مباشرةً صديقي الشيخ/حكمت الله خرّيج الجامعة الإسلامية: دارالعلوم ديوبند-الهند، ومدرّس «جامعة الشيخ حسين أحمد المدني» في مدينة ديوبند، ونعى إليّ فضيلةَ الشيخ الفهّامة/رياست علي البجنوري أستاذ الحديث النبوي بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند- الهند، ورئيس شؤون التعليم بها سابقا قائلًا: إنه قد انتقل الليلةَ الماضيةَ (الليلة المتخلّلة بين يومي الجمعة والسبت) قُبَيْلَ طلوع الفجر الصادق إلى رحمة الله تعالى. كان الخبر المفاجئ مُحزِنًا جدًّا عن شيخنا الذي كنا نعقد به آمالًا طيّبةً نافعةً للجامعة ولطلبة العلوم الدينية عن طريق التدريس والتربية والتأليف والبحث والتحقيق والدعوة إلى الله، ولم نكن نتوقّع استماعَ مثل هذا الخبر؛ حيث إن سماحة الشيخ الراحل رغم أنه كان يعاني بعضَ الأمراض إلا أنه كان نشيطًا في أعماله، وكان قد أكمل في العام الدراسي المنصرم الذي لم يمرّ على انصرامه إلا أربعة أيام الموادَّ الدراسيَّةَ المفوَّضَ تدريسُها إليه بكل نشاط، كما أنه كان يحضر إلى قاعة الاختبارات النهائية التي تمّت يوم الثلاثاء الموافق 19/8/1438هـ.

     وقد سبق لي قبل وفاته بأيام بسيطة أن أتّصلَ به هاتفيًّا فأُسلّمَ عليه وأسألَه عن صحته وأحواله، فردّ علي بأسلوبه اللطيف ردًّا جميلا، وأخبرني أن صحّته جيّدة وأنه يقوم بأعماله اليومية وبأداء المسؤوليّات المسنَدة إليه، فكنت مطمئنًّا من جانبه غير مستعدّ لِسماع وتصديق مثل هذا النبأ المؤلِم في شأنه، إلاّ أن أجل الله إذا جاء لايؤخر، كان الخبر صادقا، وكان أستاذنا البجنوري قد وافاه الأجل المحتوم، فبعد التأكّد من هذه الفاجعة ما ملكتُ شيئا إلاّ أن أقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.

     كنت أتمنى بعد تلقّي نبأ وفـاة شيخنا أن أشترك في صلاة الجنازة عليه، وأن أنضمّ إلى موكب تشييع جثمانه، وأن أزور أبناءه وأقــاربه ومن يتعلّق به فأعزّيهم، ولكن الحصول على تأشيرة السفر من باكستان إلى الهند وإلى مدينــة «ديوبند» بشكل خاص ليس بسهل؛ بل يحتاج إلى وقت طويل وعناء! فمااستطعت إلاّ أن أتصل هاتفيًّا بالأخ الشيخ/محمد سفيان العرشي القاسمي - أكبر أبناء فضيلة الشيخ الراحل- وبفضيلة الشيخ المفتي/ أبوالقاسم النعماني - مدير الجامعة- وبفضيلة الشيخ/عبد الخالق السنبهلي - نائب مديرها- وأقدّم لهم كلمات التعزية والتسلية، وأحاول إلى جانب ذلك أن أكتب رسالة التعزية وأُرسلها باسم أبناء وأقارب الفقيد، وأن أهتمّ بنفسي أوّلًا ثم ألتمس من علماء جامعـة العلوم الإسلامية علاّمه بنوري تاؤن كراتشي وطلاّبها ومن معارفي أن يهتمّوا بالدعاء لِشيخي وبإهداء المثوبة له، وقد يسّر الله تعالى لنا ذلك، فله الحمد والمنة.

ولادته وتعلّمه وعمله في مجال

التدريس والتأليف والشؤون الإدارية

     وُلِد شيخُنا رياست علي البجنوري في 9/3/1940م، ودرس في المدرسة العصرية في «حبيب والا» من مديرية «بجنور» إلى الدرجة الرابعة ثمّ تحمّل مسؤوليَّةَ تعليمه وتربيته زوجُ عمّته الشيخ/سلطان الحق أمين المكتبة الرئيسيّة بالجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند، فأتىٰ به إلى الجامعة لِلدراسة فيها، فالتحق بها عام 1951م ومكث فيها سبع سنوات وتخرج فيها عام 1958م بالدرجات الفائقة، ثمّ عيّن مدرّسًا فيها عام 1391هـ الموافق عام 1972م، واستمرّ في التدريس فيها 47 عامًا بالتقويم الهجري ونحو 45 عامًا بالتقويم الميلادي إلى أن وافاه الأجل المحتوم.

     قام الفقيد خلال هذه المدّة الطويلة - بالإضافة إلى التدريس في الجامعة- بأداء مسؤوليات إدارية وعلمية أخرىٰ أيضًا، فقد فوّض إليه مجلسُ الشورى بالجامعة منصبَ نائب مدير الشؤون التعليمية ثمّ عيّنه مديرًا لها، فتحمّل هذه المسؤولية وقام بأدائها بكل إخلاص ونشاط، وعمل مدّةً أمينًا عامًا لِأكاديميّة شيخ الهند بالجامعة فقام بطبع ونشر كتب نافعة منها، كما أنه أدار مجلّة «دارالعلوم» الشهرية (باللغة الأردية) إلى مدّة.

     ومن جانب آخر قام بتأليف «إيضاح البخاري شرح صحيح البخاري» باللغة الأردية في ضوء ما أفاده شيخه المحدّث الكبير العلاّمة/فخر الدين أحمد شيخ الحديث بالجامعة (المتوفّى عام 1392هـ) رحمه الله- وأصدر منه عشرة مجلّدات استوعب فيها توضيح الجامع الصحيح للإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله- من البداية إلى نهاية «كتاب الشروط»! وفّق الله سبحانه وتعالى أبناء الشيخ وتلاميذه لِإكمال هذا العمل العلميّ المجيد. وألّف شيخنا الفقيد كتابًا نافعًا آخر باللغة الأردية باسم «شورىٰ كي شرعي حيثيت» (مكانة مجلس الشورىٰ في الشريعة الإسلامية) أوضح فيه أن «مجلس الشورىٰ» لِأيّة مدرسة أو جامعة هو الذي يتولّى السلطةَ العليا من تعيين المدير والأساتذة والموظفين وعزلهم والأمور الأساسيّة الأخرىٰ لتلك المدرسة أو الجامعة، وقدنال هذا الكتابُ إقبالًا كبيرًا من الأوساط العلمية في شبه القارة الهندية والباكستانية، واستفاد منه من أراد الاستفادةَ واتّباعَ الحق، وأغمض عنه من أحبّ أن يعاملَ الأمانات معاملةَ ممتلكاتــه الشخصيّة وأن لايحاسبه عليها أحد هداهم الله تعالى-.

     وحيث إن الشيخ كان له إلمام بنظم الشعر باللغة الأردية فقَرَض «أنشودةَ دارالعلوم ديوبند» التي كسبت شهرةً كبيرةً في جوّ المدارس والجامعات الإسلاميّة الأهليّة التابعة للجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند والمنتشرة في أنحاء المعمورة، وهي أنشودة إلهاميّة تؤثّر في القلوب وتدمع لها العيون، وتُذَكّر المستمعين مآثِرَ مشايخ الجامعة التأريخيّة. وقد نال شيخنا الفقيد عن طريق نظم هذه الأنشودة الأنيقة سمعةً طيّبةً رفيعةً بين الخاصّة والعامّة، كما حَظِيَتْ مجموعةُ أشعاره باللغة الأردية بالقبول الحَسَن لدى القرّاء وطُبِعَتْ باسم «نغمهٔ سحر» (لحن الصباح).

فَطَانته الفائقة وارتجاله في الجواب

     كان شيخنا الفقيد يمتاز بذكائه الفطري وارتجاله في الجواب، وأودّ أن أنقل ثلاث قصص قصيرة تتمثّل فيها فَطَانتُه وارتجالُه في الجواب.

القصة الأولى

     اجتمع ذات مرّة عددٌ من أساتذة الجامعة لتبادل الآراء حول قضية تتعلّق بشؤونها، فحكىٰ خلالَ هٰذا اللقاء الأخوي أحدُ مشايخ الجامعة الذى كانت بينه وبين شيخنا الراحل بَسَاطةٌ في الكلام وتبادلُ المزاح بينهما من حينٍ لِاٰخر، قصةً لِعالِمٍ من أهل السنة لم يسمّه «أنه دخل خلال سفره مسجدًا لِأداء الصلاة فيه، وكان المسجد لِأهل البدعة (البريلويّين) وهو لايعلم، وحيث إن إمام المسجد لم يحضر وقت الصلاة ولم يكن هناك رجل اٰخر من أهل الحيّ يصلّى بالناس فالتمس المصلّون من هذا المسافر أن يصلّي بهم لِما شاهدوا من هيئته أنه عالِمٌ، فصلّى بهم وِفقًا للسنة، ولم يأت بما يعتاده أهل البدعة عند أداء الصلاة وبعد التسليم من أعمال غير مشروعة، فظن المصلّون المبتدعون الذين يبغضون أهلَ السنة أنه ديوبنديٌّ، فبدأوا يسبّونه ويضربونه بنعالهم حتى أخرجوه من المسجد....» لم يكمل الشيخُ الحاكي هٰذه القصَّةَ إذ بادره الشيخ/ رياست علي بأسلوبه العذب قاطعًا كلامَه قائلا: «عفوًا ومعذرةً يا شيخ! ما أُخبرتُ بهذا الحادث المؤلِم وإلاّ لَحَضَرْتُ على الفور لِعيادتك» فأصبح المجلسُ فرِحًا مسرورًا وأظهر إعجابَه بارتجال الشيخ، وبقي الشيخ الحاكي يردّد كلامه قائلًا: «لم تكن القصّة تتعلّق بي» ولكن شركاء المجلس لم يلتفتوا إلى كلامه واستمرّوا يتمتّعون بمداعَبَة فضيلة الشيخ رياست علي اللطيفة.

القصة الثانية

     حكىٰ ذات مرّة أحدُ المبلّغين أمامَ عدد من مشايخ الجامعة منهم شيخنا الراحل قصةً تتعلق بمحاضرته التي زعم أنه ألقاها أمام حشدكبير ضخَّمَ عدَدَه ممّا يعتاد بكثير، فاستبعد المشايخ هذا العددَ الذي ذكره الحاكي المبلّغ إلاّ أنهم سكتوا ولم يقل أحد منهم له شيئا، فبادره شيخُنا الراحل بأسلوبه الرائع قائلا: «يا شيخ! انقص منه قليلًا» فضحك المشايخ وفقدوا السيطرةَ على السكوت والهيمَنة، وغضب الشيخ المبلّغ الحاكي قائلا: «هل تعتقد أنني كذبتُ؟» فقال شيخنا الراحل: «لا أقول إنك كذبتَ بل أظنّ أنك ربما ضربتَ عددًا في اٰخر فضخّمتَه» فزادتْ جملتُه الأخيرةُ المجلسَ بهجةً وسرورًا.

القصة الثالثة

     اجتمع ذات مرّة عدد من مشايخ الجامعة في الأيام التي كان بعضُ المشكلات يحيط بالجامعة في مكتب الشؤون التعليميّة لِختم «الحِصْن الحَصِين» المحتوي على أدعية الكتاب والسنة للشيخ الإمام محمد بن محمد الجزري (المتوفّٰى عام 833هـ) فبعد ختم «الحِصن الحَصِين» والتضُّرعِ إلى الله عزّ وجلّ أتىٰ فضيلة الشيخ/عبد الخالق المدراسيّ الأستاذ بالجامعة (نائب مدير الجامعة حاليًّا) المقيم اٰنذاك بجوار مكتب الشؤون التعليمية بشيء من المأكولات والمشروبات فقدّمها للمشايخ، فامتنع شيخ كان يُعدّ من كبار المشايخ اٰنذاك عن الأكل معتذِرًا أنه يشتكي إمساكَ البطن! فردّ عليه شيخُنا الراحل على الفور: «يا شيخ! لماذا ترفض الأكلَ؟ وقد كنا نقرأ قبل قليل في المنزل الثالث من «الحِصن الحَصِين» في أدعية الأكل والشرب هذا الدعاء «الحمد لله الذي أطعَمَ وسقىٰ وسَوَّغه وجعل له مخرجًا» (أبوداود، والنسائى)، ساد السرورُ والفرحُ جوَّ المجلس واستعجب المشايخ من ارتجال فضيلة الأستاذ رحمه الله-.

تواضعه الجمّ وخشوعه الحقيقي

     بعض الناس يظهرون التواضعَ والتذلُّلَ؛ ولكن سلوكَهم يكذّب ما يدّعون، ويُثبِت أنهم ليسوا متواضعين؛ بل هم متكبّرون والعياذ بالله-، والذين يأخذون بالتواضع الحقيقي هم سعداء وأولو حظّ عظيم، يقول النبي صلی الله عليه وسلم-: «من تواضع لله رفعه الله»، كان شيخنا الفقيد يتمتع بالتواضع الجمّ والخشوع الحقيقي، وكان أسلوب حياته شاهدَ عدل علىٰ ذلك ولا أنسىٰ ما شاهدته من مواقفه التالية:

الموقف الأوّل

     قبل التحاقي بالجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند كنت أَدرسُ في الدرجة السابعة في المدرسة الأمينية الواقعة بمدينة «دهلي»، فكنت أسمع أهلَ العلم أن الشيخ/رياست علي أحد كبار الأساتذة بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم ديوبند وهو ذوجَدَارة فائقة وذكاء مُدهِش، فكنت أتمنّٰى أن أزوره، ولكن لم يتيسرلي لقاؤه، وفي العام المقبل وهو العام الدراسيّ 1401هـ- 1402هـ قدّر الله لي أن ألتحق بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند، ففي أيام الالتحاق إذ تكون ساحات الجامعة مزدحمة بعدد كبير من الطلاب الجدد كنت أقابل من حينٍ لِاٰخر رجلًا وقورًا في سنّ الكهولة متلألئًا وجهُه ذا بَسَاطة وتواضع في ملبسه وهيئته وسلوكه ومشيه، يجتهد في أن يبادر كلَّ من يقابله بالسلام. فكنت أظن أنه رجل عاديٌّ ذو علاقة بمشايخ الجامعة، ونظرًا لِهيئته المتواضعة ما كنت أعتقد أنه أستاذ بالجامعة ومن كبار مشايخها، ثم علمت أنه هو فضيلة الشيخ/ رياست علي البجنوري.

الموقف الثاني

     درستُ عليه «السنن لابن ماجه» فلاحظت أنه يُتقِن إلقاء الدرس وإرسال مالديه من الأهليّة العلميّة إلى تلاميذه، ولايدرّس إلاّ بعد التحضير الجيّد والدراسة المسبقة المستوعبة، ولكن مع ذلك كله كان يقول لِتلاميذه: إن أخطأتُ في شرح حديث أو توضيح أيّ موضوع في اعتقادكم فنبّهوني وقوّموني أكنْ شاكرًا لكم.

الموقف الثالث

     في مدّة تأليفه لِكتاب «شورىٰ كي شرعي حيثيت» باللغة الأردية السالف ذكره كنتُ قد عُيّنتُ مدرّسًا بالجامعة، فسألني مرّةً واحدةً فقط عن موضوع بسيط يتعلق بالكتاب، واستطلع رأيي حولَه، فعرضتُ عليه رأيي ولم اٰتِ بجديد؛ بل كان رأيي تأكيدًا لرأيه، فلمّا طُبع الكتاب أهدىٰ إليّ نسخةً منه، فوجدت في بدايته أنه ذكر قائمةَ أسماء من استفاد منهم أو تشاور معهم خلال تأليف الكتاب، وشاهدتُ اسمي أيضًا في تلك القائمة، فاستغربت من تواضعه وعدله وتقواه.

الموقف الرابع

     ذات مرّة انعقدت حفلة على مستوى الجامعة في قاعة الحديث التحتانيّة (إمّا حفلة توزيع الجوائز أوغيرها) اشترك فيها الأساتذة والطلاب، فجلس الأساتذة والمسؤولون كالعادة على مِنصّة الحفلة، وجلس الطلاب أمام الـمِنصّة وإلى يمينها وشمالها، وشيخنا الراحل لعله قـد تأخر قليلا في الوصول إلى الحفلـة، وظنّ أنــه لوذهب إلى المِنصّة قد يؤدّى ذلك إلى إنـزعاج الأساتذة وتضييقهم، فجلس بهدوء في زاوية مع الطلاب بحيث لم يشعر به الأساتذة والمسؤولون، وكان كاتب هذه السطور أيضا جالسًا في الصفوف الخلفية على المِنصّة؛ لأنه كان قد تمّ تعيينه مدرّسًا، فكنتُ أوّلَ من تنبّه وشاهد فضلةَ الشيخ/رياست علي جالسًا في صفوف الطلاب! فاستحييتُ أن يكون الشيخ جالسًا على الأرض والتلميذ على المِنصة! فالتمست منه أن يتفضل ويجلس على المنصة، وبدأ كبار الأساتذة أيضًا يطلبون منه ذلك حتى زيّن المِنصةَ بجلوسه عليها.

صِلته بشيخ الإسلام وبشيخ الأدب

     فضيلة الأستاذ/رياست علي البجنوري قد تربّٰى على يد زوج عمّته الشيخ/ سلطان الحق أمين المكتبة الرئيسيّة للجامعة، وبذلك تيسر له أن يلتحق بالجامعة تحت إشرافه، ويتعلّم في جوّها العلمي التربوي بدايةً من الصفوف الفارسية إلى أن يتخرج فيها عام 1378هـ الموافق عام 1958م، ويصطبغ بصبغة هذا الجوّ النقي، وكانت للشيخ/سلطان الحق رحمه الله- صِلة عميقة بشيخ الإسلام السيد/حسين أحمد المدني رئيس هيئة التدريس بالجامعة (المتوفّٰى عام 1377هـ) وبشيخ الأدب العلاّمة/إعزاز علي الأمروهوي (المتوفّٰى عام 1374هـ)، وبذلك تمكّن شيخنا رياست علي رحمه الله- من أن يتقرّب إلى شيخ الإسلام وشيخ الأدب ويستفيد من تراثهما العلمي وخلقهما الجميل وسلوكهما الممتاز وإن لم يتيسر له أن يدرس عليهما شيئا من الموادّ الدراسية، فقد توفّي شيخ الإسلام المدني قبل دراسة شيخنا في قسم الحديث بسنة، كما توفّي شيخ الأدب وهو يدرس في الصفوف الابتدائيّة.

     وقد كان شيخنا رياست علي يحكي لنا من وقائعهما المحيّرة ما يدلّ على أنه كانت له صِلة عميقة بهما، وأقدّم للقارئ الكريم على سبيل الأنموذج قصةً واحدةً لِهٰذين الشيخين حكاها لنا شيخنا الفقيد تتعلق باهتمامهما بشؤون الطلاب وبرفق شيخ الإسلام الفريد بالطلاب المسافرين:

     «ذات مرّة حصل النزاع بين الطلاب والطبّاخين عند توزيع الطعام فأُخبِر بذلك شيخ الإسلام السيد/حسين أحمد المدني، فاتّجه على الفور إلى المطبخ لِإنهاء هذا النزاع حتى لايصل الأمر إلى مالاتُحمد عُقباه، فلما وصل واكتشف حقيقةَ الأمر بدأ الطلاب يشكون إليه الطبّاخين، والطبّاخون يشكون الطلاب، وشيخ الإسلام يستمع للجانبين بكل هدوء، ثم وصل خبر النزاع إلى سماحة الشيخ/إعزاز علي الشهير بشيخ الأدب في الجوّ الجامعي، فاتّجه هو أيضًا إلى المطبخ، وكان الشيخ/إعزاز علي ذا هيبة ورهبة يحذره الطلاب، وكانوا لايستطيعون أن يستقرّوا في مكان يتوقّعون أن شيخ الأدب سوف يمرّ بهذا المكان ، فلما شاهد الطلابُ المنازعون شيخَ الأدب من بعيد هربوا وانتهى النزاع بمجرّد رؤيته، وقد كان شيخ الأدب قد لاحظ من بعيد أن الطلاب يحتجّون ضدّ الطبّاخين أمامَ شيخ الإسلام وهو يستمع إليهم بكل هدوء! فلما وصل شيخ الأدب شكا إلى شيخ الإسلام هٰذه الظاهرةَ قائلًا: يا فضيلة الشيخ! قد جعلتَ الطلابَ برفقك ومسامحتك أصحابَ جرأةٍ وجسارةٍ! كان عليهم أن يظهروا الندامةَ على مافعلوا، لا أن يحتجّوا أمامك، فردّ عليه شيخ الإسلام قائلًا: إذا كان لِتربية هٰؤلاء الطلاب المسافرين والدٌ مثلُك فينبغي أن تكون لهم والدةٌ أيضًا، فأنت تُمثّل لهم دورَ الوالد وأنا أمثّل دورَ الوالدة».

     يقول كاتب السطور: إن شيخنا رياست علي لما قصّ عليّ هذه القصّةَ فاضت عيناه كأني أنظر إليهما رحمه الله رحمةً واسعةً-.

صلتي بالشيخ رياست علي وعطفه وامتنانه عليّ

     درستُ على فضيلة الشيخ/رياست علي البجنوري «السنن لابن ماجه» في العام الدراسي 1401-1402هـ في الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند بسنده التالي:

     فضيلة الشيخ/رياست علي البجنوري عن العلامة الخطيب المقرئ الشيخ/محمد طيّب مدير الجامعة سابقًا عن محدّث العصر العلامة/ محمد أنور شاه الكشميري عن شيخ الهند/محمود الحسن الديوبندي عن حجة الإسلام الشيخ/محمد قاسم النانوتوي عن الشيخ/عبد الغني المجددي الدهلوي عن الشيخ/محمد إسحاق الدهلوي عن الشيخ/عبد العزيز الدهلوي عن الإمام الشاه/ولي الله الدهلوي (وسند الإمام الشاه ولي الله الدهلوي إلى أصحاب الكتب الستّة وغيرها من أمّهات كتب الحديث معروف ومطبوع).

     لم يتيسرلي أن أدرس على شيخنا الراحل إلاّ السنن لابن ماجه؛ ولكنني لما عُيّنت مدرسًا بالجامعة وإمامًا وخطيبًا للمسجد الجامع فيها كان الشيخ يعمل نائبًا لرئيس الشؤون التعليمية ثم رئيسًا لها، وكنت بحاجةٍ شديدة إلى الإرشاد والتوجيه؛ حيث لم تكن لي تجربةٌ سابقةٌ في مجال التدريس وتربية الطلاب، وكان عمري نحو عشرين عامًا ولم يتيسر لي فيه اكتسابُ التجارب من الحياة ولا معرفةُ طرق التغلّب على الصعوبات، ولا إدراكُ السلوك المعتدل الناجح الذي ينبغي لمدرس مثل هذه الجامعة الغرّاء وإمام مسجدها الجامع أن يسلكه مع الأساتذة والطلاب والموظفين، ولا الاطلاعُ على طرق التدريس الناجحة النافعة، ولافهمُ مناهج تربية الطلاب تربية نافعة تؤتي ثمارَها، فساعدني في مثل هذه المرحلة الحاسمة والوضع الدقيق فضيلةُ الشيخ/رياست علي البجنوري ومشايخي الآخرون وجزاهم الله خير الجزاء- ومكّنوني من أن أستفيد من تراثهم العلمي، وشجّعوني كلما واجهتني مشكلةٌ في ضوء تجاربهم الطويلة، وأرشدوني كلما استرشدتهم في موضوع علميّ.

     ولاأنسىٰ موقفًا لشيخنا الراحل يدل علي عطفه الممتاز وعنايته الخاصة بكاتب هذه السطور عند ماقدمتُ إليه طلبَ إصدار شهاداتي عن طريق الأخ الكريم/محمد عزيز أمين مكتب الشؤون التعليمية (المتوفّٰى عام 1419هـ) رحمه الله- ثم التقيت حسب الموعد بعد عدة أيّام بالأخ/محمد عزيز لاستلام الشهادة، فسلّمها لي قائلًا: كان هناك حاجزٌ لإصدار شهاداتك أزاله فضيلة الشيخ/رياست علي رئيس الشؤون التعليمية بنفسه دون أن يطلبك! فاستغربتُ، وقلت: ما هوذاك الحاجز؟ قال لعلك نسيتَ تأدية اختبار القراءة والتجويد اللازم لإجراء الشهادات من الجامعة! ولكن فضيلة رئيس الشؤون التعليمية قد وضع لك بيده أرقاما كاملة في هذا الاختبار دون أن يخبرك أويطلبك وأمَرَ لك بإجراء الشهادات قائلًا: إنه يصلّي بأساتذة الجامعة وطلاّبها كلَّ يوم خمسَ مرّات، فهذا دليل واضح على أهليته للقراءة والتجويد، فلامانع في حقه من إجراء الشهادات.

     رحمه الله تعالى، وأدخله جنة الفردوس دون أن يناقشه أو يحاسبه، وتقبل منه صالح الأعمال، ورزق ذويه ومحبيه ومن يتعلق به الصبر والسلوان، إنه غفور رحيم.

*  *  *



(*)      أستاذ سابقًا بالجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند، الهند، وأستاذ حاليًّا بجامعة العلوم الإسلامية/ كراتشي، باكستان.